هدم متحف نبيل درويش بين تشتت المسئولين وغضب الفنانين

المصدر: صفحة متحف نبيل درويش على الفيسبوك

كتب/ت مريم أشرف
2024-04-28 10:00:04

إلى الآن يظل موقف متحف نبيل درويش عالقًا، بعدما تأجلت جلسة مجلس الشيوخ التي كان من المفترض أن تناقش قرار الهدم الأسبوع الماضي، ولم يُحدد موعد جديد لها حتى الآن، كما لا توجد خطة لنقل مقتنيات المتحف بسبب صعوبة النقل وإيجاد طريقة للحفاظ على الأعمال، بحسب ما ذكرت سارة درويش ابنة الفنان لـ"صوت السلام". 

وكانت قد تلقت أسرة الفنان التشكيلي الراحل نبيل درويش إخطارًا، يوم 15 إبريل الماضي، بضرورة إخلاء  متحف الفنان الراحل ومنزله في غضون أسبوعين، للبدء في تنفيذ قرار هدم متحفه الواقع على طريق سقارة السياحي بالجيزة، وذلك ضمن أعمال توسعة دائري المريوطية، فضلًا عن إنذار آخر مُوجّه من مركز مدينة أبو النمرس التابعة لمحافظة الجيزة، في يناير الماضي، جاء فيه الأمر ذاته. 

نبيل درويش (1936 -2002) هو فنان تشكيلي درس في كلية الفنون التطبيقية، وتخرج فيها عام 1962، وهو صاحب أول رسالة علمية للدكتوراه عن صنع المصريين القدماء لفوهات سوداء للأواني الخزفية. عمل درويش أستاذ جامعي في قسم الخزف، وتدرج وظيفيًا حتى أصبح رئيس القسم. دفعه حب الخزف إلى إنشاء متحف لأعماله الفنية في الفن التشكيلي، وذلك في عام 1983 في منطقة الحرانية، ويقع على مساحة ألف متر، ويحتوي على نحو 4000 قطعة فنية. 

وتعتبر المنطقة التي يتواجد فيها المتحف فنية بالكامل، بجانبه يقع مركز رمسيس ويصا واصف للسجاد اليدوي، ومتحف آدم حنين نحات وفنان تشكيلي، ومتحف زكريا الخناني نحات وفنان تشكيلي على الزجاج.

"المتحف مهدد منذ عامين"

لم تبدأ الأزمة خلال تلك الشهور فقط، بل كانت البداية في أكتوبر 2022، عبر وضع علامة الإزالة على يد هيئة المساحة، وقالت سارة في حديثها لـ"صوت السلام" إن نقابة الفنانين التشكيليين في ذلك الوقت قدمت طلب إغاثة لرئاسة الوزراء بعدم الهدم والحفاظ على أعمال رائد فن الخزف في مصر، وتلقت سارة وعدًا بعدم هدم المتحف بعدما تواصلت مع وزيرة الثقافة، نيفين الكيلاني، ووزير النقل، كامل الوزير "وأزيلت فقط المباني المحيطة بالمتحف والسور الموازي لمنزل العائلة والمتحف". 

بعدها توقفت أعمال الهدم لمدة عام، ثم استأنفت في أبريل الجاري، وقامت سارة على الفور بالتواصل مع وزيرة الثقافة، وجاء الردّ "ده مشروع قومي، أنا مش هقدر أعمل حاجة". 

وخلال محاولات الإزالة في العام الماضي، تداولت أخبار عن محاولة الأسرة نقل القطع واللوحات لخارج مصر، وتوضح سارة بقولها "كانت مجرد اقتراحات من بعض المؤسسات الفنية خارج مصر، بهدف إيجاد مكان أفضل لهذه الأعمال، لكن الأسرة رفضت بسبب وصية الفنان أن تظل الأعمال في مصر وفي الحرانية بالتحديد التي كانت بمثابة بيئة ملهمة للفنان". 

وكانت قد أرسلت أكاديمية الدولية للخزف في سويسرا واليونسكو جواب لوزارة النقل، في 6 أبريل 2024، لوقف أعمال الهدم، لكن صرحت ابنة الفنان الراحل "طول الأسبوع الوزارة مردتش على الجواب".

 

شروط الوزارة ولا حديث عن تعويضات

أسس درويش المتحف بجانب منزله، ويعتبر المتحف هو ملكية خاصة، وصرحت سارة في سبتمبر الماضي لأحد المواقع الصحفية أن نقل المتحف للملكية وزارة الثقافة يشترط التنازل بشكل كامل عن القطع واللوحات، وهو أمر مرفوض بالنسبة للأسرة بسبب متابعتهم لما حدث لأعمال الفنانين التي انتقلت ملكيتها للوزارة، إذ أنها تعرضت للإهمال وسرقة.

الشرط الآخر لوزارة الثقافة هو إهداء الأعمال للوزارة، دون توضيح مصير هذه الأعمال مكانيًا، فالأسرة تشترط توفير متحف خاص للأعمال ومكان مناسب، لكن الوزارة قد تضع الأعمال في متحف عام لأعمال فنية مشابهة، وذلك عكس وصية الفنان الراحل، وتضيف سارة "المتحف من أهم المزارات السياحية في طريق سقارة، وله زوار كتير منهم طلاب الكليات الفنية والفنانين". 

لم تطرح الوزارة أمر تعويضات على الأسرة منذ بداية الأزمة، لكن عندما حاولت سارة التحدث بخصوص التعويضات كان الرد من أحد المسؤولين من هيئة الطرق والكباري أن الغرفة تقدر بقيمة 40 ألف جنيه تعويض، وبشكل عام ترفض الأسرة التعويضات "ده متحف مش منزل! احنا مش مشكلتنا الفلوس، احنا عاوزين نحافظ على المكان"، بحسب ما تقول سارة. 

المسئولون والأسرة في تشتت

وكان قد صرح حسام الدين مصطفي، رئيس هيئة الطرق والكباري، لإحدى الصحف المصرية، يوم الثلاثاء الموافق 16 أبريل، أنه سيتم مراجعة الموقف هندسيًا حتى يضع حلًا، وفي سؤال سارة عن ذلك قالت إنه في صباح الأربعاء فوجئت بتواجد مهندس من الهيئة في محيط المنزل والمتحف يقوم بالمعاينة، وقال لها إنه سيتم هدم المتحف ولا سبيل لمراجعة الموقف هندسيًا، مما أشعر سارة بالتشتت تجاه ردود المسئولين.

وقدّمت مها عبد الناصر، عضو مجلس الشيوخ، طلب إحاطة لرئيس مجلس الوزراء ووزير النقل، ووزيرة الثقافة، بوقف قرار هدم المتحف، ذلك يوم الخميس الموافق 18 أبريل، وأعربت على حسابها الرسمي على "الفيسبوك": "أطالب الحكومة بسرعة وقف قرار هدم متحف الفنان نبيل درويش فورًا، وإخراجه من قائمة الإزالات، والتنسيق مع الشركة المنفذة لأعمال التوسعة بإعادة الدراسات الهندسية وإيجاد موقع بديل لأعمال المشروع بعيدًا عن أرض المتحف ومنزل الفنان الراحل وأسرته".

القيمة الفنية العالمية لدرويش

يحتوي المتحف على 4000 قطعة فنية بين الخزف واللوحات التشكيلية، ومن أبرز هذه القطع قطع العرائس الخزفية و"شباك القلة"، إلى جانب استخدام الفنان لتقنيات فنية جديدة، وإضافات إلى فن الخزف مثل "الرسم بالطلاءات الملونة على الطلاء الأسود في درجات حرارة عالية"، وهذه التقنيات تميز المتحف ودرويش بشكل خاص.

وتعود القيمة الفنية لمتحف درويش إلى قيمة درويش نفسه عالميًا، كما صرح الفنان محمد عبلة لـ"صوت السلام"، فعلى حد تعبيره أنه من الفنانين القليلين عالميًا في فن الخزف، إلى جانب كونه من أهم الرواد التجربيبن في هذا الفن، من ناحية الخامات ودرجات الحرارة  التى كان يستخدمها، ويضيف عبلة "كل قطعة لدرويش تُدرس بشكل فردي بسبب التقنيات المستخدمة فيها، لذلك هو متحف مهم لطلاب وفناني الخزف".

وحتى الآن تُعد بعض  التقنيات المستخدمة أسرارًا للخزافين حتى الآن، وربما قد تُكشف بعد سنوات، على حد قول عبلة، الذي أضاف "لذلك يجب ترك المتحف ليستمر أثره، فهو متحف وحيد لهذا الفن في مصر ووسط متاحف قليلة في العالم". 

أما عن سبب قرار الإزالة بتلك الطريقة المُتعسفة، فيرى عبلة أن السبب هو "رسم الخطط والطرق بشكل جاف، دون العودة إلى الجانب الإنساني والتراثي الخاص بكل منطقة، ودون النظر للتاريخ أنه عبارة عن متاحف ومدافن، في النهاية الكوبري محدش هيفتكره، لكن إرث زي المتاحف والمدافن ده اللي بيصنع التاريخ والناس بتفتكره".

تكمن جزء من أزمة متحف نبيل درويش كونه ملكية خاصة للأسرة، ويوضح عبلة أن متاحف الملكية الخاصة ليست جديدة، فأغلب المتاحف المهمة في العالم ملكية خاصة، لكن في مصر بالتحديد "هو أمر غير مألوف، ولابد المناقشة فيه، فقرار هدم المتحف يهدد أغلب الفنانين الشباب أو الأكبر سنًا الباحثين عن سبيل لتخليد أعمالهم في متاحف الملكية الخاصة". 

قرار الإزالة أثار جدلًا على مواقع التواصل، وغضب الفنانين والمهتمين بالمجال الفني، فكتب محسن أحمد، مدير تصوير سينمائي شهير، على حسابه على "الفيسبوك: "أتمنى سرعة فض الاشتباك بين التطوير والحداثة والحفاظ على التراث"ـ 

وصرح الفنان التشكيلي، سيد هوايدي على "الفيسبوك"، قائلًا: "المتحف أصبح مهدد بالإزالة بسبب توسيع منزل كوبري، الذي يعد أهم متحف خزف، وصاحبه له 17 اكتشاف علمي يخص فن الخزف وتقنياته، وعبر "فيسبوك" كتبت ندى زين الدين، باحثة في مجال ترميم الآثار، " هل يعقل نقول لهذا التراث مع السلامة!.

وحتى الآن وبحسب متابعة الموقف مع الأسرة، لا يوجد تطورات أو زيارة من الحي ومسئولي الطرق للمتحف والمنزل، خلال الأسبوع الجاري، لكن بشكل استثنائي قررت الأسرة فتح أبواب المتحف يوميًا، من الساعة 10 صباحًا حتى 3 مساءً مجانًا، على عكس ما كان قبل القرار أنه يغلق يومي الجمعة والسبت، وأشارت سارة بحزن شديد إلى أن ذلك بسبب إزالته القريبة.

تصوير: من المصدر - الأوراق الخاصة بإزالة متحف نبيل درويش وجانب من مقتنيات المتحف