تقف شادية عاطف، 37 عامًا، من سكان حي دار السلام بالقاهرة، أمام شباك مكتب صحة دار السلام الوحيد بالمنطقة، تسأل عن توافر حقن منع الحمل الهرمونية الشهرية، تخبرها إحدى الممرضات بأن الحقنة ستتوافر خلال أسبوع، وتقترح عليها استخدام أقراص منع الحمل مؤقتًا إلى حين وصولها.
تسمع شادية الإجابة نفسها منذ ثلاثة أشهر، منذ أن وضعت ابنتها، إذ لم تتوافر الحقنة في الوحدة الصحية طوال هذه الفترة، بينما تتوافر أقراص منع الحمل وأحيانًا اللولب الرحمي، لكن شادية لا تستطيع استخدام بدائل الحقنة، بسبب معاناتها من ارتفاع مزمن في ضغط الدم.

خطر صحي على النساء
ولا تجد شادية أمامها سوى الصيدليات الخاصة، لكنها لا تستطيع الحصول على الحقنة منها دون روشتة مختومة من طبيب تتطلب زيارة إلى عيادة خاصة، تبدأ تكلفتها من 300 جنيه، بخلاف سعر الحقنة نفسها، وهو ما وضعها، بحسب وصفها، في "مأزق لا ينتهي".
ولا تقتصر المشكلة على شادية، إذ تواجه نساء أخريات في دار السلام صعوبة مماثلة في الحصول على وسائل تنظيم الأسرة من الوحدة الصحية الرئيسية بالحي، بسبب النقص أو النفاد، لذا تضطر النساء إلى الانتظار لأسابيع أو أشهر حتى تتوافر، بينما تحول تكلفة الكشف في العيادات الخاصة أو الصيدليات دون حصول النساء على تلك الوسائل.
وتتعارض هذه المعاناة مع الدور الذي تعلن عنه وزارة الصحة والسكان لقطاع تنظيم الأسرة: "المصدر الحكومي الأول لتقديم خدمات ووسائل منع الحمل، في عيادات تنظيم الأسرة".

بينما اضطرت رؤى هاشم، 35 عامًا، من سكان حي دار السلام، إلى استدانة 1000 جنيه حتى تتمكن من تركيب لولب فضي في عيادة خاصة بسعر 700 جنيه، بعد أن انتظرت خمسة أشهر منذ ولادة طفلها دون توافر اللولب في مكتب صحة دار السلام.
"لو استنيت أكتر من 5 شهور، كنت ممكن أحمل وابني لسه صغير، ومقدرش ماديًا أجيب طفل تاني، كان الأسهل عليا أستلف المبلغ، لأن زوجي صنايعي ومقدرش يوفر المبلغ"، تقول رؤى، موضحةً أنها خلال فترة الانتظار كانت تتردد على الوحدة الصحية أسبوعيًا للسؤال عن توافر اللولب، لكنها كانت تجد أقراص منع الحمل هي الوسيلة المتاحة، رغم أنها لا تناسب حالتها الصحية بسبب مشكلات هرمونية تعاني منها.
وتتباين تكلفة الحصول على وسائل منع الحمل بين الوحدات الصحية والقطاع الخاص، وبحسب بيانات وزارة الصحة يبلغ سعر حبوب منع الحمل المركبة 65 قرشًا، وجنيهًا واحدًا للحبوب أحادية الهرمون، وجنيهًا لحقن منع الحمل الشهرية الأحادية والمركبة، و5 جنيهات للكبسولة تحت الجلد التي يستمر مفعولها خمس سنوات، وجنيهين للولب النحاسي، و10 قروش للواقي الذكري.
وتوضح ياسمين عبد العظيم، أخصائية النساء والتوليد، أن نقص وسائل منع الحمل يحد من قدرة النساء على اختيار الوسيلة الأنسب لحالتهن الصحية، مشيرة إلى أن بعض الوحدات تركز بصورة أكبر على خدمات أخرى، مثل تطعيمات الأطفال.

وتقول ياسمين لـ"صوت السلام" إن اختيار وسيلة منع الحمل هو اختيار فردي خاص بكل سيدة، ولذلك فإن توفير نوع واحد من الوسائل دون غيره قد يضر بصحة بعض النساء، موضحة أن بعض السيدات قد يواجهن مشكلات مع اللولب، بينما قد تسبب الأقراص آثارًا جانبية أو اضطرابات هرمونية.
ويتفق ذلك مع توصيات منظمة الصحة العالمية بشأن تنظيم الأسرة ووسائل منع الحمل، التي تؤكد أن اختيار الوسيلة المناسبة يجب أن يستند إلى الحالة الصحية لكل سيدة. بينما تقول الدكتورة ياسمين: "رعاية النساء صحيًا شيء غير مطروح في أغلب الوحدات الصحية، وصعب اللجوء للقطاع الخاص على النساء من الأسر محدودة الدخل".
وتشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى أن 95% من النساء المتزوجات في مصر يستخدمن وسائل تنظيم الأسرة، وتأتي وسائل مثل اللولب والحبوب والحقن ضمن أكثر الوسائل استخدامًا، بينما تبلغ نسبة النساء اللاتي لا يستخدمن وسائل منع الحمل 41%، وفق البيانات المنشورة على موقع الصندوق.
الحق في وسيلة منع حمل
خاضت وسام عماد، 30 عامًا، من سكان حي دار السلام، رحلة استمرت أكثر من أسبوعين للحصول على حقنة منع الحمل المركبة الشهرية، بدأت بوحدة منطقة الزهراء ثم مصر القديمة قبل أن تجدها أخيرًا في وحدة صحة الخليفة.
اضطرت وسام إلى تكرار الرحلة إلى حي الخليفة كل شهر، في مسافة تستغرق نحو ساعة باستخدام وسيلتي مواصلات، لكنها تفضل ذلك على شراء الحقنة من صيدلية خاصة.
-تضم القاهرة 189 وحدة صحية من أصل 1173 وحدة على مستوى الجمهورية، وفي هذه الوحدات بالقاهرة، لا يوجد طبيب استشاري، مقابل 14 أخصائيًا ومساعد أخصائي، و46 طبيبًا مقيمًا للتخصص.
ويأتي ذلك رغم إطلاق مصر البرنامج القومي لتنظيم الأسرة في مارس 2020، بهدف رفع وعي الأسر المستهدفة وتطوير عيادات تنظيم الأسرة، بتكلفة بلغت 1.2 مليار جنيه.
ويرى محمود فؤاد، مدير جمعية "الحق في الدواء"، أن تنوع وسائل منع الحمل يفرض ضرورة توافرها جميعًا في المصدر الحكومي الرئيسي، ممثلًا في الوحدات الصحية، حتى تتمكن كل سيدة من الحصول على الوسيلة التي تتناسب مع حالتها الصحية واحتياجاتها.
ويقول فؤاد إن جانبًا من الأزمة يرجع إلى عدم كفاية الإنفاق على برامج الصحة الإنجابية، ما يؤدي أحيانًا إلى عدم توافر بعض الوسائل داخل الوحدات الصحية، بينما تتوافر وسائل أخرى، مثل أقراص منع الحمل، باعتبارها الأقل تكلفة.
وتوضح نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2022، أن 62.5% من النساء يعتمدن على القطاع الحكومي، ممثلًا في الوحدات الصحية، للحصول على وسائل منع الحمل، مقابل 37% يعتمدن على القطاع الخاص، كما يشير المسح إلى أن 20% من المواليد خلال السنوات الخمس السابقة للمسح كانوا نتيجة حمل غير مرغوب فيه.
وبحسب المسح نفسه، تستخدم 54% من النساء أقراص منع الحمل، بينما تعتمد 62.8% منهن على أجهزة اللولب بمختلف أنواعها، في حين تبلغ نسبة النساء اللاتي لديهن حاجة غير ملباة لوسائل منع الحمل 14%.
أرقام لا تعكس الواقع
ويشير إلى أن أسعار وسائل منع الحمل في القطاع الخاص ارتفعت، بحسب تقديره، بنحو 100% خلال السنوات الخمس الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الأدوية، وينصح السيدات اللاتي يواجهن صعوبة في الحصول على الوسائل بالتواصل مع المجلس القومي للطفولة والأمومة.
ولا تقتصر المخاوف المتعلقة بتوافر الوسائل على تكلفة الحصول عليها، إذ رصدت مؤسسة قضايا المرأة المصرية "سيولا"، في ورقة لها استمرار وجود احتياجات غير ملباة لوسائل منع الحمل بين النساء، رغم ارتفاع معدل استخدامها بنسبة 47% بين عامي 1994 و2024.
وحذرت الورقة من أن عدم تلبية هذه الاحتياجات قد يعرض بعض النساء لخطر اللجوء إلى الإجهاض غير الآمن وما يرتبط به من مضاعفات صحية.
وأوصت الورقة بتلبية احتياجات النساء من وسائل منع الحمل من خلال التوعية المجتمعية والعيادات المتنقلة، وتدريب مقدمي الخدمة على تقديم استشارات تراعي احتياجات النساء.
في المقابل، تقدم الأرقام المعلنة من وزارة الصحة والسكان صورة مختلفة عن مستوى توافر خدمات تنظيم الأسرة؛ إذ أعلنت الوزارة صرف 14,228,298 وسيلة منع حمل مجانية بمختلف أنواعها خلال عام 2022، إلى جانب تقديم خدمات الصحة الإنجابية ووسائل تنظيم الأسرة لـ545,615 سيدة من خلال العيادات المتنقلة وقوافل الصحة الإنجابية.
وللتحقق من واقع توافر الوسائل داخل الوحدة الصحية بحي دار السلام، أجرت معدة التقرير تجربة ميدانية، وأفادت الممرضة المسؤولة عن صرف الأدوية بأن الوحدة لا يتوافر بها سوى أقراص منع الحمل.
وحاولت معدة التقرير مقابلة مدير الوحدة، الدكتور أحمد خالد، للاستفسار عن أسباب نقص وسائل منع الحمل، لكنه رفض إجراء المقابلة.
كما تواصلت "صوت السلام" مع الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"، للاستفسار عن توافر وسائل منع الحمل في وحدة صحة دار السلام بالقاهرة، لكنها لم تتلقَّ ردًا حتى توقيت النشر.
في المقابل، نفى حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان، وجود نقص في وسائل منع الحمل بوحدة دار السلام، مؤكدًا أن الوحدات الصحية على مستوى الجمهورية لديها مخزون يكفي متوسط استهلاك شهرين.
وعند مواجهته بشهادات السيدات اللاتي تحدثن عن عدم توافر بعض الوسائل، قال إن وحدات جنوب القاهرة، التي تضم وحدة دار السلام، صرفت 1800 وسيلة خلال الفترة من 26 يوليو حتى منتصف أغسطس.
وبينما تؤكد الوزارة وجود مخزون من وسائل منع الحمل في الوحدات الصحية، تكشف شهادات شادية ورؤى ووسام عن واقع مختلف داخل حي دار السلام؛ حيث تتحول رحلة حصولهن على الوسيلة إلى سلسلة من الانتظار والتنقل والإنفاق.
جميع أسماء النساء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهن وحفاظًا على هويتهن