لماذا تُغضب العصافير أمي؟

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت فاطمة منتصر
2025-08-15 20:00:06

تسكن جدتي في الشارع الخلفي لكورنيش النيل بأسوان، الذي يمتلئ في فصل الشتاء بعربات الحنطور المزينة لاستقبال السائحين، فهو فصل العمل الوفير، حيث يستطيع مالك الحنطور أن يوفر الأكل للحصان. 

أما في فصل الصيف، وما أطول فصل الصيف في أسوان! تكاد السياحة تنعدم، يقوم سائقو العربات بإطلاق الخيول في الشارع الخلفي للكورنيش، حيث توجد الحدائق التي تملأ الفراغ بين العمارات. 

تحتوي عمارة جدتي على حديقتين؛ أمامية وحديقة خلفية. الحديقة الأمامية ليس لها سور، أما الحديقة الخلفية فلها سور من الخشب والأسلاك الشائكة، وتمتلئ بالأزهار والأشجار. دائمًا ما يأتي إلى الحديقة الأمامية بعض الأحصنة في فصل الصيف لتأكل من الحشائش التي توجد في الحديقة.

في يوم من الأيام، كنت أنظر من شباك جدتي على الحديقة الأمامية، فوجدت حصانًا  يبحث عن أكل في الحديقة. بعد ذلك، توجهت إلى المطبخ وجلست أنظر إلى أمي وهي تقطف أوراق الملوخية، وانتظرتها حتى انتهت، وذهبت لأخذ أغصان الملوخية، وذهبت مسرورة إلى الحديقة، ورميت للحصان أغصان الملوخية، وأنا أنتظر أن يأكلها، لأنها وجبة دسمة للحصان، لكنه نظر إليها ولم يأكلها. وفجأة، سمعت صوت أمي من النافذة وهي غاضبة: "من فعل هذا بالحديقة؟" قلت لها: "أنا من فعلت لكي يأكل الحصان". قالت وهي غاضبة: "الحصان لا يأكل الملوخية!". لكنني حزنت جدًا، وجلست أفكر لماذا كلما حاولت أن أطعم حيوانًا، تغضب أمي وترفض أن يأكل الحيوان من الطعام الذي أعطيه إليه. ذهبت وأنا حزينة إلى جدتي لأروي لها ما حدث، ولماذا تغضب أمي مني هكذا؟.

قالت لي جدتي السر: "عندما كانت أمك صغيرة، كانت هي وخالتك تلعبان في الحديقة، بعد ذلك وجدتا عصفورًا ملقىً على الأرض لا يستطيع أن يطير، فذهبتا إلى البيت لتأتيا بحقيبة الإسعافات الأولية، وكانت هذه الحقيبة تحتوي على مقص، وشاش، وزجاجة ميكروكروم، وأنبوبة مرهم للحروق".

سألت جدتي: "ما هو الميكروكروم؟" قالت لي: " سائل أحمر اللون، كنا نضعه على الجروح لتطهيرها وتسهيل التئامها".بعد ذلك، اتجهتا إلى العصفور المصاب وفعلن كل ما استطاعا فعله لإنقاذه، قاما بقص جناحه وخيطته ووضعوا له المرهم والشاش لكي يشفى. وفي اليوم التالي، وجدتاه ميتًا، فحزنتا حزنًا شديدًا عليه ودفنتاه في الحديقة. وعندما علم جدك بذلك، ذهب إلى محل في السوق يبيع الطيور والحيوانات الأليفة، فاشترى عصفورين، أحدهما أصفر اللون والثاني أخضر، واشترى القفص والأكل، وفرحوا في البيت جدًا جدًا، ووضعوا الماء والطعام في المكان المحدد في القفص، وأخذوا ينظرون بإعجاب وفرحة وحب لهما. وكان العصفوران لا يهدآن، أصواتهما وحركاتهما مستمرة، وفي اليوم التالي وجدوهما لا يتحركان، ماتا. بدأت أمك بالبكاء وخالتك.

وعندما علم جدك بالخبر، أخذ القفص وذهب إلى صاحب المحل الذي اشترى منه منزعجًا، فقال له صاحب المحل: "يا أستاذ، حضرتك العصفورين لازم يتخانقوا لما يبقوا مع بعض في نفس القفص ويموتوا بعض لأنهما ذكران".

فانزعج جدك جدًا وقال له: "لماذا أعطيتني العصفورين وأنت تعلم ذلك؟"

فقال البائع: "يا أستاذ، حضرتك الذي اخترت العصافير وليس أنا".

عاد جدك إلى البيت غضبانًا وقال: "هذا غش واحتيال، لا تشتروا من هؤلاء أبدًا بعد الآن".

لم يمض وقت طويل على حادث العصافير حتى ذهب خالك إلى السوق ووجد هناك محلًا آخر يبيع الطيور والحيوانات الأليفة، وقططًا جميلة وعصافير ملونة وسلاحف وأرانب وحوضًا مليئًا بأسماك جميلة ملونة، فاشترى سمكة جميلة مخططة بألوان زاهية، وضعها له البائع في كيس مليء بالماء، وقال له البائع: "عندما تصل للمنزل، ضعها في طبق كبير مليء بالماء".

وفعلا فعل خالك ذلك، ولكن بعد بضع ساعات توقفت السمكة عن الحركة وماتت.
وهنا دخلت أمي وسألتها: "كل هذه الحيوانات ماتت؟" قالت: "ليس نحن فقط، حتى جيراننا كان لديهم سلحفاة تدعى كوكي، كنا نلعب معها كثيرًا، حتى جاء أحد الأطفال الصغار وألقاها معتقدًا أنها حجر، فماتت. وأحد الأصدقاء كان لديه قط اسمه ميشو، كنا نحبه جدًا، كان لديه عينان زرقاوان ولونه أبيض، وكان جميلًا جدًا، ومن كثرة حبنا له أطعمناه شوكولاتة، فمرض ومات. وفي الحقيقة قمنا بدفنهم جميعًا في الحديقة الأمامية حتى يبقوا بجوار بعضهم البعض، وكنا نضع على قبورهم الورد ونقرأ لهم الفاتحة".

فقلت وأنا أشعر بالحزن منزعجة: "لماذا ماتت كل تلك الحيوانات معكم؟" فأجابت أمي: "لا يوجد طفل في العالم يكره الحيوانات، ولكن هو الجهل، لم يكن لدينا معلومات كافية عن تربيتهم، لذلك جميعًا وقعنا في الخطأ ذاته".

قالت جدتي: "وأيضًا بسبب طمع بائعي الحيوانات الأليفة، لأنهم لم يخبرونا بأي معلومات عن الحيوانات، يعتقدون بذلك أن الناس ستذهب لهم مرة أخرى لتشتري منهم عندما يموت الحيوان".

قال خالي وهو كان جالسًا معنا: "في صغرنا كانت هناك برامج تلفزيونية جميلة مثل "عالم البحار" و"عالم الحيوان".

قالت أمي: "حقًا كانت برامج شيقة جدًا، كانت العائلة كلها تشاهدها كبارًا وصغارًا. "عالم الحيوان" كان يتحدث عن الحيوانات التي تعيش في الغابات، فكنا نشاهد حياة الأفيال والأسود، حتى القطب الشمالي والبطريق. أما "عالم البحار" فكنا نشاهد حياة الحوت والدلافين وأسماك القرش، كانت برامج مبهرة ومفيدة جدًا، ولكن تنقصنا برامج للتوعية أو لمعرفة تربية الحيوانات الأليفة".

قلت: "دعونا ننفذ ذلك بطريقة مختلفة".

قالت أمي بحماس: كيف؟

أجبتها: سأقوم بصنع كروت صغيرة تحتوي على اسم الحيوان ونوعه  والطعام الذي يأكله والأشياء المضرة له، وسأذهب لمحل الحيوانات الذي بشارعنا لتُباع مع الحيوان، وتكون تحت رعاية الطبيب البيطري، وإذا نجحت الفكرة من الممكن أن تطبق في جميع المحلات.
أشادت أمي وجدتي بفكرتي وعرض عليّ خالي المساعدة، وحددنا موعدًا للبدء في التنفيذ، وعدت أنا للحديقة لأُطعم الأحصنة التي أتت لزيارتنا في ذلك اليوم.