غياب فرق الكبار وغلاء الأكاديميات.. عقبات تخنق المواهب الرياضية

تصوير: أمنية حسن - فرق تحت الـ 18 عامًا في الأكاديميات الرياضية أسوان

كتب/ت أمنية حسن
2025-07-17 14:00:06

رغم فوزها بالميدالية الفضية في أولمبياد المحافظات الحدودية العام 2024، تجد رحاب مصعب، لاعبة الكرة الطائرة بمركز شباب أرمنا في نصر النوبة، نفسها مضطرة للتوقف عن اللعب بعد انتهاء المرحلة الثانوية بعدما بلغت 17 عامًا.

المركز الذي تتدرب فيه لا يضم سوى فريق ناشئين تحت 18 عامًا، ولا توجد فرق للكبار أو الشباب، وهو واقع لا يقتصر على مركزها فقط، بل ينطبق على جميع مراكز الشباب في مراكز محافظة أسوان، باستثناء مدينة أسوان نفسها.

حق مهدر

في ظل هذا الغياب التام لمسارات رياضية حكومية مستدامة بعد سن الناشئين، لا يجد من يريد مواصلة ممارسة الرياضة في أسوان خيارًا سوى الالتحاق بأكاديميات خاصة مرتفعة التكلفة، مما يغلق الباب أمام كثير من الموهوبين. 

ولذلك تفكر رحاب في استكمال دراستها الجامعية خارج المحافظة، على أمل أن تجد فرصًا حقيقية لمتابعة شغفها بالكرة الطائرة دون أن يكلفها ذلك عبئًا ماليًا إضافيًا.

حرمان رحاب من حقها في ممارسة الرياضة يخالف المادة 84 من الدستور المصري، التي تنص على: "الرياضة حق لكل مواطن وتلزم الدولة بتوفير الوسائل اللازمة لذلك، وبكفالة رعاية الموهوبين رياضيًا".

فرق تحت الناشئين في أكاديمات أسوان الرياضية

لم تكن التكلفة المالية وحدها هي العائق أمام الموهوبين في أسوان، فرغم أن الأكاديميات الرياضية الخاصة تقدم عروضًا تبدو مشجعة لجذبهم، لا تعوّض كليًا غياب الدعم والإمكانات في الأندية ومراكز الشباب، بل تمثل حلًا بديلًا مكلفًا يقتصر على من يستطيع تحمّل نفقاته.

إلى جانب ذلك، فإن اللجوء للأكاديميات يحرم الموهوبين من المشاركة في البطولات إذ يشرح محمد فايز، مدير قطاع السباحة بإحدى الأكاديميات، أن تسجيل الأكاديميات بشكل رسمي للمشاركة في البطولات له شروط متعددة: "على سبيل المثال بطولات السباحة تشترط علينا وجود حمامات سباحة بمواصفات ومساحات محددة، وهي اشتراطات لا تتوفر إلا في الأندية الكبرى أو عدد محدود من المدارس الخاصة". 

ويضيف فايز لـ"عين الأسواني" أن عملية التسجيل تتطلب أيضًا سداد رسوم اشتراك لا تقل عن 100 ألف جنيه، وهو مبلغ يتجاوز قدرة العديد من الأكاديميات الصغيرة، ما يدفعها غالبًا إلى التسجيل كفروع تابعة لأندية كبيرة، والمشاركة في البطولات تحت اسمها، لا باسم الأكاديمية نفسها، ويرفع تكلفة التدريب على الموهوبين الذين يلجأون إليها.

جانب آخر للأزمة يكشفه سعد خليفة مدير مديرية الشباب والرياضة بأسوان، في حديثه لـ"عين الأسواني" وهو أن بعض مراكز الشباب التي لا تمتلك مصادر تمويل ثابتة تضطر إلى تأجير بعض مرافقها، مثل الملاعب، بهدف تغطية تكاليف الأنشطة والخدمات المقدمة، بينما 80% من الملاعب في المحافظة متاحة حاليًا لاستخدام الجمهور، في محاولة لتحقيق التوازن بين توفير الخدمة والحفاظ على الاستدامة المالية للمراكز.

لكن رحاب تواجه عقبات أكبر على رأسها  ضعف الإمكانيات وقلة الأدوات الرياضية، مؤكدة أن هناك فجوة بينها وبين الفرق التي تواجهها من خارج أسوان: "تلك الفرق تتمتع بتجهيزات أفضل وظروف تدريب أكثر ملاءمة، الأمر الذي يكون له تأثير مباشر على نتائج المباريات، والتي غالبًا تميل لصالح الفرق المنافسة".

أثر غياب الرياضة

لذا؛ تؤكد الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن الرياضة لا ينبغي أن تقتصر على الأندية مرتفعة التكلفة، بل يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من المنظومة التعليمية، تبدأ من المدارس وتستمر حتى الجامعات.

وشددت في حديثها لـ"عين الأسواني" على ضرورة أن تتولى وزارة التربية والتعليم مسؤولية توفير أنشطة رياضية مجانية داخل المؤسسات التعليمية، بعيدًا عن الاعتماد على الأندية الخاصة التي لا تتيح الفرصة لجميع الفئات، على أن تكون حصة التربية الرياضية ثابتة في الجدول الدراسي وغير قابلة للإلغاء أو الاستبدال بأي مادة أخرى.

الأكاديميات الرياضية بأسوان

تشير النشرة السنوية لإحصاء النشاط الرياضي في المنشآت، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن الرياضيين في مصر يتوزعون على خمسة قطاعات رئيسية، وهي أندية تابعة للقطاع الحكومي، وأندية تابعة للقطاع العام وقطاع الأعمال العام، ومراكز شباب المدن، ومراكز شباب القرى، والأندية الخاصة.

وخلال الفترة الممتدة من عام 2010 حتى 2019، سجلت مصر تراجعًا بنسبة 29% في أعداد الرياضيين المنتمين لأندية القطاع العام ومراكز الشباب بحسب النشرة، ما يعكس تراجعًا ملحوظًا في الإقبال على ممارسة الرياضة ضمن المؤسسات العامة.

وكانت مراكز شباب القرى هي القطاع الأكثر فقدًا للرياضيين خلال العقد الأخير، ما يسلّط الضوء على التحديات التي تواجهها المناطق الريفية في توفير بيئة رياضية جاذبة. 

في المقابل، كانت أندية القطاع العام وقطاع الأعمال العام هي الوحيدة التي شهدت زيادة محدودة في أعداد الرياضيين، بنسبة لم تتجاوز 8% خلال نفس الفترة، وهي نسبة تعكس بطئًا شديدًا في النمو مقارنة بحجم الفاقد الكلي في القطاعات الأخرى.

أما هنا محمد، 20 عامًا، بدأت مشوارها في رياضة السباحة وهي لا تزال في سن صغيرة، حيث التحقت بإحدى الأكاديميات بهدف تعلم السباحة فقط، ومع مرور الوقت، بدأت تفكر في خوض المجال بشكل احترافي، لكن الواقع الاقتصادي كان أقسى من طموحاتها.

تقول: "كانت تجربة جديدة وفرصة كويسة، بدأت أمارس السباحة بهدف التعلم فقط، لكن مع الوقت فكرت في الاحتراف، ولما عرفت بتكاليف التدريب والمشاركة، قررت أكتفي بالتعلم من غير ما أدخل بطولات أو أكمل كمحترفة".

وتشير إلى أن الأعباء المالية المرتبطة باللعبة كانت تفوق قدرة أسرتها، حيث أن زميلاتها كن يتحملن نفقات الإقامة والتنقل، إلى جانب رسوم الاشتراك في البطولات، وهي تكلفة لم تستطع أسرتها تغطيتها، ما اضطرها للتخلي عن حلم الاستمرار في اللعبة داخل مراكز الشباب.

لذا يؤكد الكابتن فايز، مدرب سباحة بإحدى الأكاديميات، أن اللجوء إلى الأكاديميات الخاصة أصبح الحل الوحيد أمام الراغبين في تطوير مهاراتهم، في ظل نقص الدعم المقدم من مراكز الشباب والأندية العامة.

هروب الرياضيين

ويوضح أن تكاليف الاشتراك في تدريبات السباحة ترتفع كلما تقدَّم المتدرب في المستوى؛ إذ يبدأ متوسط الاشتراك الشهري للمبتدئين من 600 جنيه، ويصل إلى 800 جنيه في المراحل المتقدمة، فضلًا عن رسوم «النجوم» وهي مستويات متدرجة لتعليم مهارات السباحة، وتبلغ قيمتها نحو 2000 جنيه تُدفع إلى جانب الاشتراك الأساسي، هذا بخلاف تكلفة الأدوات الشخصية التي يتحملها المتدرب بالكامل.

أما من يطمحون إلى المنافسة في البطولات، غالبًا ما يُطلب منهم المشاركة في تغطية نفقات البطولة نفسها، نتيجة عجز ميزانيات الأندية عن تحمُّل المصروفات الكاملة، خاصة خلال فصل الصيف، وتبلغ نسبة ما يتحمّله المتدربون من تكلفة المشاركة 30% أو 40% من إجمالي رسوم البطولة، ما يشكل عبئًا كبيرًا على العائلات، ويجعل حلم التنافس والاحتراف أمرًا بعيد المنال بالنسبة لكثير من أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة.

تدريب تحت سن 18 عامًا بأكاديميات أسوان

تعكس حكاية هناء ورحاب حجم الفجوة بين طموحات الرياضيين الشباب في أسوان وما توفره الدولة من دعم فعلي، إذا تبلغ جملة تقديرات المصروفات المتوقعة لمشروعات قوانين الخطة والموازنة الخاصة بمديريات الشباب والرياضة في مختلف المحافظات للعام المالي 2025/2026 نحو 4 مليارات جنيه.

وتُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن محافظة أسوان وحدها تضم نحو 233 منشأة رياضية حتى عام  2021 تخدم مليون و706 ألف نسمة بما يعادل منشأة رياضية واحدة لكل 10 آلاف شخص، فضلًا عن أن من بينها 194 مركز شباب و39 نادٍ رياضي، إلا أن نحو 30 ناديًا منها يتبع القطاع الخاص، ما يعني أن الغالبية العظمى من المنشآت تعتمد على التمويل الحكومي التي غالبًا لا تضم فرقًا للكبار.

وإزاء ذلك، فقدت مصر أكثر من 350 ألف رياضي، أي ما يزيد عن ثلث قاعدة ممارسي الرياضة وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء العام 2021، وذلك لأسباب متعددة تتعلق بضعف الدعم، وتراجع البنية التحتية، والعوائق الاقتصادية التي تواجه الرياضيين على مختلف المستويات.

لكن سامية خضر تؤكد أن غياب المتابعة والإشراف الجاد من الجهات المعنية يُعد السبب الأساسي وراء ضعف الاهتمام بالأنشطة الرياضية في التعليم، موضحة أن المدارس والجامعات يمكن أن تكون بديلًا فعّالًا ومتاحًا أمام الطلاب لممارسة الرياضة، في ظل ارتفاع تكاليف الأندية الخاصة وصعوبة الوصول إليها من قبل الطبقات المتوسطة والفقيرة.

ورغم الوضع الحالي يؤكد خليفة، مدير مديرية الشباب والرياضة بأسوان، أن الوزارة تسعى إلى دعم الرياضيين من خلال عدد من المبادرات، من بينها مشروع "البطل الأوليمبي"، الذي أطلقته وزارة الشباب والرياضة بهدف رعاية المواهب وتقديم الدعم الفني والمادي لهم، إلا أن المشروع لا يزال يقتصر حاليًا على أربع ألعاب فقط، ما يحد من استفادة قطاع واسع من الرياضيين، خاصة في الألعاب غير المدرجة ضمن المبادرة.

في ظل غياب منظومة رياضية عادلة وشاملة، تجد رحاب وهناء نفسيهما في مفترق طرق بين الشغف والواقع، الأولى حُرمت من استكمال مشوارها بعد سن الـ18 بسبب غياب الفرق الرياضية للبالغين، والثانية اضطرّت إلى التوقف مبكرًا عن حلمها بسبب تكاليف لا ترحم، لم تجد أمامها سوى باب الأكاديميات الخاصة، الذي فُتح بشرط القدرة على الدفع.