يتنقل حامد محمد، 38 عامًا، يوميًا من كوم أمبو إلى مدينة أسوان لمباشرة عمله بجامعة أسوان، معتمدًا على أتوبيس الجامعة لتقليل نفقات المواصلات، ويقول إن تكلفة التنقل كانت ستستهلك جزءًا كبيرًا من راتبه الشهري البالغ 2000 جنيه، رغم عمله بالجامعة كموظف حكومي منذ 8 سنوات.
يعمل حامد ضمن نظام العقود المؤقتة، ما يحرمه من العديد من الحقوق الوظيفية والمزايا التي يتمتع بها الموظفون المثبتون، ويصف عقده بأنه مجرد "ورقة مختومة من رئيس الجامعة" تُثبت حاجة الجهة الإدارية إليه، دون أن تضمن له أمانًا وظيفيًا حقيقيًا.

لا حقوق للعمالة المؤقتة
يُعرّف قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 العمل المؤقت بأنه العمل الذي تستلزم طبيعة إنجازه مدة محددة، أو يرتبط بمهمة بعينها، وينتهي بانتهاء تلك المهمة أو المدة.
ولا تنفصل معاناة حامد عن واقع 1019 عاملًا من العمالة المؤقتة بجامعة أسوان، وفق بيانات الجامعة حتى عام 2025. وتضم هذه الفئة عاملين يعود تاريخ تعيين عدد منهم إلى عام 2013، بينما التحق آخرون بالجامعة بعد عام 2016، وهو العام الذي حدده قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 كحد فاصل لتثبيت العمالة المؤقتة.

لا تقتصر هذه الأوضاع على جامعة أسوان، إذ تضم مؤسسات وهيئات حكومية بأسوان عمالة مؤقتة لا تزال تعمل دون استقرار وظيفي، ما يحرم كثيرًا منهم من التأمين الصحي والاجتماعي والحد الأدنى للأجور والحقوق الوظيفية التي يحصل عليها العاملون المثبتون.
بحسب حامد، فإن العاملين المؤقتين قدّموا مرارًا مطالبات رسمية لتثبيتهم، وحصل بعضهم على أحكام قضائية تؤكد أحقّيتهم في التعيين، إلا أن هذه الأحكام لم تُنفذ حتى اليوم.
- تنص المادة 73 من قانون الخدمة المدنية: "يُعيّن في أدنى الدرجات على بند الأجور الثابتة في الباب الأول، الموظفون الذين أمضوا ثلاث سنوات على الأقل في العمل بنظام الأجور الموسمية أو اليومية، على أن يكون تعاقدهم قد بدأ قبل 30 يونيو 2016".
ويُعد هذا النص ضمانًا قانونيًا لحقوق العمال الذين قضوا سنوات في وظائف مؤقتة، إلا أن ما يحدث على أرض الواقع يشير إلى تعثّر تطبيق هذا النص.
في يناير 2025، زار وفد من المجلس الأعلى للجامعات جامعة أسوان، وحاول عدد من الموظفين مقابلة وزير التعليم العالي السابق الدكتور أيمن عاشور لعرض مطالبهم، إلا أن ذلك لم يتحقق.
وبحسب حامد، أبدى تحفظ الوفد على نظام التشغيل المؤقت المطبق داخل الجامعة، مؤكدًا أن الحد الأدنى المقبول يتمثل في التعاقد بنظام "الاستعانة". كما طلب من العاملين إعداد مذكرة تتضمن مطالبهم، وهو ما جرى بالفعل، إلا أن الوزارة لم تُعلن حتى الآن موقفها من تلك المذكرة.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس جامعة أسوان، الدكتور لؤي سعد الدين، في حديث سابق مع "عين الأسواني" أن الجامعة أرسلت بالفعل ملفات العمالة المؤقتة إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة بالقاهرة لدراسة أوضاع العاملين والبت في الإجراءات المتعلقة بهم.

وأشار إلى أن عملية الفحص تستغرق وقتًا بسبب كثرة عدد الحالات وتباين أوضاعها القانونية، إذ تخضع كل فئة لشروط وضوابط مختلفة وفقًا للقانون. وأضاف أن إجراءات تقنين الأوضاع ستُنفذ تدريجيًا، بدءًا من العاملين الأقدم في التعيين وصولًا إلى الأحدث.
في المقابل، كشفت دراسة صادرة عن كلية التجارة بجامعة أسوان عام 2023، تحت عنوان "أثر استراتيجية التوظيف المؤقت على الأداء الوظيفي: بالتطبيق على العمالة المؤقتة بجامعة أسوان"، عن تراجع في حجم العمالة المؤقتة بالجامعة بنسبة 41.2% بين عامي 2018 و2022.
وبحسب الدراسة، فإن الجامعة تفتقر إلى خطة واضحة لإدارة ملف التوظيف المؤقت، كما تعاني من قصور في برامج تدريب وتطوير العمالة، فضلًا عن غياب سياسات حوافز عادلة تضمن حقوق العاملين المؤقتين وتحفّزهم على الأداء.
دخل مهدد ووعود زائفة
نفس الأزمة يواجهها خالد محمد، 39 عامًا، الذي يعمل كمحصل لفواتير وعدادات المياه في شركة مياه الشرب والصرف الصحي بمحافظة أسوان منذ عام 2018 بموجب عقد مؤقت.
وضع خالد لا يُعد استثناءً، بل يشاركه فيه نحو 700 محصّل آخر بالشركة، يعيشون نفس الظروف الهشة، وسبق أن نظم العشرات منهم اعتصامًا في مايو 2024، للمطالبة بالتثبيت وتطبيق "اللائحة الشاملة" التي تضمن لهم رواتب ثابتة، وتأمينًا صحيًا واجتماعيًا، وإجازات رسمية.
هذا الوضع غير المستقر يفرض على خالد حالة دائمة من القلق، خاصة أن طبيعة عمله الميدانية تتطلب التواجد المستمر في الشارع. وبرغم سنوات خدمته، لا يتقاضى سوى 2000 جنيه شهريًا، بالإضافة إلى نسبة من قيمة التحصيل، والتي قد تحرمه من راتبه بالكامل إذا انخفضت نسبة التحصيل عن 65%.
يفسر إيهاب عبد الرحمن، المحامي المتخصص في الشأن العمالي، أن الحكومة تضع العمالة المؤقتة في مركز قانوني من خلال عقود تُعرف ببند 2 على 3 أو العقود الموسمية، وهي عقود تتجدد تلقائيًا، لكن التثبيت يتوقف على قرارات إدارية من جهاز التنظيم والإدارة.
ويشير لـ"عين الأسواني" إلى أن قانون الخدمة المدنية نص على تثبيت كل من تعاقد قبل 30 يونيو 2016 تلقائيًا، بشرط توافق مراكزهم القانونية مع الدرجات الوظيفية أما من تعاقد بعد هذا التاريخ، فقد صدر قرار من رئيس الوزراء في عام 2019 لتنظيم أوضاعهم.
في تقرير نُشر سابقًا عبر "عين الأسواني" في نوفمبر 2024، أُشير إلى اجتماع ضم نحو 40 محصّلًا بالعمولة بشركة مياه الشرب والصرف الصحي فرع أسوان، مع إدارة الشركة لمناقشة تفاصيل العقود الجديدة التي من المقرر تحويلها إلى "عقود شاملة".
وبحسب أحد المحصّلين الحاضرين للاجتماع، فإن إدارة الشركة أوضحت أن توقيع العقود النهائية سيكون مشروطًا بتحقيق أهداف محددة خلال فترة اختبار تمتد لشهري أكتوبر ونوفمبر 2024، يجب خلالها أن يحقق المحصّل نسبة تحصيل فوق 85% شهريًا، ليتم بعدها التوقيع النهائي في ديسمبر من العام نفسه.
إلا أن هذا العقد، بحسب خالد يُجدد كل ثلاثة أشهر في حالة تحقيق النسبة: "العقد ضمن لنا الحد الأدنى للأجور فقط ولكن لا تزال هناك امتيازات مفقودة مثل التأمينات الصحية والاجتماعية، كما أن تحقيق النسبة يستحيل في بعض المناطق في أسوان، بحسب طبيعة المنطقة وتوزيع السكان، كما أنه لا يحق له الاشتراك في النقابة أو الحصول على درجات الترقية أو رصيد من الإجازات".
- تنص المادة 13 على التزام الدولة بالحفاظ على حقوق العمال وتعزيز علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية.
- يقدر عدد العاملين بنظام العقود المؤقتة في مصر حوالي 2 مليون و787 ألف حتى عام 2024، من إجمالي القوى العاملة في مصر التي بلغت 29 مليون و927 ألف عاملًا.
وفي سياق متصل، أصدرت دار الخدمات النقابية والعمالية بيانًا في مارس 2025، ضمن حملة نقاشية حول مشروع قانون العمل الجديد، أشارت فيه إلى أن أحد أبرز أوجه القصور في قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 تمثّل في التوسع الكبير في استخدام العقود المؤقتة.
وأكد البيان أن مشروع القانون الجديد، ورغم عودته في صيغته الأولى إلى مبادئ التوظيف العادل، إلا أن التعديلات اللاحقة استجابت لضغوط من أصحاب الأعمال، ما أدى إلى إعادة فتح الباب أمام استخدام العقود المؤقتة بشكل غير مقيد.
لا أمان وظيفي
وسبق أن أكدت آمال عبد الحميد، عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، في أغسطس 2024، أن هناك حوالي 7 آلاف عامل، معظمهم من المتعاقدين بعقود صحيحة، من إجمالي نحو 10 آلاف عامل متعاقد لم يتم تسوية أوضاعهم في السنوات الماضية.

من بينهم أميرة محمد، معلمة بالحصة في أسوان منذ تخرجها عام 2020 من كلية العلوم والتربية شعبة رياضيات: "أعمل بعقد مؤقت دون راتب ثابت، ما أتقاضاه يختلف شهريًا حسب عدد الحصص التي أعملها، وتصل ساعات عملي اليومية إلى نحو 6 ساعات".
- شهد عدد المعلمين في أسوان تراجعًا ملحوظًا، حيث بلغ عددهم 18.105 ألف معلم ومعلمة للعام الدراسي 2025، مقارنة بـ 18.925 ألف معلم في عام 2024.
أما عن معضلة التثبيت، يوضح إيهاب، المحامي العمالي، أنه مرتبط بتوفر درجات وظيفية من قبل جهاز التنظيم والإدارة في كل سنة مالية، وفي حال عدم توفرها، يتأجل التثبيت بناءً على قدرة الموازنة العامة، ولا يتم الرفض نهائيًا، موضحًا أن الفرق بين العقدين أن المثبت يتبع الموازنة العامة للدولة، بينما العامل المؤقت يتبع الصناديق الخاصة بالجهة الإدارية مثل الصحة أو التعليم.
تشير أميرة إلى أن الأجر الذي كانت تحصل عليه في الفصل الدراسي كان حوالي 2500 جنيه العام الماضي، لكن هذا العام أصبح الأجر بناءً على الحصة الواحدة، حيث يتراوح ما تتقاضاه بين 34 و37 جنيهًا للحصة.
لا تجد أميرة بديلًا يضمن حقوق وظيفية آمنة مثل التأمين الصحي أو الاجتماعي أو حتى أي مؤشرات لحدوث ذلك رغم إعلان وزارة التربية والتعليم في وقت سابق وجود عجز في أعداد المعلمين يبلغ 469,860 معلمًا.
يأتي ذلك في وقت تظهر فيه بيانات النشرة السنوية لإحصاء العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام لعام 2025، انخفاض عدد العاملين بالقطاعين بنسبة 5.5% مقارنة بعام 2024، إذ سجل إجمالي عدد العاملين 586.1 ألف عامل في عام 2025، مقابل 620.1 ألف عامل في عام 2024.
وفي المقابل، تواصل أعداد من العمالة المؤقتة، مثل خالد ومصطفى وأميرة، أداء مهامها داخل المؤسسات الحكومية دون أوضاع وظيفية مستقرة رغم إصدار قانون العمل الجديد.
جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن.