"جبل الطير".. مزار يجمع الطقوس والذكريات على طريق العائلة المقدسة

تصوير: عبدالرحمن خليفة - احتفالات رحلة العائلة المقدسة

كتب/ت عبدالرحمن خليفة
2025-05-29 14:32:07

في قلب الصعيد، على ربوة تطل على النيل من جهة الغرب، يعلو دير جبل الطير فوق صخرة، وكأنه حارس لذاكرة مقدسة تعود إلى قرون مضت. في تلك الأيام تستعيد أرض الدير صدى خطوات رحلة العائلة المقدسة، التي آوت إلى مغارة صغيرة في قلب الجبل، فصار مزارًا والمغارة مهدًا.

في ذكرى هذه الرحلة التي تبدأ كل عام في 22 مايو إلى 29، يتحول دير جبل الطير إلى قبلة ملايين الزوار يأتون من كل المحافظات محملون بالرجاء والتراتيل والكثير من الطقوس المختلفة، ليستعيدوا اللحظة التي مرّت فيها السيدة العذراء مريم والطفل يسوع في طريق هروبهم إلى مصر من بطش الرومان، وفق تعاليم المسيحية.

ورغم الطابع الديني الذي يميّز دير جبل الطير، إلا أن زيارته لا تقتصر على الشعائر الروحية فقط، بل تتحول إلى رحلة متكاملة بين المحال التجارية والكنيسة وأماكن ترفيهية وطقوس أخرى.

بداية رحلة العائلة المقدسة

بدأت الرحلة المقدسة من منطقة الفرما، الواقعة على أطراف العريش، حيث وضعت العائلة المقدسة أولى خطواتها على أرض مصر، ومنها تنقلت بين المدن والنجوع، من بيت إلى مغارة، ومن نخلة إلى نبع ماء.

يحكي القس ثاؤفيلس القمص متى كامل، خادم دير جبل الطير تاريخ الرحلة: "من بين تلك المحطات، جاء جبل الطير كواحدة من العلامات البارزة على هذا الطريق، في مغارة صغيرة داخل الجبل، احتمت السيدة العذراء مريم وطفلها، قبل أن تستأنف العائلة طريقها جنوبًا حتى استقرت في دير المحرق بأسيوط، ومكثوا ستة أشهر كاملة، لتصبح تلك البقاع ليست مجرد جغرافيا، بل نقاط نور مقدسة تحمل في طياتها أسرار العناية الإلهية".

جبل الطير ليس مجرد موقع أثري أو دير قديم، بل هو شاهد حي على لحظة تاريخية، وهي مرور العائلة المقدسة بأرض مصر، وفق القس، إذ لم يكن العبور مصادفة، بل تحقيقًا لنبوءات قديمة، وتنفيذًا لأمر الملاك الذي تراءى لهم قائلًا: "قم وخذ الصبي وأمه وأهرب إلى أرض مصر"، فدخلوا الأرض المباركة، وباركوها، وسارت معهم البركة حيث حلّوا".

تسمية جبل الطير

تعود تسمية الدير إلى جبل الطير بسبب كثرة الطيور التي تحلق فوقه وتستوطن قممه، خاصة طيور "البوقيرس" التي اتخذت من تجاويف الجبل أعشاشًا طبيعية لها، كانت هذه الطيور تأتي بأعداد كبيرة خلال مواسم معينة، فتملأ السماء بأصواتها وتظلل المكان بأجنحتها.

لكن التسمية لا تتوقف عند حدود الطبيعة، بل تتداخل مع روحانية المكان، يقول القس: "ارتفاع الجبل وهدوئه جعلاه موطنًا مثاليًا للطيور ومحرابًا طبيعيًا للسكينة، وحين ارتبط اسمه برحلة العائلة المقدسة أصبح جبل الطير ليس فقط ملاذًا للطيور، بل لكل من يحلّق بأحلامه من الزائرين".

وسط الزحام الهادئ، تمتلئ باحة دير جبل الطير بالزائرين، يحملون في قلوبهم نذورًا قديمة وأمنيات مؤجلة، يقودهم الإيمان، وتشدهم الحكايات التي ترددت عبر الأجيال. منهم صالح عبدالسلام، رجل خمسيني من محافظة بني سويف، يسند والدته المُسنة خلال صعودها درجات الدير، بعدما جاءوا في أول يوم بالاحتفالات.

يقول: "نأتي إلى هنا كل عام، والدتي رغم تعبها الشديد أصرت على الحضور، وقالت لي مش هنقدر نفوّت الاحتفال، إحنا بنحب السيدة العذراء، وليها مكانة كبيرة في قلوبنا سواء مسلمين أو مسيحين". 

في زاوية أخرى، كان كيرلس جمال، 22 عامًا، يجلس بجوار إحدى قباب الدير، يتأمل الوجوه العابرة، يقول : "باجي كل سنة من مركز العدوة، ببدأ أحجز غرفتي من بدري عشان الازدحام بيكون كبير، وأقعد هنا لحد ما الاحتفالات تخلص".

يضيف: "المكان ده بالنسبالي مش مجرد دير بحس إني قريب من السما، كل اللي حواليا بيحكوا حكاياتهم، وكل حكاية فيها أمل ومعجزة، وكل النذور محببة إلى قلبي، من الصلاة والدعاء والشموع للعذراء مريم في الكنيسة".

كنيسة ومغارة الدير 

على مقربة من صالح وكيرلس، توجد الكنيسة الأثرية في قلب الجبل، يقف بعض الزائرين أمام أيقونة السيدة العذراء، يشعلون الشموع بخشوع، وآخرون يدعون أمام صليب يعلوه مجسم للعذراء.

وبعد أن يفرغ الزوار من الصلاة، يلتقطان صورًا تذكارية. يعود تاريخ الكنيسة وفق القس ثاؤفيلس إلى القرن الرابع الميلادي، ما زالت تحتفظ بطابعها التاريخي الفريد، لم تمتد إليها أدوات التحديث سوى في الطابق العلوي، الذي خضع لبعض أعمال الترميم للحفاظ على بنيانه، بينما ظل الطابق الأرضي على حاله، منحوتًا بالكامل في صخور الجبل.

يضيف: "الكنيسة المنحوتة في الصخر شيدتها الإمبراطورة هيلانة في القرن الرابع الميلادي، وهي من أقدم الكنائس في العالم، وتشهد لحظات نادرة حيث يجتمع المسلمون والمسيحيون تحت خيمة واحدة، يتبادلون الطعام والضحكات".

بينما المغارة المقدسة تعود إلى القرن الأول الميلادي، والتي يقال إن السيدة العذراء مريم احتمت فيها بطفلها يسوع والقديس يوسف النجار، خلال مرورهم بالجبل، بحسب ثاؤفيلس هذه المغارة ليست مجرد كهف معتم، بل هي قلب الدير الذي يأتي إليه الزوار.

وبمرور السنوات تعاظم مكانة الكنيسة والمغارة، واتسعت رقعة الاحتفال وتحوّلت المناسبة إلى حدث روحي وشعبي كبير، يُجسّد حالة فريدة، إذ بات دير جبل الطير يستقطب قرابة مليونين ونصف المليون زائر سنويًا، من المسيحيين والمسلمين معًا.

كما إن المغارة التي تقع داخل الكنيسة، والتي وضعت فيها السيدة العذراء قدمها، أصبحت منذ ذلك الحين منارة للعالم، مضيفًا: "جذور الاحتفال السنوي في دير جبل الطير تعود إلى زمن بعيد، وتحديدًا إلى عام 328 ميلادية، في القرن الرابع، حين بدأ تكريم هذا الموضع المقدس باعتباره محطة من محطات العائلة المقدسة خلال رحلتها في أرض مصر".

في عام 2022، أعلنت منظمة اليونسكو إدراج مسار العائلة المقدسة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، اعترافًا بما يحمله من قيمة دينية وتاريخية، يستعيد القس ثاؤفيلس هذه اللحظة: "الإدراج جعل السياح يقبلون على زيارة المكان من مختلف دول العالم، حيث كانت الاحتفالات آنذاك بسيطة في طقوسها، ولم يكن عدد الزائرين كبيرًا، بل اقتصر على بعض القرى المجاورة وأهل الإيمان الذين تناقلوا الرواية جيلًا بعد جيل، أما الآن أصبحت صاخبة ولها أوجه متعددة مثل التجار وملاهي الأطفال وكذلك راسمو الوشم".

عادة الوشم

في زوايا الدير لا يقتصر الحضور على الصلاة فقط، بل يمتد إلى طقوس وعادات متوارثة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من تجربة الزيارة، من بين هذه الطقوس، يبرز الوشم كعلامة جسدية، يختارها الزوار لتكون نقشًا دائمًا لتلك الذكرى.

ملاك صبحي، شاب ثلاثيني، جاء في اليوم الأول من الاحتفال لأجل هذه العادة. يجلس على كرسي خشبي أمام عزيز فوزي، أحد أشهر صناع الوشم في دير جبل الطير، ينقش له أيقونة السيدة العذراء، بحروف وإبر دقيقة. 

يقول ملاك: "أنا جاي مخصوص عشان أوشّم صورة العدرا، دي حاجة بعملها كل سنة تقريبًا، إما أزود وشم جديد، أو أجدّد اللي عندي لأنه بيختفي مع الوقت".

يُشير ملاك إلى أن محافظة المنيا لا توجد بها محلات متخصصة في الوشم، ما يجعل موسم الاحتفال في دير جبل الطير فرصة نادرة له ولغيره من الزوار للحصول على وشم: "دا مش مجرد وشم أو نقش، إحنا بنعتبره طقس بيتكرر كل عام، وبيعمّق ارتباطنا بالسيدة العذراء".

نفس الارتباط تشعر به مريم عادل، 30 عامًا، إحدى زوار الدير من مركز ملوي بمحافظة المنيا، تأتي كل عام برفقة أسرتها، تقول:"نأتي أنا وأسرتي إلى الدير للاحتفال، والمشاركة في القداسات والصلوات داخل الكنيسة والمغارة، هنا أشعر أن قلبي يتطهر ببركة السيدة العذراء، فالمكان مليء بالسلام، وكأننا في السماء".

على بُعد 25 كيلومترًا شمال شرق مدينة المنيا، يقع دير جبل الطير الشاهد كل عام على احتفالات ذكرى مرور العائلة المقدسة، بينما يتوافد الزائرون من كل صوب حاملين صلواتهم وأمانيهم السنوية.

 

تصوير: عبدالرحمن خليفة - احتفالات العائلة المقدسة