شهادة بلا فحص.. ثغرات في تطبيق الكشف الطبي قبل الزواج بأسوان

الكشف الطبي قبل الزواج بأسوان

كتب/ت فاطمة محمد
2026-09-20 12:54:41

"أُصبت بفيروس التهاب الكبد الوبائي، وخضعت للعلاج لمدة ستة أشهر، لكن الإصابة تسببت في تلفٍ بالكلى، ومنذ ذلك الحين أصبحت مضطرة لإجراء فحوصات دورية حتى لا تتطور حالتي إلى فشل كلوي"، بنبرة يشوبها الندم تروي رحاب خالد، عشرينية، تفاصيل تجربتها مع عدم إجراء فحوصات ما قبل الزواج.

تزوجت رحاب عام 2024، وانتقلت إليها عدوى هذا الفيروس من زوجها، الذي كان مصابًا به قبل الزواج دون أن يعلم ذلك، في وقت لم يخضع فيه أي منهما لفحوصات ما قبل الزواج: "حين سألنا الطبيب المعالج كيف تزوجتما دون إجراء فحص ما قبل الزواج؟ أدركنا حجم الخطأ الذي ارتكبناه".

أمراض بعد الزواج

يتمكن بعض المقبلين على الزواج من استخراج الشهادة الصحية داخل وحدات صحية في أسوان دون الخضوع للفحوصات الطبية المقررة، بعد أن تحولت هذه الفحوصات إلى إجراء شكلي يفتقر إلى الرقابة الفعلية، ما يؤدي إلى اكتشاف أمراض خطيرة بعد الزواج وانتقال العدوى بين الزوجين. 

يحدث ذلك رغم أن الدولة أقرت فحوصات ما قبل الزواج في فبراير 2023 للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية والمعدية والفيروسية، بهدف حماية صحة الزوجين والأبناء.

يقول الدكتور نبيل تاوضروس، استشاري باطنة بمستشفى أسوان الجامعي، إن فحوصات ما قبل الزواج تمثل خط الدفاع الأول للوقاية من كثير من المشكلات الصحية، مثل فيروسات التهاب الكبد الوبائي B وC، إلى جانب مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز).

ويؤكد لـ"عين الأسواني" أن معرفة الحالة الصحية للطرفين مبكرًا تقلل من فرص انتقال العدوى بينهما وتسهم في حماية الأسرة من مضاعفات يمكن تجنبها إذا جرى التشخيص في الوقت المناسب، أوعبر اتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة قبل إتمام الزواج.

تقول رحاب: "لم أكن أعلم أهمية هذا الفحص، وعندما اقترح زوجي استخراج الشهادة الصحية من وحدة صحة النفق دون إجراء التحاليل وافقت، لكنني أندم على ذلك الآن، لو أجرينا الفحص، لاكتُشفت إصابته مبكرًا، وتلقى العلاج قبل أن تنتقل العدوى إليّ".

بحسب الموقع الرسمي لوزارة الصحة والسكان، بلغ عدد المستفيدين من مبادرة فحص المقبلين على الزواج، منذ إطلاقها في فبراير 2023 وحتى 23 فبراير 2026، نحو 4.6 مليون شاب وفتاة. 

تُعد الشهادة الصحية أحد المستندات الأساسية اللازمة لإتمام عقد القران، ومن المفترض ألا يوثق الزواج إلا بعد إجراء الفحوصات الطبية المقررة واستخراج الشهادة المعتمدة. 

ثغرات في التطبيق

ورغم إلزامية هذه الفحوصات، يؤكد بعض المتزوجين أنهم تمكنوا من استخراج الشهادة الصحية دون توقيع الكشف الطبي في وحدات صحية مثل: "الشارع الجديد، السيل، أبو الريش، النفق"، من بينهم أسماء محمد، عشرينية، تزوجت عام 2025، ثم اكتشفت إصابتها بفيروس التهاب الكبد الوبائي "B" بعد نحو أربعة أشهر من الزواج، قبل أن تعلم لاحقًا أن زوجها كان مصابًا بالفيروس قبل الزواج دون علمه.

تقول: "كانت الصدمة الأكبر أنني كنت حاملًا، وأخبرني الطبيب أن هناك احتمالًا لانتقال الفيروس إلى الجنين، عشت أشهر الحمل كلها في خوف وقلق حتى وضعت طفلي، وبعد إجراء الفحوصات تأكدنا أنه لم يُصب بالفيروس".

وتؤكد أسماء أنها استطاعت استخراج الشهادة الصحية من وحدة صحة النفق دون إجراء الكشف الطبي: "كل ما طُلب مني كان إجراء تحليل سكر عشوائي، وملء استمارة، وتقديم بطاقات الرقم القومي. ولو أُجريت الفحوصات المقررة بالشكل الصحيح، لما مررت بهذه التجربة".

ووفقًا لصحيفة الحقائق الصادرة عن منظمة الصحة العالمية "WHO" في 10 يونيو 2026 بشأن التهاب الكبد الفيروسي (B)، فإن الفيروس قد يؤدي إلى الإصابة بتليف الكبد أو سرطان الكبد، وينتقل عبر الدم، والعلاقات الجنسية، ومن الأم إلى الطفل. كما أن الكشف المبكر يسهم في الحد من انتقال العدوى ويتيح بدء العلاج في الوقت المناسب.

ولا تقتصر أهمية فحوصات ما قبل الزواج على الكشف عن الأمراض المعدية والوراثية، بل تمتد أيضًا إلى الجانب النفسي، الذي يعد أحد العوامل المؤثرة في استقرار الحياة الزوجية.

الجانب النفسي الغائب

وفي هذا السياق، تقول الدكتورة ميرفت المصري، أخصائية الإرشاد النفسي والأسري وتعديل السلوك، إن الاهتمام المجتمعي غالبًا ما يتركز على الجوانب المادية المرتبطة بالزواج، بينما لا يحظى الإعداد النفسي بالقدر نفسه من الاهتمام، رغم أن الاستقرار النفسي للزوجين ينعكس بصورة مباشرة على استقرار الأسرة وتربية الأبناء.

وتضيف لـ"عين الأسواني" أن تفعيل استبيان الصحة النفسية والاستفادة من نتائجه، إلى جانب جلسات التوعية المخصصة للمقبلين على الزواج، يمثلان خطوة مهمة للحد من الخلافات الأسرية وتعزيز استقرار الحياة الزوجية.

تعكس تجربة حبيبة مصطفى، عشرينية تزوجت عام 2023، هذا الأثر، تقول إنها اكتشفت بعد شهر واحد من الزواج إصابتها بفيروس التهاب الكبد الوبائي، قبل أن يتبين لاحقًا أن زوجها كان مصابًا بالفيروس قبل الزواج دون علمه.

وتؤكد حبيبة أن تجاهل فحوصات ما قبل الزواج أدى إلى تأخر اكتشاف المرض وانتقال العدوى بينهما: "وقتها كنت أظن أن استخراج الشهادة الصحية مجرد إجراء شكلي، لكنني أدركت بعد ذلك أن الفحص كان يمكن أن يحمينا من كثير من المعاناة، لا سيما أن خلافات عديدة نشبت بيننا".

ويتضمن برنامج فحص المقبلين على الزواج، إلى جانب الفحوصات الطبية، محورًا خاصًا بالإعداد النفسي للحياة الزوجية. ووفقًا لبيان صحفي صادر عن وزارة الصحة والسكان في 8 أبريل 2023، تشمل مبادرة فحص المقبلين على الزواج ثلاثة محاور رئيسية هي: التوعية المجتمعية، وفحوصات ما قبل الزواج، والتشخيص والعلاج، كما تتضمن إجراء 12 فحصًا طبيًا إلى جانب استبيان للصحة النفسية.

وبحسب النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2024، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 30 نوفمبر 2025، بلغ عدد عقود الزواج في مصر 936 ألفًا و739 عقدًا خلال عام 2024، مقارنة بـ961 ألفًا و220 عقدًا في عام 2023، مسجلًا انخفاضًا بنسبة 2.5%.

توضح حبيبة أن معاناتها لم تقتصر على الجانب الصحي، بل امتدت إلى حياتها الزوجية، التي تشهد خلافات متكررة، وتشعر هي وزوجها بأنهما لم ينجحا في التفاهم أو إدارة حياتهما بالشكل الذي توقعاه.

كما ارتفعت معدلات الطلاق في مصر إذ بلغت 273 ألفًا و892 حالة خلال عام 2024، مقارنة بـ265 ألفًا و606 حالات في عام 2023، بزيادة بلغت 3.1%.

ثمن تجاوز الفحوصات 

تكشف نتائج دراسة بعنوان "المعرفة العامة تجاه فحوصات ما قبل الزواج في مصر" نُشرت في 30 يناير 2026 عبر منصة ResearchGate المتخصصة في نشر الأبحاث العلمية، أن فحوصات ما قبل الزواج تُعد أداة فعّالة للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية والمعدية والحد من انتقالها بين الزوجين أو إلى الأبناء. 

إلا أن الدراسة تشير إلى أن فاعلية هذه الفحوصات تتراجع عندما يُنظر إليها باعتبارها مجرد إجراء إلزامي لاستكمال عقد الزواج، بدلًا من كونها وسيلة وقائية لحماية صحة الأسرة. كما أظهرت النتائج أن نسبة كبيرة من المشاركين على دراية بهذه الفحوصات، في حين كان مستوى المعرفة بتفاصيلها والأمراض التي تغطيها أقل.

بالتواصل مع الدكتور محمد سعيد، وكيل وزارة الصحة بمحافظة أسوان، للاستفسار عن الإجراءات التي تتخذها الوزارة لإحكام الرقابة على استخراج الشهادة الصحية قبل الزواج من قبل الوحدات الصحية المذكورة، نفى مسؤولية هذه الوحدات عن إصدار شهادات فحص المقبلين على الزواج، مؤكدًا أنها غير مخولة باستخراج تلك الشهادات.

ووجّه وكيل الوزارة معدة التقرير إلى التواصل مع الدكتور طارق ثروت، مدير برنامج فحص المقبلين على الزواج بمحافظة أسوان، باعتباره المسؤول المختص بهذا الملف، إلا أنه لم يستجب للاتصالات الهاتفية أو الرسائل المرسلة عبر تطبيق "واتساب" حتى موعد نشر التقرير.

إلا أن جولة ميدانية قامت بها معدة التقرير في الوحدات الصحية التي وردت أسماؤها في شهادات الحالات، تبين أن العاملين بوحدة صحة السيل أكدوا أنها غير مختصة بإصدار شهادات فحص المقبلين على الزواج، ووجهوا معدة التقرير إلى وحدة صحة النفق. 

كما أفاد العاملون بوحدة صحة الشارع الجديد بأن الوحدة توقفت عن إصدار هذه الشهادات منذ نحو عام، وأن إصدارها يقتصر حاليًا على وحدة صحة النفق -المركز الطبي العام بالنفق-، المختصة بإصدار الشهادات الصحية للمقبلين على الزواج بمركز ومدينة أسوان. 

وبين رغبة مقبلين على الزواج في تجاوز الفحوصات لاختصار الإجراءات، وغياب رقابة فعالة تضمن الالتزام بتطبيقها داخل بعض الوحدات الصحية، تنتقل أمراض بين الزوجين كان يمكن الوقاية منها، ولا تقتصر آثارها على الزوجين، بل قد تمتد إلى الأطفال أيضًا.