مع تغيرات الأسعار، والعادات، تبقى إجراءات ربات البيوت، استعدادًا لعيد الأضحى، راسخة، مقاومة للنسيان، في بيوتٍ مصرية كثيرة، لا سيما في الصعيد، فلا يُعدّ عيد الأضحى عيدًا، ما لم تفوح رائحة الرقاق البلدي من الأفران، ويبدأ العجن والفرد والتقطيع قبل أيام من التضحية والتكبير.
لكن في السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الطقوس البسيطة تواجه أزمة ارتفاع أسعار مكوناتها، ومع تزامن اقتراب عيد الأضحى تبدلت عادات عواطف عبد الغني، 70 عام من مركز أخميم بسوهاج.
لايتجاوز الدخل الشهري لـ"عواطف" الخمسة اّلاف جنيه، هو مجموع معاشها ومعاش زوجها المتوفي، لتسرد معاناتها فى الحفاظ على عاداتها التي استمتعت بها طوال سنوات عديدة، وتحرم منها هذا العام.

تبضع العيد
بدأت السيدة "عواطف" حديثها قائلة " اعتدت كل عام قبل قدوم عيد الأضحى، البدء فى تجهيز الرقاق بشهر تقريبًا، كنت أمر على الجزار لشراء اللحمة المفرومة، ثم أمر على العطار لشراء الدقيق البلدي، ومن البقال اشتري السمن، ثم أعود إلى المنزل لأخزن مكونات الرقاق حتى قدوم العيد".
تستطرد "عواطف " فى حديثها " التحضيرات للرقاق لا تكون عشية العيد، بل تبدأ قبلها بــ٣ أيام، لكى تكون المكونات طازجة، هذا بالإضافة إلى أن صنع الرقاق يستغرق وقت ومجهود أكبر، فكنت أصنع الرقاق لي ولأولادي، وأصدقائي، وأقاربي".

خطة الأضحى
توضح عواطف تقسيم الـ3 ايام ، فتؤكد أن أول وثان يوم يخصصان لصنع صواني الرقاق باللحمة، أما الثالث فلصنع الرقاق السادة، ليتم تناوله مع الأكلات الدسمة التى تقدم فى العيد مثل الكوارع و"الدمعة".
تصف عواطف منزلها قبل قدوم عيد الأضحى، بخلية نحل نسائية، حيث تختلط فيها رائحة العجين بالحكايات والضحكات، حيث اعتادوا بناتي على مساعدتي وفرد العجين".

إرث أجيال
تشير عواطف فى حديثها "لم أعتاد على صنع الرقاق من أجل تناوله فقط، بل كنت أصمم على أن احافظ على هذه العادة مهما مرت السنين، وعلى روح التوارث تقول عواطف " أنا اتعلمت صنع الرقاق من والدتى الله يرحمها، كانت أحسن واحدة تعمل رقاق في المنطقة كلها، قبل العيد بأسبوع كانت كل سيدات الشارع كانوا يتجمعوا عندنا، ماما تفرد، وإحنا نرص، ونضحك ونغني، كان يوم عيد لوحده".
تستكمل عواطف حديثها قائلة "انا الحمد لله، خدت منها السر، وبقيت معروفة بخفة إيدي، وأهو بناتي كمان اتعلموا، ولما اتجوزوا، معرفوش يستغنوا عن رقاق العيد، فبقيت أعمل لهم كل سنة صينيتين على الأقل، حتى لو تعبانة".

الأحفاد
عواطف فى حديثها قائلة " الأحفاد كانوا بييجوا يشوفوني وانا بفرد العجين يندهشوا ويضحكوا، ويقولوا يا تيتة إحنا عايزين نتعلم، وكانوا يفرحوا أول ما تطلع الصينية من الفرن والريحة تملأ البيت، فيقوموا ياكلوا منه سخن كده من غير ما يستنوا يتقدم".

عيد سادة
استكملت عواطف حديثها قائلة " زمان كنت أعمل لكل بنت صينيتين، وأعمل رقاق سادة كمان، وكل ده ما يكلفش 100 جنيه، دلوقتي الصينية الواحدة تكلفتها حوالي 250 جنيه، اللحمة بقت نار، ونص كيلو اللحم المفروم بــ١٩٠جنيه، ده غير الدقيق والسمن، لذلك لجأت هذا العام لصنع الرقاق الساده بدون اللحم تجنبًا لقطع العادة، ماقدرش أتخيل عيد ييجي من غير ريحة الرقاق في البيت،لان الفرحة مش في الأكل الفرحة في لمّة العيلة حوالين الترابيزة".

عزومة ملغية
تختتم عواطف حديثها قائلة " لم يكن الرقاق وحده من تأثر بغلاء الأسعار، لكنه كان من أكثر الأشياء التي احزنتني، لاني اعتدت على تحضيره وتقديمه فى العيد ضمن أجواء العزومات التى كانت تجمعني بـ أبنائي وأحفادي، فهذا العام اضطرت لإلغاء العزومة التى كنت استعد لها كل عام.

ميزانية ضخمة
فحتى الادخار لها لم يعد مجديًا، حيث بات يتطلب ذلك ميزانية ضخمة لا يمكن توفيرها، واكتفيت هذا العام بإرسال كمية بسيطة من الرقاق واللحوم لأبنائي الخمسة، ففي السنوات الماضية " كنت ارسل لكل واحد من ابنائي الخمسة 5 كيلو من اللحوم بالإضافة إلى أكياس من الخضار المتنوعة، أما هذا العام سأكتفي بإرسال 2 كيلو فقط".