في السادسة صباحًا، كانت إسراء محمد، 26 عامًا، معلمة سابقة بإحدى المدارس الخاصة بمدينة أسوان، تقف منتظرة الحافلة التي توفرها المدرسة، وهي في أشهر الحمل الأولى، وسط روتين يومي استمر قرابة عامين، مقابل راتب شهري 1800 جنيه، حتى نهاية العام الدراسي 2025، رغم تصديق الحكومة في فبراير من العام نفسه على تطبيق الحد الأدنى للأجور.
مع اقتراب موعد ولادة طفل إسراء الأول، أُجبرت على ترك العمل، استعدادًا للتفرغ لرعاية طفلها، في ظل غياب بديل مناسب يتيح لها التوفيق بين العمل والأمومة.
رعاية الطفل أم ترك العمل؟
ولم تكن تجربة إسراء استثنائية، إذ تضطر كثير من النساء إلى ترك العمل أو يواجهن صعوبات في الاستمرار به لمجرد كونهن أمهات لأطفال صغار لا يجدن أماكن قريبة يتركن فيها أطفالهن.
دفع ذلك الحكومة إلى طرح حل تنظيمي، إذ أصدر وزير العمل، حسن رداد، في 24 مارس 2026، القرار رقم 48 لسنة 2026 بشأن القواعد المنظمة لدور الحضانة التابعة لمنشآت العمل التي تضم 100 عاملة فأكثر.
يتيح القرار الاشتراك للعاملات بنسبة 4% من الأجر للطفل الأول، و3% للثاني، و2% للثالث، على أن تتحمل العاملة الأجر الكامل للطفل الرابع، بهدف دعم مشاركة المرأة في سوق العمل.
يصطدم القرار بواقع مختلف، إذ تعاني عاملات في القطاعين الخاص والعام، خاصةً صاحبات العقود المؤقتة من ضعف الرواتب التي لا تصل للحد الأدنى للأجور، مما يجعل استقطاع نسبة منها لصالح الحضانة عبئًا إضافيًا يصعب تحمّله، ويثير تساؤلات حول جدوى القرار في دعم استمرار النساء في العمل لا سيما أن القرار لم يشمل الجنسين.
تكشف بيانات تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2025، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، تراجع ترتيب مصر إلى المركز 139 من بين 148 دولة، لتأتي ضمن أسوأ عشر دول عالميًا من حيث اتساع الفجوة بين الجنسين في مؤشرات العدالة والمساواة.
- دور الحضانة هي منشآت تقام لاستقبال الأطفال حتى 6 سنوات، لرعايتهم خلال فترات انشغال الأمهات بأعمالها.
توضح "إسراء" لـ"عين الأسواني"، إن طفلها يبلغ حاليًا عدة أشهر ويحتاج رعاية كاملة، لكن المدرسة لا توفر حضانة للرضع: "حتى لو المدرسة وفرت إزاي هقدر أستقطع من الراتب النسبة اللي حطاها الحكومة عشان أدخله الحضانة؟ المرتب يدوب بيكفي وأي حضانة بره هتكون بحوالي ألف جنيه".
- من المقرر أن يصل الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه، وفق قرار الحكومة بشأن زيادة الرواتب والمعاشات مع بداية السنة المالية الجديدة في يوليو 2026.
فجوة بين الجنسين
تُظهر بيانات بحث القوى العاملة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2024، الذي يوضح تقدير عدد المشتغلين في أسوان بأجر، إذ تظهر البيانات أن النساء العاملات يشكلن 11% فقط من إجمالي المشتغلين بنحو 329,9 ألف مشتغل، مقابل 88.7% للذكور.
بينما تُظهر البيانات ارتفاع معدل البطالة لدى الإناث بنحو 76.1% مقابل 23.9% للذكور من إجمالي المتعطلين في أسوان قرابة 39,700 متعطل.
تؤكد حنان هاشم، مسؤول المرأة والطفل بمديرية العمل بأسوان، لـ"عين الأسواني" أن قرار إنشاء الحضانات يمثل التزامًا قانونيًا يهدف إلى مصلحة العاملة وتوفير بيئة عمل مستقرة لها. وتصفه بأنه أداة قانونية لحماية حق الأم في العمل دون أن تعيقها مسؤوليات رعاية الأطفال.
لكنها ترى أن فاعلية القرار تظل مرتبطة بمدى استيفاء المنشأة للشروط العددية التي نص عليها القانون، مما يجعله محدود التأثير في الأماكن التي تتسم بصغر حجم العمالة النسائية.
كما توضح أن تطبيق القرار يرتبط بطبيعة بعض الأنشطة الاقتصادية: "في محافظة أسوان نجد أن مصانع كبرى تضم آلاف العمال، لكن نسبة الإناث فيها ضئيلة وتقتصر على العمل الإداري، مما يجعل شرط الـ100 عاملة صعب التحقق في مثل هذه القلاع الصناعية".
بينما تضيف "إسراء" أن قرارها بالاستقالة من العمل يمتد للاعتناء بطفلها حتى يكبر وتجد فرصة براتب يستحق الوقت والمجهود يستطيع مجاراة تكاليف الحياة.
لا تقتصر معاناة "إسراء" على تحمل التكلفة المادية فقط، إذ تشير قراءة تحليلية لمضمون قرار إنشاء الحضانات، صادرة عن المؤتمر الدائم للمرأة العاملة في 4 أبريل الجاري، وهو كيان ينشط تحت مظلة دار الخدمات النقابية والعمالية، إلى أن القرار يثير تساؤلات بشأن فعاليته الحقيقية.
ووُصف بأنه لا يقدم جديدًا في الموقف القانوني القائم، كما يطرح شكوكًا حول قدرته على معالجة أوجه القصور في قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، خاصة فيما يتعلق بمنظومة رعاية الأطفال داخل بيئة العمل.
وتساءلت اللجنة عن غياب الإسناد الملزم لوزارة التضامن الاجتماعي للإشراف الفني على دور الحضانة، رغم كونها الجهة المختصة، وهو ما يُضعف ضمانات الجودة والسلامة.
كما أشارت إلى غياب معايير فنية وتنظيمية مُلزمة تحدد الحد الأدنى لمواصفات دور الحضانة، بما يشمل المساحة والكثافة العددية وتأهيل العاملين ومعايير السلامة والصحة، ما يجعل الالتزامات الواردة في القرار أقرب إلى نصوص شكلية غير قابلة للنفاذ.
معاناة مشتركة
في ظل تلك الأوضاع، تختلف مناورات النساء للحفاظ على وظائفهن، منهن ميار عمر، 29 عامًا، التي تعمل في شركة عقارات بأسوان، وتؤكد أن بقاءها في العمل رغم وجود طفلة تبلغ ثلاث سنوات، يأتي لوجود والدتها بجانبها، موضحة أن راتبها لا يتحمل تكاليف حضانة، خاصة في ظل غلاء المعيشة.
ووفق ما رصدته "عين الأسواني"، تتراوح أسعار الاشتراك الشهري في الحضانات الخاصة بين 700 و1000 جنيه للطفل الواحد، بحسب الأسعار المتداولة، في حين أن كثيرًا من العاملات، مثل إسراء وميار، لا يتقاضين الحد الأدنى للأجور، ما يخلق فجوة تمنعهن من الاستفادة من القرار.
وفي سياق أوسع، تكشف بيانات تقرير منظمة العمل الدولية بعنوان "فجوة الأجور بين الجنسين في مصر" لعام 2024، أن فجوة الأجور بين الجنسين في أسوان تتسع بشكل أكبر في القطاع الخاص مقارنة بالقطاع العام.
ويظهر التفاوت الحاد في مستويات الأجور بمحافظة أسوان داخل القطاع الخاص، حيث تنخفض أجور الإناث بنسبة تصل إلى 63.8% مقارنة بالعاصمة، في حين يوضح التحليل أن أجور الذكور في نفس القطاع بالمحافظة تنخفض بنسبة 8.8% فقط عن مستويات العاصمة.
أما على صعيد القطاع العام، فتبدو الفوارق أقل حدة، إذ تنخفض أجور الإناث بنسبة 22.3% مقارنة بنظيراتهن في العاصمة.
تأتي هذه الأوضاع في ظل أن النساء يتحملن مسؤولية أطفالهن، في الوقت الذي يُفترض فيه أن يخصص جزء من رواتبهن لتغطية تكلفة دور الحضانة وفق قرار وزير العمل.
العمالة المؤقتة.. أزمة مضاعفة
تمتد أزمة الحد الأدنى للأجور بظلالها أيضًا إلى القطاع العام، خاصة بين أصحاب العقود المؤقتة وغير المنتظمة والعاملين بنظام اليوميات وساعات العمل المحددة، والذين لا يحصلون على تأمينات اجتماعية أو صحية بجانب ضعف الأجور.
وشهدت محافظة أسوان، وفق ما رصدته "عين الأسواني" خلال عامين، وقفات احتجاجية نظمها أصحاب العقود المؤقتة للمطالبة بحقوق وظيفية أسوة بزملائهم المثبتين.
- العمل المؤقت هو العمل الذي تقتضي طبيعة إنجازه مدة محددة تقل عن سنة، أو ينصب على عمل بذاته وينتهي بانتهائه، بينما يُعرّف العمل غير المنتظم بأنه العمل غير الدائم بطبيعته لدى الغير مقابل أجر.
لم تمتلك فاطمة محمود "اسم مستعار"، 25 عامًا، مثل ميار، حيلة للمناورة كي تحافظ على وظيفتها وفي الوقت نفسه ترعى أطفالها، إذ تخطط للحمل مستقبلًا، ولكن يقف عملها عائق، إذ تعمل منذ خمس سنوات بعقد عمل باليومية في معهد أورام أسوان، وتتقاضى راتبًا شهريًا وصل إلى نحو 1800 جنيه مقابل 7 ساعات عمل يوميًا، ورغم مرور السنوات ظل وضعها الوظيفي والأجري كما هو دون تغيير.
تقول فاطمة لـ"عين الأسواني": "في حالة غيابي ليوم واحد، ومع أيام الجمعة، أحصل شهريًا على ما بين 1000 إلى 1200 جنيه من الراتب الذي لا يمثل شيئًا، لكني مستمرة أملًا في التثبيت". وترى أن خصم 4% من الأجر في حالة تطبيق قرار وزارة العمل بإنشاء حضانة لن يضيف لها إلا عبئًا إضافيًا.
- تضم محافظة أسوان نحو 993 دار حضانة، بها 16,532 طفلًا، من إجمالي عدد الأطفال تحت سن المرحلة الابتدائية البالغ 23,701 طفلًا.
تعلق على ذلك، حنان هشام، مسؤولة بأن حصول العاملة على أجرها القانوني يجعل أي خصم إضافي مقابل الخدمات عبئًا مباشرًا عليها.
وترى أن الحل يعتمد بشكل كامل على حملات التفتيش الدوري لضمان التزام المنشآت بجميع بنود قانون العمل، وعلى رأسها تطبيق الحد الأدنى للأجور، والذي قد يتيح للعاملات لاحقًا القدرة على تحمّل النسبة المقررة من رواتبهن مقابل انضمام أطفالهن إلى الحضانات.
تُجسد قصص إسراء وميار وفاطمة واقعًا واحدًا تواجهه كثير من العاملات، حيث تصطدم محاولات دعم رعاية الأطفال داخل بيئة العمل بواقع أجور متدنية وغير مفعّل فيها الحد الأدنى.