جلود الأضاحي في المنيا.. ثروات مصر المهدرة

تصوير: عبدالرحمن خليفة - جلود الأضاحي

كتب/ت عبدالرحمن خليفة
2025-06-06 12:00:06

 

"بعد الانتهاء من الذبح، انتظرنا حضور مسؤول الجمعية الشرعية الذي كان من المفترض أن يتولى جمع جلود الأضاحي، ولكن مع تأخره وعدم قدومه، اضطررت إلى رمي جلد الأضحية في الترعة"، هكذا يروي خلف سيد، 50 عامًا، مواطن من مركز ملوي في محافظة المنيا، سبب تخليه عن جلد الأضحية.

يوضح أن الجمعيات الشرعية تتولى جمع جلود الأضاحي في المحافظة وإعطائها إلى مديرية الأوقاف، ولكن في حال عدم تواجدهم يلقي المواطنون بالجلود في الشوارع أو الترعة: "لا يوجد بالمحافظة منفذ آخر أمامنا".

غلق المدابغ

يؤكد حديثه ماهر فوزي، 50 عامًا، تاجر جلود منذ سنوات بالمحافظة: "أغلقت المدابغ في أبو قرقاص وملوي منذ إنشاء مدينة الروبيكي بالقاهرة، وهي مدابغ غير رسمية من الأساس، لذا بعض المواطنين يلقون الجلود في الشارع، وتجار يشترونها ويردونها للمصانع ويأخذون نسبة من الأرباح، لأنها تعتبر ثروة".

يتسبب غياب المدابغ بمحافظة المنيا في إهدار ثروة كبيرة من الجلود خلال عيد الأضحى، حيث تستعد المحافظة لذبح أكثر من 41 ألف رأس ماشية وفقًا لبيانات وزارة الزراعة خلال مارس 2025.

ويأتي ذلك في ظل غياب منظومة واضحة لجمع الجلود والاستفادة منها بشكل رسمي، ما يفتح المجال أمام بعض التجار لتحقيق أرباح غير منظمة من بيع الجلود.

ونتيجة ذلك، يؤكد عمرو عبد الرحمن، رئيس قسم التراخيص والمخلفات بمديرية الطب البيطري بالمنيا، أن سوق الجلود في المحافظة لا يعمل وفق منهجية واضحة، بل يخضع فقط لقوانين العرض والطلب، مما يؤدي إلى تفاوت كبير في الأسعار بين التجار، ويهدر كمية كبيرة من الجلود بسبب غياب المدابغ الرسمية.

تحظر المادة 138 من قانون وزارة الزراعة رقم 53 لسنة 1966 المعدل لسنة 2022 سلخ الجلود لغير المختصين التابعين للوزارة في المجازر الرسمية: "لا يجوز لغير الأشخاص المرخص لهم من وزارة الزراعة القيام بسلخ الجلود خارج مجازر الوزارة".

بينما أوصت الحكومة المصرية في عام 2020 بعدة إجراءات بسبب تراجع صناعة وتصدير الجلود؛ نتيجة عيوب ذبح الماشية، منها أن تتولى غرفة صناعة الجلود وضع آلية مناسبة لتحفيز الجزارين على استخدام السلخ الآلي لجلود الماشية الموردة لمصانع الجلود، بهدف الحد من تداول الجلود التي تُسلخ يدويًا وتُفقد الدولة جزءًا كبيرًا من تلك الثروة.

هدر الجلود وتمزيقها

يوضح الدكتور عمرو عبد الرحمن، رئيس قسم التراخيص أن الجلود الناتجة عن الذبح داخل المجازر تتمتع بجودة عالية وتصنّف كدرجة أولى، ما يجعلها مرغوبة لدى التجار وتباع بسعر أعلى، نظرًا لخلوها من القطوع والعيوب، موضحًا أن هناك توجهًا قريبًا لتطبيق ختم رسمي على الجلود الخارجة من المجازر، بهدف توثيق مصدرها وضمان جودتها أمام المصانع والمشترين.

ويكشف الدكتور عازر فوزي، طبيب بيطري في سمالوط، أن أسعار الجلود التي تُسلخ داخل المجازر تتفاوت حسب نوع الماشية وجودة السلخ، موضحًا أن جلد العجل البلدي يُباع بنحو 450 جنيهًا، بينما يبلغ سعر الجلد المستورد 400 جنيه، في حين يصل جلد البقري إلى نحو 170 جنيهًا، لافتًا إلى أن هذه الأسعار تختلف من تاجر إلى آخر، وفقًا لحالة الجلد ومدى قابليته للدباغة.

بينما يؤكد خالد خليفة، 45 عامًا، جزار من مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا، أن أسعار الجلود تراجعت بشكل كبير هذا العام، إذ يبلغ سعر جلد البقر نحو 100 جنيه، فيما يُباع جلد الجاموس بـ220 جنيهًا فقط، مقارنة بـ600 جنيه في العام الماضي، ووصوله في سنوات سابقة إلى نحو 1000 جنيه. 

ويُرجع هذا الانخفاض الحاد إلى إغلاق المدابغ في المحافظة، ما أثّر سلبًا على حركة البيع والتسعير: "جودة الجلد لا تتعلق بمكان الذبح، سواء داخل المجزر أو خارجه، وإنما تعتمد على مهارة الجزار في عملية السلخ، لأن أي تمزق فيه يجعله غير صالح للبيع أو التصدير".

تراجع التصدير

أثر ذلك على صادرات مصر من الجلود التي تراجعت بنسبة 32.9% خلال الربع الأول من عام 2025، لتسجل نحو 23.2 مليون دولار، مقارنة بـ34.6 مليون دولار خلال نفس الفترة من عام 2024.

واستحوذ قطاع دباغة الجلود على النسبة الأكبر من هذه الصادرات، حيث شكّل 54.9% من إجمالي صادرات القطاع خلال أول ثلاثة أشهر من العام الحالي، محققًا 12.7 مليون دولار، مقابل 14.7 مليون دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي، بانخفاض قدره 13.6%.

يعزو عبد الرحمن الجباس، عضو مجلس إدارة غرفة صناعة الجلود باتحاد الصناعات المصرية، تراجع صادرات الجلود إلى تفشي الذبح خارج المجازر، معتبرًا إياه السبب الرئيسي في إهدار الجلود، إذ تتجاوز نسبة الذبح العشوائي 50%. 

ويوضح الجباس لـ"المنياوية" أن الجلود الناتجة عن هذه الممارسات تكون ذات جودة منخفضة، فضلًا عن تأثرها بانتشار أمراض جلدية بين الماشية، نتيجة إهمال بعض المربين لمواعيد التطعيمات، ما يزيد من تدهور حالتها وصلاحيتها للدباغة والتصنيع.

ويؤكد حديثه ماهر فوزي، تاجر جلود بالمنيا: "كميات كبيرة من الجلود تُهدر خلال فترة عيد الأضحى بسبب سوء السلخ داخل المنازل، حيث يؤدي استعجال الجزارين إلى تمزيق الجلد أثناء الذبح".

ويضيف فوزي: "عندما نحصل على الجلود غالبًا ما نضطر لرفض الممزقة، لأن المصانع لا تقبلها، ونحن نُسعّر الجلد بناءً على جودته، ويتراوح بين 150 إلى 400 جنيه".

ويشير إلى أن السبب الأساسي وراء تراجع الأسعار هو إغلاق المدابغ الصغيرة التي كانت تنتشر في المنيا وقرى مركز أبو قرقاص، والتي كانوا يتعاملون معها بشكل مباشر في السابق، قبل مدينة الروبيكي.

الروبيكي هو مشروع قومي أُطلق قبل نحو 9 سنوات بهدف تطوير صناعة الجلود في مصر، ونقلت إليه مدابغ القاهرة التاريخية، بعد توقف دام نحو 15 عامًا، وأزالت الحكومة حوالي 100 ورشة دبغ الجلود حتى تقتصر الدباغة في ذلك المشروع الذي يقام على مساحة تبلغ 1629 فدانًا.

آثار بيئية

بينما الجباس يؤكد عيد الأضحى يُعد من المواسم التي تشهد وفرة كبيرة في الجلود، إذ يرتفع المعروض إلى ثلاثة أضعاف المعدل الطبيعي، ما ينعكس إيجابًا على نشاط قطاع دباغة الجلود، مبينًا أن غياب المدابغ الرسمية في عدد من المحافظات يُهدر جزء كبير من الجلود نتيجة إلقاء المواطنين لها في الشوارع أو الترع.

من بين هؤلاء أحمد حمزاوي، 40 عامًا، من مركز سمالوط، يقول: "في عيد الأضحى الماضي، مزق الجزار الجلد أثناء السلخ، وعندما جاء مسؤول الجمعية الشرعية فوجده ممزقًا، رفض استلامه، ظل الجلد أمام المنزل حتى بدأ في التحلل، فاضطررت إلى إلقائه في الترعة". 

وهو ما يُجسد كيف يتحول فائض الجلود في موسم الأضحى من فرصة صناعية إلى عبء بيئي واقتصادي، في ظل غياب مدابغ للاستفادة من تلك الثروة.

يحدد الجباس حجم الهدر في الجلود: "نسبة الإهدار في جمع الجلود كبيرة لدرجة يصعب تحديدها بدقة، المصنع الذي يشتري ألف جلد قد يجد بينهما فقط 500 فقط صالح للاستخدام، رغم أن المفترض أن تكون جميعها صالحة".

انخفضت مشتريات مصانع دباغة الجلود من جميع الأنواع خلال عيد الأضحى العام 2022 بنسبة 50%، حيث سجلت نحو 500 ألف جلدة فقط، مقارنة بمليون جلدة في العام الماضي؛ نتيجة التلف ونقص المدابغ، وفق بيان غرفة الجلود.

ويتفق الدكتور عمرو عبد الرحمن، رئيس قسم التراخيص والمخلفات بمديرية الطب البيطري بالمنيا، مع ما ذكره الجباس حول تدهور جودة الجلود، موضحًا أن الذبح داخل المجازر يحافظ على الجلد بشكل أفضل، بسبب تمليحه فورًا بعد السلخ لمنع التعفن. 

ويوضح لـ"المنياوية" أنه في حالة الذبح العشوائي يُترك الجلد لفترات طويلة معرضًا للتعفن، مما يزيد من الهدر، فضلًا عن عدم اهتمام الجزارين بالسلخ الجيد داخل المجازر للحفاظ على الجلد في حالته الأصلية.

الذبح خارج المجازر

تضم المنيا 38 مجزرًا حكوميًا تخدم 9 مراكز بالمحافظة، ويخالف الذبح خارج المجازر الرسمية قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 المعدل سنة 2022، حيث تنص المادة 136 منه على: "لا يجوز في المدن والقرى التي يوجد بها أماكن مخصصة رسميًا للذبح أو مجازر عامة، ذبح أو سلخ الحيوانات المخصصة لحومها للاستهلاك العام، خارج تلك الأماكن أو المجازر، ويعاقب المخالف بالحبس سنة وغرامة 10 آلاف جنيه".

وبحسب تقرير عدد رؤوس الماشية المذبوحة خلال عام 2023، الصادر ضمن كتاب "مصر في أرقام"، بلغ إجمالي عدد الرؤوس المذبوحة على مستوى الجمهورية نحو 1.756 مليون رأس ماشية.

 وجاءت محافظة المنيا في المرتبة الثامنة بين المحافظات، بعدد بلغ 85 ألف رأس ماشية ذُبحت داخل المجازر الحكومية.

لذا يشدد الجباس، عضو غرفة الجلود، على أهمية تعميم المجازر الآلية الرسمية في مختلف المحافظات لتحسين جودة الجلود والحفاظ على قيمتها، حتى لا تتراجع أسعارها بما يدفع الجزارين إلى الإهمال فيها.

ويقول علي يوسف، 30 عامًا، جزار من مركز ملوي، إن تراجع أسعار الجلود دفع العديد من الجزارين إلى عدم الاهتمام بإخراج الجلد بشكل سليم، موضحًا: "من كام شهر كان سعر الجلد البقري 30 جنيهًا بس، طبيعي مش هتعب نفسي في السلخ، لكن لما كان السعر عالي كنا بنهتم بجودته لأنه كان بيدر علينا ربح محترم".

ويُرجع علي السبب في انخفاض الأسعار إلى تدهور جودة الجلود الناتجة عن سوء السلخ وعدم العناية بها، مضيفًا أن ارتفاع أسعار اللحوم جعل الجزارين يُركّزون على اللحم فقط، خاصة أن سعر الجلد حاليًا لا يعادل حتى نصف كيلو لحمة، بعد أن كان في فترات سابقة يصل إلى ألف جنيه.

جانب آخر للأزمة يبرزه الدكتور عازر فوزي، الطبيب البيطري، بأن الجزارين الذين يذبحون داخل المنازل خلال عيد الأضحى يهتمون بسرعة الذبح أكثر من الحفاظ على جودة الجلد، بعكس العاملين في المجازر، الذين يلتزمون بأسلوب "تربيع الجلد"، وهي طريقة تضمن مساحة أكبر عند التمليح وتساعد في الحفاظ على الجلد من التلف.

ويشير فوزي إلى أن بعض الأمراض مثل الجدري والإصابات الفطرية تؤثر على جودة الجلد، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن المجازر لا تستقبل أي ماشية تظهر عليها علامات إصابات جلدية، وهو ما يجعل الذبح داخل المجازر أكثر أمانًا على مستوى سلامة الجلود وصلاحيتها للدباغة.

انخفاض الأعداد

وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، انخفض عدد رؤوس الماشية والحيوانات في مصر من 19.9 مليون رأس عام 2010 إلى 8.1 مليون رأس في 2021، بينما أعلنت وزارة الزراعة في يونيو الماضي أن عدد رؤوس الثروة الحيوانية في مصر بلغ 7.5 مليون رأس خلال عام 2023، باستثناء الدواب.

يقترح عبدالرحمن الجباس، عضو غرفة الجلود، ضرورة قيام وزارة الزراعة والهيئة البيطرية بتكثيف جهودها في متابعة حملات التطعيم وتشديد الرقابة على الأسواق والذبح خارج المجازر. 

ويشدد على ضرورة رفع سعر الجلد لتحفيز الجزارين على الاهتمام لكنه سيؤثر سلبًا على القدرة التنافسية للتصدير، مشيرًا إلى أن قيمة صادرات مصر السنوية من الجلود المدبوغة تُقدّر بنحو مليار ونصف جنيه.

حاولنا التواصل مع الدكتور محمد القرش، المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة، عبر الهاتف وتطبيق الواتساب، لمعرفة جهود الوزارة في الحد من هدر الجلود داخل المحافظات التي لا تحتوي على مدابغ رسمية، إلا أنه رفض التعليق.

يرمي خلف وحمزاوي كل عام جلود الأضاحي في الترعة، بينما يمرّ العيد على محافظة المنيا حاملاً معه فرصة ذهبية لتعظيم الاستفادة من ثروة قومية تُذبح على عتبات البيوت وتلقى بالشوارع نتيجة غياب المدابغ الحكومية.

تصوير: عبدالرحمن خليفة - جلود الأضاحي