"لو كنت أعلم بموعد جلسة التسوية، لربما انتهى الخلاف مبكرًا، بدلًا من أن يكبر أطفالي بعيدًا عن والدهم"، تستعيد أم محمود، 37 عامًا، من محافظة أسوان، مسار أزمة أسرية بدأت بخلاف زوجي عابر، وانتهت إلى سنوات من التقاضي وقطيعة بين الأب وأطفاله الثلاثة.
عندما غادر الزوج المنزل تاركًا أسرته دون نفقة لأشهر، لم تستطع أم محمود مواجهة أعباء الحياة، لذا حاولت مرارًا احتواء الخلاف بعيدًا عن المحاكم: "فشلت في ذلك لذا أجبرت على رفع قضية نفقة عام 2025، وتعمق الخلاف بيني وبين زوجي رغم رغبتي في رأب هذا الصدع".

فرصة ضائعة للصلح
قبل أن تستكمل أم محمود إجراءات التقاضي في قضية النفقة، كان هناك ما يُعرف بجلسة التسوية، وهي خطوة يفترض أن تسبق اللجوء إلى المحكمة لإتاحة فرصة للحل الودي بين الطرفين. إلا أنها لم تُخطر بموعد الجلسة من الأساس، بينما حضرها زوجها بمفرده واعتبر غيابها دليلًا على رفضها للتسوية، ما زاد من تعقيد الخلاف.
وعندما سألت محاميها عن سبب عدم إبلاغها، أخبرها بأنها لم تستفسر عن الموعد، وهو ما تعتبره تقصيرًا حرمها من فرصة ربما كانت كفيلة باحتواء النزاع قبل وصوله إلى ساحات القضاء.
مكاتب تسوية المنازعات الأسرية هي وحدات تابعة لوزارة العدل تعمل داخل محاكم الأسرة، وتضم متخصصين في الجوانب القانونية والاجتماعية والنفسية، وتهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الزوجين والسعي إلى تسوية الخلافات الأسرية وديًا قبل اللجوء إلى القضاء.

حاولت أم محمود لاحقًا توضيح الأمر لزوجها وأن غيابها عن الجلسة ليس رفضًا للتصالح وإنما لكونها لم تخبر به، إلا أنه رفض الاستماع إليها، لتتسع الفجوة بينهما أكثر.
لم يُنشئ المشرّع محاكم الأسرة لتكون المحطة الأولى في النزاعات العائلية، بل تبنّى عند إصدار قانون محاكم الأسرة رقم 10 لسنة 2004 فلسفة تقوم على احتواء الخلافات ومحاولة تسويتها قبل وصولها إلى ساحات القضاء. وفي هذا الإطار، ألزم القانون الراغبين في رفع دعاوى الأحوال الشخصية التي يجوز فيها الصلح بالتقدم أولًا إلى مكتب تسوية المنازعات الأسرية المختص قبل إقامة الدعوى.
لكن الواقع يكشف أن هذه الآلية التي استُحدثت لتقليل النزاعات لا تؤدي الدور المنوط بها. بحسب شهادات نساء لـ"عين الأسواني" تحولت إجراءات التسوية إلى خطوة شكلية تُستكمل لاستيفاء متطلبات رفع الدعوى، دون أن تُمنح الأطراف فرصة حقيقية للحوار، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى فاعلية مكاتب التسوية في تحقيق هدفها.
فيما يتعلق بإجراءات الإخطار، يتولى محامي المدعي إبلاغ موكله بموعد جلسة التسوية بعد تحديدها، بينما تتولى المحكمة إخطار الطرف الآخر -المدعى عليه- بموعد الجلسة للحضور أمام مكتب تسوية المنازعات الأسرية.
توضح موظفة مطلعة بمكتب تسوية المنازعات الأسرية بمحكمة الأسرة في أسوان -طلبت عدم ذكر اسمها- أن القانون لا يجيز نظر أي دعوى من دعاوى الأحوال الشخصية قبل عرضها على مكتب التسوية واستكمال الإجراءات المقررة له.
وتشير إلى أن الدعوى لا تُستكمل إجراءاتها أمام المحكمة إلا بعد انتهاء مرحلة التسوية، سواء أسفرت عن اتفاق بين الطرفين أو انتهت دون الوصول إلى حل.
جلسة لم تُعقد
غير أن ما يحدث في الواقع -بحسب الموظفة- أن المدعي يحصل على رقم طلب التسوية بمجرد قيد النزاع في مكتب التسوية، وهو الرقم الذي يُستخدم في قيد الدعوى بالمحكمة، ما يدفع بعض المتقاضين إلى استكمال إجراءات رفع الدعوى قبل حلول موعد جلسة التسوية أو انعقادها فعليًا.
يناقض ذلك نص المادة 6 من القانون: "عدم قبول الدعوى أمام محكمة الأسرة إلا بعد تقديم طلب التسوية وانقضاء المدة القانونية المقررة دون التوصل إلى اتفاق بين الطرفين"، بما يجعل التسوية خطوة إلزامية تسبق التقاضي.
إلا أن ذلك لم يحدث مع رؤية أحمد، 28 عامًا، من محافظة أسوان، التي لجأت إلى محكمة الأسرة وأقامت دعوى نفقة ضد زوجها الذي يعمل بإحدى دول الخليج، بعد خلافات أسرية دفعت الزوج إلى التوقف عن إرسال النفقة إليها وتحويلها إلى والدته.
وتقول إنها صبرت على تلك الظروف لثلاثة أشهر قبل أن تقرر إقامة دعوى نفقة، وحصلت بالفعل على حكم قضائي لصالحها. إلا أن القضية تسببت في تعميق الخلاف بينهما: "لم أكن أعرف عن جلسات التسوية، هذا الأمر كان من الممكن أن يعيدنا من جديد بشكل ودي".
توضح فاطمة حسن شحاتة، المحامية بالنقض، والتي شاركت في إعداد التشريعات المنظمة لقانون محاكم الأسرة خلال عامي 2003 و2004 بالتعاون مع أعضاء اللجنة التشريعية بمجلس الشعب، أسباب تحول دور مكاتب التسوية إلى مجرد إجراءات روتينية وهي تعنت بعض الأطراف ورفضهم التوصل إلى تسوية، إلى جانب توجه بعض المحامين إلى المضي في إجراءات التقاضي بدلًا من إنهاء النزاع وديًا منذ البداية.

كما تشير إلى أن ضغط العمل داخل هذه المكاتب أسهم بدوره في تقليص فاعلية الجلسات، حيث يتعامل العضو المختص مع عدد كبير من القضايا يوميًا، ليقتصر الإجراء في كثير من الأحيان على إثبات الحضور والتوقيع، دون إتاحة مساحة كافية لنقاش جوهري بين الأطراف.
- ترتفع معدلات الطلاق في مصر إذ وصلت إلى 273 ألفًا و892 حالة خلال عام 2024، مقارنة بـ265 ألفًا و606 حالات في عام 2023، بزيادة بلغت 3.1%.
تقول رؤية: "تركت هذه الخلافات أثرًا نفسيًا بالغًا عليّ، خاصة مع استمرار القطيعة بيني وبين زوجي لفترة طويلة، وكنت أتمنى لو هناك سبيل لحل الأمور وديًا".
بين القانون والواقع
تتحدث الدكتورة نرمين سالم، استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، عن هذا الأثر النفسي، مشددة على أهمية جلسات التسوية باعتبارها فرصة مبكرة لاحتواء الخلافات الأسرية قبل تحولها إلى نزاعات أكثر تعقيدًا.

وتوضح أن العديد من المشكلات الزوجية تنشأ نتيجة ضعف التواصل بين الزوجين وسوء فهم كل طرف لاحتياجات الآخر: "لذا فإن إتاحة مساحة للحوار الهادئ والاستماع المتبادل خلال جلسات التسوية يمكن أن تسهم في تقليص حدة الخلافات".
في تقرير بعنوان "تقييم مشروع إنشاء مكاتب المساعدة القانونية وتطوير مكاتب تسوية المنازعات في محاكم الأسرة من منظور حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي"، نشره موقع الأمم المتحدة في 3 ديسمبر 2024، وأعدته المحامية بالنقض نهاد أبو القمصان، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان وخبيرة الأمم المتحدة، جرى رصد عدد من الإشكاليات المرتبطة بأداء مكاتب التسوية ودورها في الحد من اللجوء إلى التقاضي.
ويشير التقرير إلى أن المشروع شهد توسعًا ملحوظًا في مصر خلال الفترة بين عامي 2008 و2020، حيث جرى إنشاء وتطوير 44 مكتبًا للمساعدة القانونية، إلى جانب تطوير 27 مكتبًا لتسوية المنازعات الأسرية من إجمالي 245 مكتبًا على مستوى الجمهورية.
ورغم هذه الخطوات، يلفت التقرير إلى أن التطوير المؤسسي لم ينعكس بالقدر نفسه على نتائج التسوية الفعلية، إذ لا تزال نسبة من النزاعات الأسرية تنتهي بالإحالة إلى المحاكم دون التوصل إلى حلول ودية مستدامة.
جانب آخر للإشكالية تشير إليه موظفة مكتب تسوية محكمة الأسرة، وهو أن القانون لم يجعل حضور الأطراف للجلسة إلزاميًا. فإذا تغيب الطرفان أو حضر أحدهما دون الآخر، لا تنعقد الجلسة فعليًا، ويُثبت في الملف عدم التوصل إلى تسوية بين الطرفين، لتُستكمل الإجراءات القانونية بعد ذلك.
بينما يؤكد تقرير الأمم المتحدة أن التحديات تحدث في ظل تفاوت مستوى الأداء بين المكاتب، وضغط أعداد القضايا، ومحدودية فاعلية بعض جلسات التسوية، بما يعكس استمرار الفجوة بين التشريع والواقع.
ولا تبدو قصة أم محمود ورؤية استثناءً، إذ تعرضت سنية حكيم، 46 عامًا، من محافظة أسوان، لنفس الأمر حين أقامت دعوى نفقة زوجية ضد زوجها بعد امتناعه عن الإنفاق عليها لمدة شهرين خلال عام 2024، لم تكن سنية تفكر في الطلاق، إلا أن عدم قدرتها على الإنجاب دفعته للزواج مرة ثانية.
قبل صدور حكم النفقة، بادر الزوج بتطليقها ومنحها حقوقها الشرعية، بما في ذلك نفقة العدة والمتعة ومؤخر الصداق. تقول إنها لم تكن تعلم شيئًا عن جلسات التسوية أو دورها من الأساس، وإن محاميتها أخبرتها لاحقًا بأن حضور تلك الجلسات ليس إلزاميًا إلا إذا طلب الموكل ذلك.
تضيف: "عدم إبلاغي بهذا الإجراء حرمني من فرصة ربما كانت كفيلة بتغيير مسار العلاقة، وهذا التقصير أسهم بشكل مباشر في وصول الخلاف إلى نهايته بالطلاق".
- ارتفع عدد أحكام الطلاق النهائية في مصر إلى 14 ألفًا و195 حكمًا خلال عام 2024، مقابل 10 آلاف و683 حكمًا خلال عام 2023، مسجلًا زيادة بلغت 32.9%.
آلية معطلة
وتؤكد فاطمة شحاتة، المحامية بالنقض، أن السنوات الأولى لتطبيق القانون شهدت عقد جلسات تسوية فعلية كانت تناقش فيها أسباب الخلاف بصورة مباشرة، مع وجود دراسات ومؤشرات لقياس معدلات نجاح الصلح ومدى تحقيق المكاتب للأهداف التي أُنشئت من أجلها لكن مع مرور السنوات تحول الأمر إلى إجراء روتيني.
وفيما يتعلق بقوة هذه الاتفاقات، توضح المحامية بالنقض فاطمة حسن، أنها تتمتع من حيث المبدأ بصيغة تنفيذية ملزمة، غير أن عدم التزام بعض الأطراف بما يتم الاتفاق عليه لاحقًا أضعف من فعاليتها، ما يدفع في كثير من الحالات الأطراف المتضررة إلى العودة مجددًا إلى ساحات القضاء من أجل المطالبة بتنفيذ حقوقهم.
تعكس تلك التجارب مسارًا متكررًا يبدأ بخلافات أسرية محدودة، ثم يتسع تدريجيًا ليصل إلى ساحات التقاضي، وبينما يُفترض أن تمثل جلسات التسوية آلية لاحتواء الخلاف قبل تصاعده، تتحول إلى إجراء روتيني.