إيجارات الأراضي تهدد مزارعي أسوان.. استصلاح سنوات في خطر

تصوير: أمنية حسن - إيجارات الأراضي

كتب/ت أمنية حسن
2026-08-02 15:04:02

على مدار 10 سنوات، أنفق سعد الشمامي، مزارع من قرية فارس التابعة لمركز كوم أمبو في أسوان، مدخراته واقترض من البنوك لاستصلاح قطعة أرض صحراوية ثلاثة أفدنة من وزارة الزراعة، حتى تمكن من زراعتها بالمانجو، وباتت مصدر الدخل الرئيسي لأسرته، لكنه يواجه الآن خطر فقدانها مع الزيادة الكبيرة في قيمة إيجارها.

يقول سعد: "مدينا خطوط مياه لمسافات تتراوح بين 2 و5 كيلومترات على نفقتنا الخاصة، وأنفقنا على استصلاح الأرض وتجهيزها للزراعة على مدار سنوات، لكننا فوجئنا يونيو الماضي برفع قيمة الإيجار السنوي للفدان من 4 آلاف جنيه إلى 23 ألف جنيه للفدان، وهي زيادة لا تتناسب مع ما أنفقناه عليها، ومبلغ لا يستطيع المزارع تحمله".

مقصلة التكاليف

نفس الأزمة يواجهها محمود حامد، مزارع من قرية الرمادي التابعة لمركز إدفو، لديه فدان ارتفعت قيمة إيجاره من 5 آلاف إلى 8 آلاف جنيه سنويًا: "مش عارفين نعمل إيه.. كل بند من بنود الزراعة بقى عبئًا، وزيادة الإيجار بتضغط علينا أكتر".

ويكشف اختلاف الزيادات بين الأراضي عن مشكلة أوسع تواجه مستأجري الأراضي الزراعية في أسوان، إذ لا تخضع جميع الأراضي لنظام تسعير موحد، في ظل تعدد جهات الولاية والإشراف عليها، منها الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية التابعة لوزارة الزراعة وكذلك محافظة أسوان. 

ونتيجة لذلك، يختلف سعر الإيجار من أرض إلى أخرى، حتى في بعض الحالات التي تتشابه فيها طبيعة الأراضي واحتياجات استصلاحها ومساحتها.

ويقول مزارعون إن هذا التفاوت، إلى جانب الارتفاع الكبير في بعض القيم الإيجارية، لا يحقق العدالة ويهدد قدرتهم على الاستمرار في الزراعة.

وتحت قبة البرلمان، أثارت الأزمة تساؤلات حول آليات تسعير الأراضي الزراعية وتفاوت قيم الإيجار في أسوان، ففي يونيو الماضي، تقدم عضو مجلس النواب مدحت ركابي المنصوراوي، عن دائرة أسوان ودراو وأبو سمبل، بطلب إحاطة بشأن تفاوت وارتفاع أسعار تأجير الأراضي وتأثير ذلك على المزارعين.

ويقول المنصوراوي لـ"عين الأسواني" إن القيم الإيجارية الحالية لا تراعي، في بعض الحالات، طبيعة الأراضي الزراعية في أسوان، التي تضم مساحات صحراوية وصخرية تحتاج إلى إنفاق كبير على الاستصلاح والري، ولا تتمتع بالضرورة بنفس القدرات الإنتاجية للأراضي الزراعية الخصبة.

ويوضح أن تعدد جهات الولاية على الأراضي، أدى إلى اختلاف آليات التسعير من جهة إلى أخرى، مشيرًا إلى أن بعض الأراضي شهدت قفزات كبيرة في قيمتها الإيجارية، إذ ارتفعت في حالات من نحو 1200 جنيه إلى 23 ألف جنيه خلال سنوات قليلة.

ويفسر أحمد سعيد، مدير عام مديرية الإصلاح الزراعي بمحافظة أسوان، هذه الزيادات بأنها تأتي في إطار إجراءات تستهدف إعادة تقييم القيم الإيجارية، وتحويل حيازاتهم إلى أوضاع قانونية مستقرة، سواء من خلال عقود إيجار رسمية أو التمليك، باعتبار أن الأراضي محل النزاع مملوكة للدولة في الأصل. 

أزمة قرية فارس

يوضح عمر عبد الشكور، عمدة قرية فارس، لـ"عين الأسواني"، أن القرية تمتد لمسافة نحو 17 كيلومترًا على الضفة الغربية لنهر النيل، ويبلغ عدد سكانها قرابة 10 آلاف نسمة، يعمل نحو 4 آلاف منهم في الزراعة، التي توارثتها الأسر جيلًا بعد آخر.

ويقول عبد الشكور إن أهالي القرية اتجهوا، منذ عشرات السنين، إلى استصلاح الأراضي الصحراوية، لكن تحويل الأراضي الجبلية إلى أراضٍ قابلة للزراعة لم يكن مهمة سهلة، إذ تحمل المزارعون تكاليف استصلاحها، وإنشاء أنظمة لرفع المياه إلى ارتفاعات تصل إلى 50 مترًا، ومد شبكات المواسير اللازمة لري الأراضي.

وتتضاعف هذه الأعباء مع ارتفاع تكلفة زراعة المحاصيل نفسها، يقول سعد الشمامي إن تكلفة زراعة الفدان الواحد من المانجو تتراوح بين 80 و85 ألف جنيه سنويًا، مشيرًا إلى تجاوز سعر شيكارة السماد 2000 جنيه في وقت يواجه فيه أيضًا زيادات في أسعار الإيجار والطاقة والعمالة.

ويؤكد سعد أن تراكم هذه الأعباء دفع بعض المزارعين إلى التفكير في وقف النشاط الزراعي، بعد أن أصبح الوفاء بالالتزامات المالية أكثر صعوبة.

ويعدد مدحت المنصوراوي، عضو مجلس النواب حجم التحديات التي يواجهها مزارعو أسوان، مشيرًا إلى أن تكلفة استصلاح الفدان الواحد في مناطق، من بينها كوم أمبو، تصل إلى نحو 400 ألف جنيه.

وينتقد محمد حسين، مزارع من مركز دراو، تفاوت أسعار المتر المربع بين المناطق الصحراوية داخل المركز، موضحًا لـ"عين الأسواني" أن سعر المتر في قرية بنبان بلغ 500 جنيه، مقابل 37 جنيهًا في قرية المنصورية، رغم التقارب الجغرافي بين القريتين وتبعيتهما لمركز إداري واحد.

ولا تأتي أزمة قرية فارس بمعزل عن التحديات التي تواجه الأراضي الزراعية في مركز كوم أمبو. وفق دراسة بعنوان "الآثار المترتبة على الزحف العمراني في مركز كوم أمبو"، أعدتها الباحثة بسمة محمد ونشرتها مجلة كلية الآداب بجامعة أسوان في أبريل 2026، تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في قرية فارس نحو 3877.2 فدان.

وتشير الدراسة إلى أن القرية كانت من بين المناطق التي تأثرت بالتغيرات البيئية والجغرافية المرتبطة بالزحف العمراني، إذ بلغ معدل التناقص السنوي في مساحتها الزراعية نحو 67.4 فدان خلال الفترة من 2010 إلى 2020.

وعلى مستوى محافظة أسوان، تكشف بيانات نشرة الزمام والملكية الزراعية لعام 2023، التي تصدر كل ثلاث سنوات، أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة بلغت نحو 161,443 فدانًا، من بينها 139,245 فدانًا مملوكة للأهالي، بنسبة 86.2%، مقابل 22,198 فدانًا مملوكة للدولة، بنسبة 13.8%.

وبمقارنة هذه الأرقام ببيانات نشرة عام 2021، التي سجلت مساحة زراعية بلغت نحو 178,788 فدانًا، يتضح تراجع المساحة المسجلة بنحو 9.7% خلال الفترة بين النشرتين.

وتفسر دراسة الباحثة بسمة محمد جانبًا من أسباب هذا التراجع بالرقعة الزراعية في قرية فارس، التي تقع ضمن نطاق صحراوي شهد إقامة عدد من المشروعات، من بينها محطات للطاقة الشمسية، إلى جانب أعمال تنقيب عن البترول بدأت عام 2011.

معاناة المزارعين

في المقابل، يوضح أحمد سعيد، مدير عام مديرية الإصلاح الزراعي بمحافظة أسوان، أن الزيادات التي أُخطر بها مستأجرو الأراضي في يونيو الماضي، تأتي ضمن مراجعة القيم الإيجارية للأراضي بهدف مواكبة الأسعار الحالية والقيمة السوقية، مؤكدًا أن استمرار العمل بالقيم القديمة لم يعد متناسبًا مع الواقع الحالي.

ويقول سعيد لـ"عين الأسواني" إن القيمة الإيجارية المطبقة في قرية فارس تتراوح بين 23 و30 ألف جنيه للفدان، وفقًا لموقع الأرض، مشيرًا إلى أن رفع القيمة بين قرابة 15 ألف جنيه في العام الماضي و23 ألف جنيه حاليًا يمثل زيادة تتماشى مع المعدلات السائدة في مناطق أخرى بالمحافظة.

وتنص المادة 29 من الدستور المصري على التزام الدولة بحماية الرقعة الزراعية وزيادتها وتجريم الاعتداء عليها، إلى جانب تنمية الريف ورفع مستوى معيشة سكانه.

بينما يرى محمود يوسف، المحامي بالنقض، أن القيم الإيجارية للأراضي الزراعية يجب أن يستند إلى معايير تضع قدرة المزارع على الاستمرار في الزراعة ضمن الاعتبارات الأساسية، موضحًا أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على تحصيل قيمة مالية، بل يجب أن يشجع على استصلاح الأراضي وزيادة الرقعة الزراعية.

ويضيف يوسف لـ"عين الأسواني" أن تحديد القيمة الإيجارية يجب أن يراعي التكاليف التي يتحملها المزارع، محذرًا من أن فرض قيم مرتفعة قد يدفع بعض المزارعين إلى العزوف عن الزراعة، بينما يمكن للقيمة العادلة أن تشجع على الاستثمار الزراعي وتحافظ على فرص العمل المرتبطة به.

ويؤكد ذلك المزارع محمود حامد، أن ارتفاع سعر برميل السولار إلى نحو 700 جنيه، إلى جانب صعوبة الحصول عليه بالكميات المطلوبة، يضيف عبئًا جديدًا على المزارعين، خاصة أن طبيعة الأراضي المرتفعة تتطلب تشغيل مضخات المياه "مواتير" بصورة مستمرة.

- تحتل أسوان المرتبة السابعة بين محافظات الصعيد من حيث قيمة الإنتاج النباتي، بإجمالي دخل زراعي بلغ 38.5 مليون جنيه، فيما ارتفعت تكاليف مستلزمات الإنتاج من 4 ملايين جنيه خلال العام المالي 2022/2023 إلى 5.5 مليون جنيه في 2023/2024. 

ولكن وفقًا للمحامي محمود يوسف، هناك لجانٌ تابعة لوزارة الزراعة وأملاك الدولة في المحافظات تتولى تحديد قيم الأراضي، إلا أن الإشكالية تكمن في عدم مراعاة طبيعة كل أرض وتكاليف تجهيزها، حيث يتسلم المزارع أرضًا صحراوية تحتاج إلى استثمارات كبيرة قبل أن تصبح قابلة للإنتاج.

عقود لا تراعي الحقوق

جانب آخر من الأزمة يطرحه عبد الشكور، إذ يقول إن مديرية الإصلاح الزراعي بأسوان اتجهت إلى طرح عقود إيجار بنظام حق الانتفاع تُجدد سنويًا -حصلنا على نسخ منها-، بدلًا من تمليك الأراضي الذي كان المزارعون ينتظرونه، وذلك بالتزامن مع تحديد قيمة إيجار الفدان بنحو 23 ألف جنيه سنويًا.

ويرى عمدة القرية أن صيغة العقود الجديدة لا توفر للمزارعين القدر الكافي من الاستقرار، إذ تقتصر مدة التعاقد على عام واحد قابل للتجديد، بينما تتضمن بنودًا تمنح الجهة الإدارية حق دخول الأراضي والمنازل في أي وقت لإجراء المعاينات.

وينتقد محمود يوسف، المحامي، قصر مدة التعاقد بالعقود وإمكانية سحب الأرض، معتبرًا أن ذلك يمثل تهديدًا لاستقرار المزارعين، خاصة أن استصلاح الأراضي الصحراوية يتطلب استثمارات كبيرة وفترات طويلة قبل تحقيق عائد منها.

ويضيف أن المزارع قد ينفق ملايين الجنيهات على تجهيز الأرض ومد شبكات الري وزراعتها، ثم يجد نفسه مهددًا بفقدانها بعد عام واحد، في حين أن هذه المدة لا تكفي، في كثير من الحالات، لاسترداد تكلفة الاستصلاح أو تحقيق عائد مستقر من الأرض.

ويعدّ أحمد سعيد، مدير عام مديرية الإصلاح الزراعي بمحافظة أسوان، بأن لجانًا إضافية ستُشكل بالتعاون مع مجالس المدن والقرى للنزول ميدانيًا وإعادة تقييم الأراضي على الطبيعة، بهدف التأكد من ملاءمة الأسعار وعدم وجود تفاوت غير مبرر بين الأراضي، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تستهدف توحيد معايير التقييم وتحقيق توازن بين حق الدولة في إدارة أصولها ومصلحة المزارعين في الاستمرار بالنشاط الزراعي.

بينما يوضح النائب مدحت المنصوراوي، أنه تقدم بطلب إحاطة لمناقشة أزمة مستأجري الأراضي وتفاوت قيم الإيجارات، مشيرًا إلى أن الملف لم تصدر بشأنه توصيات نهائية حتى الآن.

في المقابل يرى المزارع محمد حسنين، أن أزمة ارتفاع إيجار الأراضي الزراعية يتطلب حلولًا عادلة تراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية للسكان، مؤكدًا أن الأهالي لا يرفضون تقنين أوضاعهم، لكنهم يطالبون بتقييمات عادلة لا تدفعهم إلى ترك منازلهم وأراضيهم.

تكشف أزمة ارتفاع أسعار تأجير الأراضي عن هشاشة وضع المزارعين في أسوان، في وقت تتزايد فيه تكاليف الإنتاج وتتراجع فيه المساحات الزراعية.