في قلب مدينة إدفو بمحافظة أسوان، يقف معبد الإله حورس شامخًا كأحد أبرز شواهد الحضارة المصرية القديمة، وواحد من أعظم المعابد البطلمية حفظًا وتفصيلًا، لا يزال هذا الصرح العريق يروي أسرار المعتقدات الدينية القديمة، ويجذب الزوار والباحثين من مختلف دول العالم، لما يحمله من قيمة معمارية وتاريخية وروحانية فريدة.
وشهد، مساء أول أمس، معبد إدفو انطلاق فعالية "إشراقة الحضارة من قلب إدفو"، التي نظمتها الإدارة المركزية للسياحة والمشاتي بمحافظة أسوان، بالتزامن مع ظاهرة فيضان النيل، والتي تصادف بداية الموسم السياحي الصيفي في 21 يونيو، بحضور ما يقرب من 70 شخصية من ممثلي الهيئات والمؤسسات الثقافية والتنفيذية.
أوضح الدكتور أسامة إسماعيل، مدير عام منطقة آثار إدفو، أن المعبد يُعد من أكمل المعابد المصرية القديمة، مشيرًا إلى أن فترة البناء الطويلة التي استمرت لنحو 180 عامًا تعود إلى الاضطرابات السياسية والثورات المتكررة ضد الحكم البطلمي، والتي تسببت في توقف واستئناف أعمال التشييد على فترات متقطعة.

وأضاف إسماعيل لـ"عين الأسواني" أن من أبرز الاحتفالات التي كانت تقام في المعبد، تلك التي تجسّد زيارة الإلهة حتحور، القادمة من معبدها في دندرة، لقضاء خمسة عشر يومًا داخل معبد إدفو برفقة زوجها الإله حورس، وسط احتفالات شعبية ضخمة، يحضرها الكهنة والمواطنون، وجُسدت هذه المناسبة عبر نقوش مفصّلة داخل الفناء المكشوف، ما يعكس أهميتها في الوجدان الديني المصري القديم.
يرجع تاريخ تشييد معبد إدفو إلى العصر البطلمي، حيث بدأت أعمال البناء في عهد الملك بطليموس الثالث عام 237 قبل الميلاد، على أنقاض معبد أقدم يعود لعصر الدولة الحديثة، استمر العمل في المعبد قرابة 180 عامًا حتى أواخر العصر الروماني، ورغم تعرضه للردم بالرمال والطمس لقرون، أعيد اكتشافه في القرن التاسع عشر، ليكشف عن أحد أكثر المعابد المصرية القديمة اكتمالًا من حيث المعمار والنقوش.
يتكوّن المعبد من عدة أقسام متسلسلة، تبدأ بصرح ضخم تعلوه نقوش تمثّل الملك البطلمي وهو يضرب أعداءه أمام الإله حورس، وهو تقليد شائع في عمارة المعابد المصرية للتأكيد على دور الحاكم كحامٍ للآلهة، يلي الصرح فناء مكشوف محاط بالأعمدة، كانت تُقام فيه الاحتفالات الدينية الكبرى، ثم صالة الأعمدة الأولى، والمعروفة بـ"صالة الأعمدة الكبرى"، وتضم صفوفًا من الأعمدة المزخرفة بالنقوش الطقسية.
وأكد مدير عام منطقة آثار إدفو، أن المعمار البطلمي للمعبد يتميّز بخصائص فريدة، أبرزها اتجاهه المعماري من الشمال إلى الجنوب، وهو ما يختلف عن الاتجاه التقليدي للمعابد المصرية القديمة التي كانت غالبًا تُبنى باتجاه شمال غربي بمحاذاة نهر النيل، في إشارة رمزية لتقديس النهر.

واختتم إسماعيل تصريحاته بالتأكيد على أهمية معبد إدفو ليس فقط كمزار أثري وسياحي، بل كمصدر حيوي لفهم العقائد والطقوس التي شكّلت وجدان الإنسان المصري القديم، لافتًا إلى أن الحفاظ عليه وترميمه يُعد أولوية للحفاظ على ذاكرة مصر الحضارية.
ويضم المعبد "قدس الأقداس" وهو أقدس أجزاء المعبد، حيث كان يُوضع القارب المقدس الخاص بالإله حورس، وعلى جدران المعبد، تنتشر النقوش والكتابات الهيروغليفية التي توثق الطقوس اليومية، والأساطير الدينية، وأبرزها قصة الصراع الأسطوري بين الإله حورس والشرير ست، والتي كانت محورًا مهمًا في المعتقد الديني المصري القديم.
ويتميّز المعبد بتصميم معماري رمزي، يبدأ فيه الزائر رحلته من الأماكن المنفتحة والمضاءة، وصولًا إلى أروقة أكثر ظلمة وعمقًا، في دلالة على الانتقال التدريجي من العالم المادي إلى المقدس، ومن الضوء إلى الأسرار الغيبية.