قد يبدو الأمر غريبًا أن يتحول عبدالستار محمد، أحد مزارعي الأعلاف في مركز إدفو بمحافظة أسوان، من زراعة البرسيم والتجارة فيه إلى الاكتفاء بزراعة ما يكفي لتسمين ماشيته، وذلك عقب أزمة امتدت السنوات الماضية لعدم توافر الأعلاف وأزمة استيراده وارتفاع سعره.
إلا أن قرار عبدالستار يجد ما يبرره، لديه ولغيره من مزارعي العلف، الذين تكشف الأرقام اتجاههم إلى خفض/ توقف زراعتهم للبرسيم، مقابل اتجاه أصحاب الماشية إلى خفض حجم تربيتهم.
يقول عبدالستار: "كنت بزرع البرسيم وأبيعه في السوق وأستفيد، دلوقتي العلف غلي، ومبقاش في فايدة، وبطلت أزرع وأجّرت الأرض واكتفيت بس بإني أربي العجول اللي عندي وأحوش لهم البرسيم على قدهم"، مؤكدًا أن الوضع لم يعد كما كان، وأن العديد من المربين في أسوان أصبحوا يعانون من ارتفاع أسعار الأعلاف، ما اضطرهم إلى تقليل أعداد الماشية أو الاكتفاء بتسمين ما لديهم فقط دون التوسع في التربية.
وتعكس تجربة عبدالستار الواقع الصعب الذي يعيشه مربو الماشية في أسوان مع اقتراب عيد الأضحى، في ظل أزمة الأعلاف التي تزداد، حيث ارتفعت أسعارها خلال آخر عامين، ما أدى إلى زيادة أسعار الأضاحي، إذ تؤثر أزمة العلف على قطاع تربية الماشية في محافظات الجنوب، خاصة مع اعتماد عدد كبير من المربين على زراعة البرسيم كمصدر رئيسي لتغذية المواشي.
في 2 يناير 2024، أصدر الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، القرار رقم 33 لسنة 2024، الذي حدد سعر طن النخالة الخشنة (علف) عند 10,900 جنيه بارتفاع 500 جنيه عن سعره في السابق، في وقت بلغت فيه احتياجات الثروة الحيوانية في مصر من الأعلاف نحو 41.6 مليون طن من الأعلاف الخضراء (البرسيم)، و10 ملايين طن من التبن، بالإضافة إلى حوالي 16.6 مليون طن من الأعلاف المركزة، وفق بيانات وزارة الزراعة.

عزوف عن الزراعة
تعكس الأرقام الرسمية حجم الأزمة التي يعاني منها مربو الماشية، إذ تشير نشرة الإحصاءات الزراعية لعام 2023/2024 إلى تراجع واضح في زراعة الأعلاف في محافظة أسوان، حيث انخفضت مساحة البرسيم المستديم إلى 6915 فدانًا العام 2025 مقارنة بـ7514 فدانًا في العام السابق.
بينما شهدت الأعلاف الخضراء تراجعًا أكثر حدة، حيث هبطت المساحات المزروعة إلى 1102 فدان فقط العام الحالي بعد أن كانت 17,183 فدانًا في 2024، هذا التراجع في الإنتاج المحلي من الأعلاف يزيد اعتماد المربين على السوق الحرة، ويفاقم من أزمة ارتفاع أسعار الأعلاف.

تتضح أهمية البرسيم كغذاء للحيوانات في دراسة أعدها المركز القومي للبحوث الزراعية عام 2019 بعنوان "دراسة اقتصادية للطاقة الإنتاجية للأعلاف الحيوانية في مصر"، للدكتورة منى محمود، الباحثة بقسم بحوث الإحصاء بالمركز، التي أكدت أن أهم أنواع الأعلاف للماشية هي البرسيم البلدي بالإضافة إلى محاصيل العلف الأخضر الأخرى، سواء كانت نجيلية أو بقولية، وتمثل تكاليف التغذية نحو 70% من عملية تربية المواشي.
ورغم ذلك يؤكد عبدالعزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن، أن الأعلاف متوفرة وأسعارها مستقرة هذا الموسم، مرجعًا ذلك إلى تحسن أوضاع استيراد مستلزمات الإنتاج: "الأعلاف تمثل نحو 70% من تكلفة تربية المواشي ولها دور هام في دعم صناعة اللحوم والدواجن".
ويشير لـ"عين الأسواني" إلى أن الحكومة سبق أن استوردت عجول تربية استعدادًا لموسم عيد الأضحى، بالإضافة إلى الأعلاف، موضحًا أن الدولة تعتمد على استيراد نحو 80% من احتياجات الذرة، وما بين 90% إلى 95% من الصويا.

فجوة إنتاج واستهلاك الأعلاف
وتؤكد الدكتورة سهير عبده، نقيب الأطباء البيطريين في أسوان لـ"عين الأسواني" أن استهلاك اللحوم في المحافظة يعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية، هي اللحوم البلدية، واللحوم المجمدة المستوردة، بالإضافة إلى اللحوم التي تُستورد من دول أفريقية مثل السودان، لكن المستهلكين يفضلون الخيار الأول.
تنتج مصر محليًا نحو 800 ألف طن فقط من الأعلاف، في حين يبلغ الاستهلاك السنوي نحو 24 مليون طن، ما يكشف عن فجوة ضخمة بين الإنتاج والاستهلاك، ولتغطية هذا العجز، تستورد الدولة سنويًا حوالي 8.1 مليون طن من الأعلاف، بإجمالي تكلفة تصل إلى 3.9 مليار دولار، وفقًا لبيانات مجلس الوزراء لعام 2023.
وقدرت دراسة صادرة عن مؤسسة Mordor Intelligence، المتخصصة في تحليل الأسواق، أن حجم سوق الأعلاف في مصر سيبلغ نحو 117.5 مليار جنيه خلال عام 2025، ما يعكس ضخامة هذه الصناعة وأهميتها في دعم قطاعي الثروة الحيوانية والدواجن.

بينما يؤكد عبدالستار، مزارع، أن الارتفاع المتواصل في أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي جعل تحقيق أي هامش ربح أمرًا شبه مستحيل، وهو ما دفعه للتحول إلى زراعة النباتات العطرية بدلاً من الأعلاف التقليدية.
ويوضح أن نقص الأسمدة يُعد أحد أبرز التحديات التي تواجه الزراعة حاليًا، ما جعله يفضّل زراعة محاصيل تضمن له على الأقل تغطية تكاليف الإنتاج: "الزراعة بقت مكلفة، محتاجة بنزين لتشغيل ماتور المياه، وتكاليف نقل وتعبئة، وكل دا بيدخل في حساب الربح والخسارة، وهيؤدي إلى ارتفاع أسعار الأضاحي".
تُصنّف اللحوم ضمن السلع الأكثر تضخمًا في مصر، إذ سجلت أسعارها ارتفاعًا بنسبة 86% خلال عام 2024، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وعلى إثر ذلك تراجعت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم من 71.9% في عام 2014 إلى 69.4% في عام 2023، وانخفض متوسط نصيب الفرد من اللحوم الحمراء من 10.8 كجم سنويًا في عام 2014 إلى 7.9 كجم في عام 2023.
ويؤكد ذلك، رئيس شعبة الدواجن الدكتور عبدالعزيز السيد: "مصر تشهد ارتفاع في أسعار الأضاحي هذا العام، والأمر يستدعي رقابة صارمة لتحديد الأسباب الفعلية وراء هذا الارتفاع".

خسائر المزارعين
يواجه عبدالمنعم محمد، مزارع برسيم من مركز إدفو، صعوبات متزايدة بعدما تراجعت إنتاجية أرضه إلى أقل من ثلاث دورات زراعية في الموسم الحالي، بسبب زيادة أسعار الأعلاف وقلة الطلب عليه وهو ما لم يعتد عليه سابقًا.
ويُرجع السبب إلى ضعف وصول مياه الري، ما اضطره لاستخدام ماكينة تعمل بالسولار لري الأرض، ويبلغ سعر صفيحة السولار الواحدة نحو 400 جنيه، حسب كمية المياه المتاحة، وتزداد التحديات في فصل الصيف، حيث تحتاج المحاصيل إلى عدد أكبر من مرات الري بسبب ارتفاع درجات الحرارة في أسوان، مقارنةً بفصل الشتاء.
يقول: "حين لا تصل مياه الري إلى الأرض بصورة كافية، تقل الإنتاجية ويقل معها توافر العلف، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعاره، وبالتالي ترتفع أسعار الماشية بشكل كبير، لأن الماشية التي كانت تُباع بـ25 ألف جنيه، أصبحت تُباع بـ35 ألف جنيه، ولا يستطيع المربي أن يتحمل الخسارة، فيلجأ إلى رفع السعر لتعويض تكلفة العلف والتربية، وهذا بدوره يؤثر على أسعار الأضاحي ويجعل كثيرًا من الناس غير قادرين على شرائها كما في السابق".
ويعد التراجع في مساحات زراعة البرسيم، أحد الأسباب الأساسية في الضغط على قطاع تربية الماشية، نظرًا لاعتمادها الكبير عليها كغذاء رئيسي، وساهم هذا التراجع وفق تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية بنهاية عام 2024، في انخفاض مخزون رؤوس الماشية في مصر إلى نحو 7.8 مليون رأس، مقارنة بـ8.1 مليون رأس في آخر إحصاء محلي عام 2021.
ويُعزى تقرير الأمريكية هذا الانخفاض إلى ارتفاع تكلفة الأعلاف وتزايد معدلات الذبح، إلى جانب تراجع الاستيراد بسبب الأوضاع غير المستقرة في السودان، أحد أبرز مورّدي الماشية لمصر.

نقيب البيطريين: "تكلفة التسمين مرتفعة"
فيما تؤكد الدكتورة سهير عبده، نقيب الأطباء البيطريين في أسوان، أن أسعار الماشية تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة، مرجعة ذلك إلى ارتفاع تكلفة تسمين العجول (الأعلاف)، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع أسعار اللحوم البلدية التي لا تزال مرتفعة منذ فترة طويلة.
لذا توقف بعض التجار بحسب الدكتورة سهير، عن تربية الماشية بسبب التكاليف المرتفعة، في حين يحاول آخرون تعويض هذه التكاليف بزيادة أسعار الماشية، مؤكدة أن المستهلك هو الطرف الذي يتحمل في النهاية تداعيات هذه المشاكل مجتمعة.
تصل تبعات أزمة الأعلاف إلى الأسر المصرية، التي إزاء ارتفاع أسعار الماشية تخلت عن فكرة شراء الأضحية هذا العام، ومن بينهم فاطمة محمد، ربة منزل، التي تكشف أنها للعام الثالث على التوالي غير قادرة على شراء أضحية بسبب غلاء الأسعار.

تقول: "سعر الخروف الذي اعتدت شراءه ارتفع بشكل كبير، بلغ هذا الموسم 15 ألف جنيه مقارنة بـ8 آلاف فقط في العام الماضي، كنت في السابق أدخر مبلغًا بسيطًا قبل العيد لتدبير ثمن الأضحية، لكن الآن أصبح الأمر صعب مع تكاليف المعيشة".
توضح فاطمة أن أولوياتها تغيرت، وأصبحت بالكاد قادرة على توفير نفقات أساسية مثل كسوة العيد ومصاريف الجامعة، لذلك، تلجأ إلى الحل البديل بشراء كيلو ونصف إلى 2 كيلو من اللحوم لتجهيز الفتة خلال أيام العيد لأفراد أسرتها الستة، ولا تمانع في الحصول على لحوم من أضاحي الجيران كتعويض.
ويعد عبدالمنعم، مزارع البرسيم، أحد المزارعين الذين توقفوا بالفعل عن زراعة الأعلاف واستبدالها بمحصول اللوبيا إلى جانب البرسيم، لتجنب اضطراره إلى شراء العلف وتأمين غذاء كافٍ لماشيته.
يقول: "أمتلك عددًا من رؤوس الماشية وأوفر لها غذاءً مرتين يوميًا من البرسيم، بالإضافة إلى تقديم الغلة بين الحين والآخر لتلبية احتياجاتها الغذائية، وأعتبر موسم عيد الأضحى فرصة مناسبة لبيع بعضها، لكن المشكلة في أن تكلفة تغذية الماشية غير ثابتة، خاصة مع تقلب أسعار مستلزمات الزراعة، فقد تصل تكلفة تغذية العجل الواحد إلى نحو 3000 جنيه شهريًا، مما يجعل تحقيق ربح جيد بين الزراعة وتربية الماشية أمرًا صعبًا".
التحديات التي يواجهها عبدالمنعم قد تدفعه مستقبلاً إلى التوقف عن تربية الماشية، وهو اتجاه بدأ يظهر بين عدد من المربين، وتُظهر بيانات نشرة الإحصاءات الزراعية تراجعًا حادًا في أعداد رؤوس الماشية بمحافظة أسوان، حيث بلغ الإجمالي في عام 2023 حوالي 137,390 رأسًا، مقارنة بـ 285,789 رأسًا في عام 2022، ما يعكس انخفاضًا يقارب 51.93%.

تؤكد الدكتورة سهير أن وحدات الطب البيطري في القرى تنفذ مشروع التلقيح الصناعي للماشية منذ عام 2009، حيث تلقح الماشية باستخدام سلالات مستوردة تتميز بإنتاجية أعلى من حيث اللحوم والألبان مقارنة بالسلالات المحلية، موضحة أن المشروع ليس حلًا ولكنه يشكل بديلاً أفضل من الاعتماد على تسمين الأضاحي بالأعلاف.
حاولنا الحصول على رد من الدكتور محمد القرش، المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة، عبر الاتصال الهاتفي ورسائل "الواتساب" حول جهود الوزارة في الحد من ارتفاع أسعار الأعلاف وتأثيرها المباشر على أسعار اللحوم والأضاحي، إلا إننا لم نتلق رد.
يواجه مربي الماشية مثل عبدالمنعم وغيره صعوبة في تغذية حيواناتهم بسبب غلاء الأعلاف، وهو ما يجعل استمرارهم في التربية أمرًا غير مضمون، هذا كله ينعكس على ارتفاع أسعار اللحوم بشكل ملحوظ، ما يزيد العبء على المستهلكين الذين بات كثيرون منهم، مثل فاطمة، يضطرون إلى التخلي عن شراء الأضحية أو اللجوء إلى بدائل أقل تكلفة.