يعاني اللاجئون السودانيون في مصر من صعوبة متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية، بعد قرار مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مارس الماضي تعليق جميع أشكال العلاج الطبي في مصر لنحو مليون لاجئ وطالب لجوء بسبب نقص التمويل.
وتفاقمت هذه الصعوبات إثر قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير الماضي بوقف المساعدات الخارجية، مما أدى إلى تجميد أنشطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وتعليق مئات البرامج والمساعدات، من بينها تمويل المفوضية.
القرار جعل الرعاية الطبية الأساسية بعيدة المنال، كما في حالة صفاء عبدالراضي، نازحة سودانية تعيش في القاهرة، تقضي أيامها في غرفة صغيرة، تحمل ذكريات الخرطوم التي غادرتها قسرًا بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ولم يتبقَ لها سوى أوراقها الثبوتية.

تقليص التمويل
لم تتمكن صفاء من الحصول على عمل في مصر التي نزحت إليها منذ عامين، حيث طرقت كل أبواب العمل. لذا كانت تُراهن مثل كثير من النازحين السودانيين، على المساعدات الإنسانية التي تتلقاها المفوضية لشؤون اللاجئين، لكن تبدد الأمل بالقرار الأخير.
يخالف عدم وصول اللاجئين للرعاية الصحية قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، الذي ينص في المادة رقم 21 منه على أن: "يعتبر الحق في الحصول على الرعاية الصحية من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الجميع بما في ذلك اللاجئون".
بينما تنص الفقرة الأولى من المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: "لكل إنسان الحق في مستوى معيشي كافٍ يضمن له ولأسرته الصحة والرفاه، ويشمل ذلك الغذاء والملبس والمسكن والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية الأساسية".

ممثل الأمم المتحدة يكشف أثر القرار
يؤكد أحمد غازي، الممثل الدائم لدى الأمم المتحدة عن المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي، لـ"عين الأسواني" أن حماية اللاجئين تخضع لضوابط يحددها القانون الدولي، وتشمل تمويل الإجراءات الضرورية لضمان حقوقهم واحتياجاتهم الأساسية على رأسها الرعاية الصحية لأنها حق.
رغم أهمية هذا الحق، فإنه قد لا يشمل 18 ألف سوداني وصلوا مؤخرًا إلى أسوان هربًا من الحرب في السودان، من أصل مليون ونصف سوداني في مصر منذ اندلاع الحرب حتى يناير 2024، حيث تسببت النزاعات بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني في لاجئوهم.
هؤلاء اللاجئون جزء من نحو 8 مليون لاجئ تستضيفهم مصر، وفقًا بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، كما أن حوالي 20 ألف شخص سيتأثرون بشكل مباشر بتعليق جراحات السرطان والعلاج الكيميائي وجراحات القلب، بالإضافة إلى توقف توفير الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.

البرعي: "القرار يجلب مزيد من المعاناة"
يوضح نجاد البرعي، المحامي الحقوقي، أن قرار تعليق تمويل الرعاية الصحية سيترك أثرًا بالغًا على المنظمات التي تعنى بحقوق اللاجئين، مبينًا إلى أن الأمل الآن معقود على منظمات المجتمع المدني الدولية لسد الفجوة التمويلية الناجمة عن القرار، نظرًا لقدرتها الأكبر على التحرك والتمويل.
ويشير لـ"عين الأسواني"، إلى أن اللاجئين لن يكونوا قادرين على الحصول على نفس مستوى الخدمات التي كانت متاحة لهم سابقًا، مما قد يدفعهم إلى تحمّل تكاليف إضافية للحصول على الرعاية الصحية.
هنا تؤكد صفاء أن التحديات الصحية التي تواجهها لا تتوقف عند نقص المساعدات، بل تمتد أيضًا إلى العراقيل المفروضة داخل المستشفيات الحكومية.
وتوضح أن المرضى السودانيين يُطالبون بسداد تكاليف العلاج كاملة، وفي حال تعذر الدفع، يُحتجز جواز السفر كضمان، رغم أنه الوثيقة الأهم بالنسبة للاجئ. تقول: "الحصول على الإقامة من المفوضية يُعد معركة بحد ذاته، إذ يضطر كثيرون للانتظار لأشهر طويلة دون نتيجة، ما يزيد من ضعف الرعاية الصحية لنا".

جانب آخر للأزمة كشفه البرعي وهو أن هذا القرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تواجه مصر تحديات اقتصادية كبيرة، وهو ما قد يضاعف العبء على الدولة واللاجئين.
ويؤكد أن وجود اللاجئين في مصر هو نتيجة لظروف قاهرة في بلدانهم الأصلية، لكن تقليص الدعم الدولي، لا سيما القرار الأمريكي، يزيد من حدة الأزمة الاقتصادية المتعلقة بهم، ويؤثر سلبًا على استقرارهم ومعيشتهم في ظل محدودية التمويل التي باتت تعاني منها المفوضية الأممية في مصر.
يتفق معه أحمد غازي بأن تقليص المساعدات الدولية ستكون له آثار سلبية مباشرة على أوضاع اللاجئين، ليس فقط في مصر بل في أنحاء العالم كافة، لأنهم يخضعون لحماية المجتمع الدولي، وأي تراجع في حجم التمويل يهدد أمنهم المعيشي، ويزيد من هشاشتهم أمام الظروف القاسية.
ومع هذا التراجع الملحوظ في التمويل، قد يُجبر اللاجئون على خيارات بديلة للحصول على الحماية، بحسب غازي مثل التنقل إلى دول أخرى بحثًا عن ملاذ آمن أو الاعتماد على مواردهم الذاتية المحدودة، وهو ما قد يعرّضهم لمزيد من الانتهاكات والمخاطر.
تمويل محدود
بحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لم تحصل المفوضية سوى على 21% فقط من إجمالي 137.7 مليون دولار، وهو المبلغ الذي كانت قد حددته لتغطية احتياجات أكثر من 925 ألف لاجئ وطالب لجوء خلال عام 2025، من بينهم نازحون من السودان إلى جانب لاجئين من أكثر من 60 جنسية أخرى مقيمة في مصر.
ويأتي هذا العجز امتدادًا لما شهدته المفوضية في عام 2024، حين لم تتمكن إلا من توفير 50% فقط من إجمالي التمويل المطلوب، والمقدر بـ134 مليون دولار، ما يكشف عن أزمة تمويل متراكمة كانت المفوضية تواجهها بالفعل قبل اتخاذ القرار الأخير، لكنها الآن باتت على أعتاب أزمة أكثر حدة قد تُهدد أبسط الحقوق الإنسانية للاجئين في البلاد.

الوضع لا يختلف كثيرًا بالنسبة لـ"حنان محمود"، سودانية نزحت إلى أسوان مع أسرتها في مايو 2024، هربًا من نيران الحرب. تلجأ إلى العيادات الخاصة لتلقي العلاج، تفسر ذلك: "لأنها تقدم خدماتها بأسعار قريبة من تلك التي يحصل عليها المواطنون المصريون، على عكس المستشفيات الحكومية التي تفرض رسومًا مرتفعة على الأجانب".
وحتى اللحظة، لم تحصل على "الكارت الأصفر" الذي تصدره مفوضية اللاجئين للاعتراف بوضع اللاجئ ويمنحه الرعاية الصحية: "اللجوء إلى هذه العيادات ليس رفاهية، بل هو خيار اضطراري، وبعد وقف التمويل ربما لن نستطيع العلاج نهائيًا".
هذا التراجع في الدعم يترك اللاجئين مثل حنان عالقين بين الحاجة والانتظار، في ظل ظروف إنسانية ومعيشية تتدهور يومًا بعد يوم.
بحسب تقرير لمجلس النواب تأتي مصر في المرتبة الثالثة عالميًا بين الدول الأكثر استقبالًا لطلبات اللجوء خلال عام 2023.
دعم غير كافي
يتسق ذلك مع ما أكده أحمد غازي، الممثل الدائم لدى الأمم المتحدة، إذ يوضح أن حجم الدعم المقدم للاجئين في مصر لم يكن كافيًا حتى قبل القرار الأخير، مشيرًا إلى أن مكاتب الأمم المتحدة في البلاد تعاني بالفعل من صعوبة تلبية احتياجات اللاجئين كافة.
ويشير إلى أن الفجوة التمويلية ما تزال قائمة، لا سيما مع تزايد الأزمات العالمية وتوسع حركة النزوح، مؤكدًا أن أعداد اللاجئين المسجلين لا تعكس الحجم الحقيقي لهم في مصر، حيث توجد أعداد أكبر بكثير خارج إطار الإحصاءات الرسمية.
وفي ظل هذا الواقع المليء بالصعوبات، تعيش حنان مثل كثير من النازحين السودانيين حالة من القلق والتردد حيال المستقبل، لا تعلم إن كانت ستبقى في أسوان على أمل أن تهدأ الأوضاع، أم أنها ستُجبر على العودة إلى السودان، رغم المخاطر التي قد تواجهها هناك؟.
هذا الشعور بالغموض لا يخصها وحدها، إذ تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية إلى أن أكثر من 114 ألف سوداني عادوا إلى بلادهم من مصر منذ يناير 2024، في ظروف محفوفة بالمجهول وانعدام الأمان.
وبين قرارات العودة الاضطرارية والتشبث بالأمل في واقع أفضل، يبقى اللاجئون عالقين بين وطن لا يسعهم وسكن مؤقت لا يضمن لهم أبسط الحقوق على رأسها الرعاية الصحية.