على الطريق المؤدي إلى دير جبل الطير في محافظة المنيا، تمضي نرمين وصباح، جنبًا إلى جنب، تتشابك خطواتهما كما تشابكت سنوات الصداقة بينهما، منذ أن جمعهما احتفالات رحلة العائلة المقدسة، تحمل كل منهما زجاجات المياه، والفطير البلدي، يقتسمان الطعام طوال أيام الاحتفال داخل خيمة تقيهما من شمس الصعيد الحارقة.
بين ضحكة تطلقها صباح على موقف قديم، ونظرة امتنان في عيني نرمين، تبدو الرحلة كأنها طقس سنوي من الوفاء، لا مجرد زيارة إلى مكان مقدس.

بداية الرحلة
قبل أعوام، لم تكن نرمين كامل، 40 عامًا، تعرف أحدًا في ملوي، حين جاءت من قريتها "البرشا" لتبدأ حياة زوجية جديدة، تسكن في عمارة هادئة لا تعرف فيها الوجوه ولا الأسماء، لكن كل ذلك تبدد حين طرقت صباح علي، 45 عامًا، بابها لتنشأ من هنا علاقة صداقة امتدت عبر السنين من قرية البرشا إلى دير جبل الطير.
هذا العام، كانت المرة الأولى التي تزور فيها صباح موسم العذراء للاحتفال بذكرى رحلة العائلة المقدسة بصحبة نرمين، تقول بابتسامة: "كل سنة أقول سأذهب، وتمنعني الظروف، لكن هذه المرة اتفقنا وجئنا، وقضينا ثلاثة أيام سويًا في بيت مستأجر، وجلبنا أولادنا، وكانت أيامًا جميلة للغاية".
تمشي صباح وهي تردد أدعية إسلامية بطريقتها الخاصة، بينما تهمس نرمين في قلبها بصلاة للعذراء، وكلٌّ منهما تؤمن أن النية الصادقة هي ما يهم أمام الله، لا يمكنك أن تميز أيًا منهن المسلمة والمسيحية، العلاقة بينهما تجاوزت حدود الديانة، وربطتهما صداقة خالصة تشبه الطريق الذي تمشيان فيه.
تقول صباح عن علاقة الصداقة التي جمعتها بجارتها المسيحية نرمين: "هي أول إيد اتمدت ليا في المنيا، ومن يومها بدأت صداقتنا تكبر يوم بعد يوم بتروح معايا الجامع وأنا روحت معاها دير جبل الطير السنة دي عشان احتفالات العدرا".
بينما نرمين تقول: "أوقات بننسى مين فينا المسيحية ومين المسلمة، إحنا مع بعض في الفرح والحزن ومش مجرد جيران، والسنة دي روحنا الدير وقعدنا طول مدة الاحتفالات بالعائلة المقدسة ودخلنا الكنسية سوا".

شموع الكنيسة تجمعهما
داخل خيمة الاحتفال المقامة في دير جبل الطير، جلست نرمين وصباح وسط الزوّار يتقاسمان طعامهما كما يتقاسمان دعوات القلب، أحضرت كل واحدة منهما ما تيسّر من الزاد، وتشاركتا الطعام والضحكات، بينما أصوات الترانيم ترتفع من بعيد، ممزوجة بأحاديث الزوّار من بسطاء القرى.
دخلتا الكنيسة سويًا، مشت صباح خلف نرمين في خشوع، ولم تتردد في أن توقد شمعة إلى جوار شمعة صديقتها، ترفرف نيرانها الصامتة كأنها تبارك خطوات الصديقتين: "كلها بيوت ربنا المسجد زي الكنيسة المهم النية واللي في القلب".
رفعت كل منهما دعاءها الخاص، ثم خرجتا تتأملان الوجوه المحيطة، متشابهة في التقوى والبساطة، تقول نرمين، وهي تنظر إلى صديقتها بحنان: "إحنا عمرنا ما فكرنا مين مسيحي ومين مسلم، في العيد بنكون سوا، سواء عيد فطر أو عيد ميلاد المسيح، اللي بينا عشرة عمر، ومحبة من غير شروط".
وتضحك صباح وهي تسترجع لحظاتٍ بسيطة لكنها غالية: "كل سنة نرمين تيجي قبل العيد نعمل كحك العيد سوا، ونوزعه على الجيران دي أختي اللي أمي مجبتهاش".
ثم تضيف بثقة وإيمان: "السيدة العذراء مش بس للمسيحيين، دي مذكورة في كل الكتب السماوية، ومحبتها في قلب أي إنسان قلبه طيب ونضيف".

محبة لا تنضب
تتذكر صباح قصة تركت أثرًا عميقًا في قلبها، وجعلتها تزداد حبًا وتعلقًا بالسيدة العذراء مريم، تحكي عن فتاة مصرية سافرت إلى اليونان لتبدأ حياة جديدة في عالم الطهي، وفي أحد الأيام، ضلّت الطريق وسط الأزقة الأوروبية الضيقة، ومشت وحيدة في شوارع غريبة عنها وقالت لنفسها: "هي المدينة دي مفيهاش جامع؟"
بحثت بعينيها عن أي مأوى يطمئن قلبها، حتى لمحَت كنيسة صغيرة في أحد الأركان، دخلتها ووجدت المكان ساكنًا، تفوح منه رائحة الشموع، وصور العذراء مريم تملأ الجدران، أشعلت شمعة، ووضعت نقودًا في صندوق النذور، ثم وقفت تقرأ سورة الفاتحة بكل صدق وخشوع.
خرجت من الكنيسة، وكأن نورًا داخليًا بدأ يرشدها، لتجد الطريق إلى بيتها وحين سألها أحدهم لاحقًا بدهشة: "قريتي الفاتحة في الكنيسة؟"، ردّت ببساطة ويقين: "مش كلها بيوت ربنا؟".

تحمل هذه القصة، التي روتها الفنانة عارفة عبدالرسول في الفيلم الوثائقي "أحكي عشان تعيش" صورة حيّة من واقع نرمين وصباح، وتستحضرها الأخيرة كلما نظرت إلى العذراء، لأنها رأت فيها رمزًا للطمأنينة التي لا تفرّق بين قلب وآخر أو دين ودين.
في قلب محافظة المنيا، وتحديدًا على سفح جبل الطير بمركز سمالوط، تتوافد الجموع عامًا بعد عام، نحو مليونين ونصف المليون زائر، يحملون نذورهم وأمنياتهم، وقلوبهم عامرة بمحبة السيدة العذراء، من بينهم نرمين وصباح اللتان تمضيان الطريق جنبًا إلى جنب، تحمل كلٌّ منهما إيمانها بطريقتها، تجلسان سويًا تتبادلان الطعام، وتشعلان الشموع داخل الكنيسة بنفس المحبة.