بعد 13 سنة غُربة.. جمهور المصري البورسعيدي يستعد للعودة إلى مدرجاته

تصوير: مؤمن مسعد - جماهير المصري البورسعيدي

كتب/ت مؤمن مسعد
2025-11-23 12:23:55

في السادسة صباحًا، وقبل أن تشرق شمس الأحد، 26 أكتوبر الماضي، كان السيد الحربي، 33 عامًا، ابن بورسعيد، يطوي قميص العمل الأزرق الذي يرتديه كل يوم في المصنع، ويستبدله بقميص النادي المصري الأخضر، كان يعلم أن غيابه عن العمل سيُخصم من راتبه، لكنه لم يعبأ بذلك.

أيقظ ابنه الصغير، وألبسه قميصًا أخضر يشبه قميصه، ثم حمل علم المصري تحت ذراعه، وأمسك بيد طفله متجهًا نحو محطة السفر لمؤازرة فريقه في مواجهته أمام الاتحاد الليبي، ضمن بطولة الكونفدرالية الإفريقية، حيث كان زملاؤه ينتظرونه على الرصيف بحماس مشترك، يقول بابتسامة لا تخلو من الفخر: "مقدرش مسافرش ورا المصري، أنا اتربيت على كده".

بهذه الجملة البسيطة يلّخص السيد حكاية جيل كامل من أبناء بورسعيد، الذين يعد تشجيع النادي المصري بالنسبة لهم أكثر من مجرد انتماء رياضي، حيث يسافرون خلفه ليملؤوا المدرجات بالأعلام والهتافات رغم التحديات.

جماهير المصري البورسعيدي

مجزرة بورسعيد.. لحظة غيّرت تاريخ الكرة في المدينة

خلف هذا الشغف الممتد جرح لم يلتئم، ففي الأول من فبراير عام 2012، لم يكن جمهور المصري يدرك أن تلك الليلة ستُغلق ملعبه لسنوات طويلة، بعد المجزرة التي عرفت إعلاميًا باسم مجزرة بورسعيد.

قبل دقائق من صافرة النهاية، تحولت مدرجات المصري إلى ساحة فوضى، إذ اندفع مئات من المشجعين إلى أرض الملعب، واعتدوا على لاعبي الأهلي وجماهيره، في أحداثٍ دامية راح ضحيتها أكثر من سبعين مشجعًا.

أصدرت المحكمة الرياضية حينها قرارًا بحرمان النادي المصري من اللعب على ملعبه في بورسعيد لمدة أربعة مواسم، واستمر المنع لدواعٍ أمنية حتى بعد انتهاء العقوبة عام 2016، ومنذ ذلك الحين، صار جمهور المصري متنقلًا بين ملاعب الإسماعيلية وبرج العرب والسويس، يتبع فريقه كقافلة عشق لا تتعب، يحمل الأعلام والطبول والذكريات، ويغني للمدرج الذي حُرم منه.

جماهير المصري البورسعيدي

عودة منتظرة.. استاد المصري يستعد لفتح أبوابه 

وبعد مرور ما يقارب أربعة عشر عامًا على إغلاق استاد المصري، تستعد بورسعيد لاستقبال الحدث الذي طال انتظاره، إذ من المقرر أن يُفتتح الاستاد الجديد للنادي بشكل تجريبي في 23 ديسمبر المقبل، بالتزامن مع احتفالات المدينة بالعيد القومي، وفقًا لما أعلنه وزير الشباب والرياضة الدكتور أشرف صبحي.

يكمل السيد: "كل يوم يكون فيه ماتش لازم أغيب من المصنع ويتخصم مني فلوس اليومية، واليوم اللي مديري بيرفض فيه الإجازة بيكون يومه تقيل عليا، لأن دي عادة من أيام أبويا، هو اللي ربّاني على حب المصري، وأنا هورّثه لابني الصغير".

راتب السيد لا يتجاوز 200 جنيه في اليوم، بينما يصل متوسط ثمن التذاكر لحضور المباريات قرابة 75 جنيهًا، بخلاف تكاليف الأكل والمواصلات: "ساعات مكنش معايا فلوس كفاية، بطلب من مراتي تعملي سندوتشات أكلها في الطريق، ولو مكلتش مش فارق، المهم نكسب ونرجع مبسوطين، ومتحمس لإعادة الاستاد من جديد".

جماهير المصري البورسعيدي

ذكريات من المدرج البحري

يجلس نادر عبد الغني، 67 عامًا، أحد أبناء المدرج البحري، على أحد مقاهي حي العرب في بورسعيد، فوق كرسي خشبي أمام بيته، وإلى جواره حفيده الصغير الذي عاد لتوّه من محافظة السويس بعد مشاهدة مباراة المصري أمام الاتحاد الليبي في بطولة الكونفدرالية الإفريقية 2025.

منذ صغره اعتاد عبد الغني أن يلحق بالمصري أينما ذهب، لا يفوّت مباراة تحديدًا لو كانت خارج المدينة، يتذكر رحلاته القديمة إلى الإسماعيلية والإسكندرية وحتى القاهرة عام 1998، حين سافر خلف الفريق في نهائي كأس مصر رغم المسافة التي تبلغ نحو 200 كيلومتر.

يقول وكأنه يستعيد المشهد: "اليوم ده ميتنسيش أبدًا، كنت حاسس إني في حلم، المدرج كله كان أخضر، آلاف من البورسعيدية بيغنوا في صوت واحد لحد لما جبنا الكاس، الناس كانت بتعيط من الفرحة، معرفناش ننام يومها، رجعنا على العربيات والاحتفالات فضلت شغالة طول الطريق".

جماهير المصري البورسعيدي

يرفع نادر بصره نحو صورة قديمة معلقة على الحائط، يظهر فيها استاد بورسعيد مكتظًا بالجماهير، تعلوه لافتة كبيرة كتب عليها بخط عريض: "النادي المصري نادي الوطنية".

يضيف: "حضور الجماهير في استاد المصري كان داعم قوي للفريق وسبب في فوزه، لأن أي فريق كان يدخل بورسعيد في مواجهة المصري كان بيخاف من صوت الجمهور، حتى البطولة الوحيدة اللي خدناها كأس مصر سنة 1998 كانت بفضل الجمهور، وقتها سافر حوالي 40 ألف بورسعيدي على القاهرة".

لم يغب عبد الغني عن مباراة واحدة منذ الثمانينيات، لكنه لم تطأ قدماه أي ملعب منذ مجزرة 2012: "بعد الأحداث المؤسفة اللي حصلت مقدرتش أروح أي استاد تاني، بس قلبي عمره ما بطل يشجع المصري".

جماهير المصري البورسعيدي

اليوم يحاول أن يعوّض سنوات غيابه عن المدرجات بسرد الحكايات التي يحفظها حفيده عن ظهر قلب؛ يجلسان معًا في المقهى، يتصفحان صور اللاعبين القدامى، بينما يروي له عن نجوم المصري ومنتخب مصر في زمنهم الذهبي، عن تمريرات مسعد نور الساحرة وتسديداته التي تهز الشباك من بعيد، وعن مهارة إبراهيم المصري في المراوغة، وعن الأغاني التي كانت تشعل شوارع المدينة فرحًا كلما لعب الأخضر على أرضه.

الآن، ومع اقتراب موعد الافتتاح المنتظر، يعيش كل من السيد وعبد الغني لحظات ترقّب لا تشبه أي انتظار؛ الأول يحلم بأن يصطحب حفيده إلى أول مباراة في الاستاد الجديد ليورّثه شغفه الأبدي بالمصري، والثاني يعدّ الأيام كأنه ينتظر عيدًا قادمًا، كلاهما يدرك أن المسألة لا تتعلق بكرة القدم فقط، بل بعودة الروح إلى مدرج ظلّ صامتًا طويلًا.

تصوير: مؤمن مسعد - جماهير المصري البورسعيدي