من الإعاقة إلى التدريب.. رحلة "محمد علي" مع رقعة الشطرنج 

أرشيفية_ محمد علي يستلم شهادة تقدير عقب إحدى بطولات الشطرنج

كتب/ت رنا محمد
2025-05-15 11:00:04

لقاء عابر غير مجرى حياته، بعد أن قيدت إصابته بشلل الأطفال سنوات طفولته، ومع التحاقه بكلية الآداب جامعة سوهاج يصادف "وائل"، صديقه الذي أصبح فيما بعد معلمه الأول، بعد أن قبل "محمد علي" دعوته في عام 2000، للانضمام لتجمعات ممارسة لعبة الشطرنج، والتي كانت تنظم بمبنى الشبان المسلمين بسوهاج، ويجتمع بها نخبة من أفضل لاعبي الشطرنج في الصعيد.

يقول الشاب الأربعيني، وبطل الشطرنج "محمد على"، مسترجعًا ذكرى اللقاء الأول: "كنت أقل منهم خبرة، ولكن اللعب معهم كان نقطة التحول الكبرى في حياتي".

انطلاقة البطل

يستطرد محمد في حديثه لأهل سوهاج، قائلًا: بعد مرور عامين على تعرفي على مجتمع الشطرنج، وحينما كنت أدرس بالفرقة الثالثة في كلية الاّداب، شاركت فى أول بطولة، وكانت تحمل اسم "الأشول "، وكان الفوز فيها بمثابة شهادة ميلاد حقيقية بالنسبة لي كلاعب شطرنج، فبعد تلك البطولة، تغيّر كل شيء، وأصبحت أنظر إلى نفسي بطريقة مختلفة، والناس أيضًا بدأوا يرونني كلاعب حقيقي".

"الأشول" كما يفسر محمد، هي أول بطولة تقام فى محافظة سوهاج للشطرنج، وظلت منذ  تنظيمها في عام 2004، من البطولات البارزة التي جرت في هذه الفترة، وكان ناصر فؤاد،  الصحفي ببوابة سوهاج الألكترونية حينها، مسؤولًاعن تنظيم البطولة في تلك الفترة، حيث كان مسئولًاعن تنظيم المسابقات للاعبي الشطرنج، وذلك لحبه للعبة الشطرنج وملاحظته أن اللعبة مهملة ولا تحظي باهتمام من المسئولين مستغلاً علاقاته كصحفي، حيث كان يقوم بتجميع المصروفات الخاصة بالمسابقة من تبرعات يقدمها مسئولين بالمحافظة، حتى يستطيع تنظيم هذه المسابقات.

 فبطولة الأشول، رغم أنها نظمت على نطاق المحافظة لمرة واحدة فقط ، إلا أنها تُعتبر من أهم الفعاليات التي نفذت في ذلك التوقيت، وفزت فى هذه البطولة بجائزة تكريمية وشهادة تقدير، بالإضافة إلى كأس ومكافأة مادية كانت بسيطة نسبياً.

بطولات وتحديات  

يستكمل "علي" حديثه قائلا: "بعد تخرجي، بدأت التنافس في البطولات المحلية، وكانت رحلاتي بين أسوان وسوهاج والقاهرة، ففي بعض الأحيان، كنت أجد نفسي بلا مأوى، لكننى كنت دائمًا أجد القوة والإصرار للاستمرار في ملاحقة حلمى،" فلم يكن المال هو المحرك الأساسي، بل كان حب اللعبة هو ما دفعني للاستمرار".

توالت إنجازات محمد في مختلف البطولات المحلية والتي تنظم بشكل دوري، فحقق المركز الأول مرتين في "بطولة الساحة" التي نظمت بمركز شباب مدينة سوهاج، وكذلك في "بطولة الشبان" التي أُقيمت مرات عدة في المحافظة، كما حصل على المركز الأول فى بطولة  "الباخرة" والتي سُميت نسبة إلى موقع إقامتها، وحصد المركز الأول في تصفيات "بطولة الجمهورية" لقطاع الصعيد، إلى جانب ذلك شارك في "بطولة الزهور" التي نُظّمت محليًا في سوهاج مرة وأخرى على مستوى الجمهورية حيث حقق المركز الثاني فيها، كما حصل على عددًا من الجوائز العينية كشهادات التقدير والدروع  بالإضافة إلى حصوله على عدد من الجوائز المالية.

مواجهة أسطورة 

من أبرز محطات مسيرته كانت مباراته مع بطل الجمهورية، علي فرحات، فيقول محمد أتذكر "حين لعبت مع علي فرحات عام 2004 فى بطولة الأشول، لم أكن أعرف من هو وقتها، ربما كانت تلك المفاجأة لصالح تركيزي"، وانتهت المباراة بالتعادل، وكانت تلك هي النقطة الوحيدة التي خسرها فرحات في البطولة، مما جعلني أحظى باهتمام الجميع، " فكانت تلك المباراة بمثابة شهادة لي بأنني قادر على اللعب مع أفضل اللاعبين".

نقل خبرات

بعد سنوات من المعارك على رقعة الشطرنج، قرر محمد أن ينقل خبراته إلى الجيل الجديد، حيث أسس، في 2019، أكاديمية لتعليم الشطرنج في سوهاج، كما أصبح المدرب الرسمي لفريق جامعة سوهاج، يكون المسئول عن تنظيم البطولات والإشراف على تدريب الطلاب.

 "التدريب مسؤولية كبيرة، ولكنه فرصة رائعة لنقل كل ما تعلمته للآخرين"، هكذا علق "علي" على انتقاله إلى مقعد المدرب، ليستكمل حديثه قائلًا :" في عام 2019 بدأت تدريب الطلاب على رياضة الشطرنج، وكان من بينهم طلاب حققوا مراكز متقدمة في مختلف البطولات، ومنهم الطفل "مينا مايكل" الذي حصل على المركز السابع في بطولة الناشئين تحت 12 عامًا على مستوى الجمهورية، وكذلك حصل على مراكز متقدمة في بطولة أسيوط الدولية.

ومن الطلاب الذين دربهم "علي"، حصل  الطالب كيرلس سمير على المركز الأول على الجامعة لمدة 3 سنوات، ودرب الطالبة هميس كمال ٤ سنوات متواصلة وحصلت على المركز الأول فى 3 بطولات متواصلة، كما درب علاء سيف أحد موظفي الجامعة وشارك في بطولة الموظفين على مستوى الجامعات وحصل على المركز الأول.

انتصار مختلف

في السنوات الأخيرة، شارك محمد في بطولات الجمهورية لذوي الهمم، التي كانت تُنظم لأول مرة، وعلى الرغم من التحديات، نجح في الفوز بالنسختين الأوليتين، متفوقًا على لاعبين بارزين مثل محمد لبيب، ويقول محمد بفخر "الفوز في هذه البطولات كان بمثابة انتصار على نفسي، لأنه أكد لي أن العمر والخبرة لا يمنعا من المنافسة".

مسيرة حافلة

يقول محمد لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، فارتفاع تكاليف المشاركة في البطولات كان أحد أكبر التحديات التي واجهتها خاصة بعد توقف دعم الاتحاد المصري للاعبي المحافظات، حيث كان في السابق يقدم الاتحاد دعمًا ماليًا يغطي هذه التكاليف، وعلى حسب ذاكرتي فلم يصرف الاتحاد هذا الدعم سوى مرتين أو ثلاث مرات فقط.

يستطرد محمد في حديثه قائلًا "تكاليف المشاركة في البطولات تتضمن نفقات الإقامة، ووسائل الانتقال من وإلى المحافظة التي تقام فيها المسابقة، بالإضافة إلى مصاريف الطعام والشراب والتنقلات الداخلية داخل المحافظة، فكانت التكاليف لا تقل عن 3000 الف جنيهًا، لذلك أصبحت أختار البطولات التي أكون متأكدًا من قدرتي على الفوز فيها، فالسفر كان مرهقًا وتكاليفه كانت في كثير من الأحيان تفوق قدراتي".

رحلة كفاح

لم يكن الحلم بالبطولات والتفوق الرياضي مجرد هدف، بل كان تحديًا أكبر، فيقول محمد "أنا أبٌ لثلاثة أطفال أواجه صعوبات الحياة مع إصابتي بشلل الأطفال، ورغم العقبات لم أتردد في السعي لتحقيق حلمي".

يستطرد محمد في حديثه قائًلا "كنت أحيانًا أسافر دون ضمانات أو تأكيدات، ولكن كان لديّ هدف واحد: أن أحقق حلمي، فإلى جانب شغفي الرياضي، أعمل أخصائيًا اجتماعيًا في إحدى المدارس الحكومية، حيث أبدا يومي بين أروقة الفصول الدراسية، مقدمًا الدعم والإرشاد للطلاب ومع انتهاء الدوام المدرسي، أواصل مسيرتي نحو شغفي الحقيقي.

"متعتي الكبري، أجدها في تدريب الأجيال الجديدة من لاعبي الشطرنج في الجامعة"، هكذا اسكمل "علي" حديثه، ليعلق قائلا : "أري المواهب الشابة وأعمل بكل إخلاص على مساعدتهم في تطوير مهاراتهم وتحقيق أفضل المستويات".

وبعد انتهاء ساعات التدريب، يعود "علي" إلى بيته وأسرته، وعن دعم أسرته يعلق قائلًا: "أجد الراحة والدفء والدعم الذي يمنحني القوة للاستمرار مع وصولي للمنزل، ومن بين أطفالي الثلاثة، يحمل طفلي  الأصغر شغفًا خاصًا بالشطرنج، حيث أجده يتابع اللعبة بحماس واهتمام، وربما يكون امتدادًا لحلمي، ربما مستقبله في عالم الرياضة الفكرية، مما يدفعني لمراقبته بكل شغف وهو يمسك قطع الشطرنج، وكأنني أرى حلمًا ينبض بين يدي".

أبطال الصعيد

على مدار أكثر من عقدين، سعى محمد علي، وفقًا لحديثه، لأن يكون أكثر من مجرد بطل شطرنج،،فيقول مختتما حديثه: "أريد أن أرى المزيد من الأبطال يخرجون من الصعيد، وهذا الحلم سأعمل على تحقيقه من خلال تدريب الجيل القادم" .