لم تجد هدى محمود، ربة منزل تقيم في حي دار السلام بالقاهرة، وسيلة لتوفير وجبة تحتوي على اللحم لأسرتها سوى شرائها بالتقسيط، فلكي تشتري كيلو زبدة وكيلو لحم بقيمة 600 جنيه، اتفقت مع أحد البائعين على سداد المبلغ على دفعات، في مشهد بات يتكرر مع عشرات الأسر داخل الحي.
وفي دفتر يحتفظ به البائع، كُتب اسم هدى إلى جانب أسماء أخرى لزبائن يشترون احتياجاتهم الغذائية بالتقسيط، مع تسجيل السلع التي حصلوا عليها والأقساط المتبقية عليهم. وتراكم على هدى دين يبلغ نحو 2400 جنيه.

الحصول على وجبة
تقول: "بعمل كده من سنتين، زمان كنت بشتري احتياجات البيت كلها مرة واحدة كل شهر، والثلاجة مش بتفضى من اللحمة والأكل، لكن دلوقتي بقيت أمشي اليوم بيومه".
من أجل توفير وجبة متكاملة مرة واحدة أسبوعيًا، تعتمد هدى وأسرتها خلال بقية أيام الأسبوع على أطعمة أقل تكلفة، مثل العدس والكشري والفول.
تعكس تجربة هدى واقعًا يعيشه سكان في دار السلام، حيث لجأت أسر إلى تقسيط السلع الغذائية الأساسية بعد أن أصبح توفير الغذاء الشهري عبئًا يفوق قدراتها. ومع موجات الغلاء المتلاحقة لم يعد التقسيط مقتصرًا على شراء السلع المعمرة، بل تحول إلى وسيلة اضطرارية للحصول على الطعام نفسه، من الزيت والسكر إلى اللحوم والدواجن.
- ينص الدستور المصري، على حق كل مواطن في غذاء صحي وكافٍ، ويلزم الدولة بتأمين الموارد الغذائية للمواطنين بشكل مستدام.
تحدثنا مع خمسة من أصحاب محال البقالة وتجار السلع الغذائية في الحي، لمعرفة ما إذا كان التقسيط يقتصر على السلع مرتفعة الثمن، مثل اللحوم والدواجن، إلا أن جميعهم أكدوا اتساع القائمة لتشمل سلعًا غذائية أساسية كانت تُشترى يوميًا دون حاجة إلى التقسيط، مثل الأرز والفاصوليا والزيت والسكر والشاي.

يقول عيسى الهلال، صاحب محل بقالة وتاجر سلع غذائية بالحي، إن تقسيط الطعام بدأ يظهر بشكل ملحوظ منذ نحو عامين، وكان مقتصرًا على عدد محدد من الزبائن، إلا أن الأمر تطور تدريجيًا، حتى أصبح أكثر من نصف زبائنه الدائمين يشترون احتياجاتهم الغذائية بالتقسيط، مع استمرار ارتفاع الأسعار.
تزامن انتشار تقسيط الطعام مع موجات تضخم متلاحقة خلال السنوات الأخيرة. وفق بيانات البنك الدولي، بلغ معدل تضخم أسعار الغذاء 33% خلال عام 2023، و28.3% في عام 2024، قبل أن يتراجع إلى 12.51% في عام 2025، ثم إلى 5.2% خلال عام 2026.
التمويل الاستهلاكي
ويرى أحمد أبو علي، المحلل الاقتصادي، أن ظاهرة تقسيط الطعام تعد إحدى نتائج التضخم وارتفاع الأسعار، لكنها قد ترتبط أيضًا بحالة الركود التي تؤثر على حركة البيع والشراء. ويوضح لـ"صوت السلام" أن بعض التجار يلجأون إلى البيع بالتقسيط للحفاظ على الزبائن ودوران رأس المال.
ولم يقتصر الأمر على المحال الصغيرة، إذ امتد مفهوم التقسيط إلى أدوات أكثر تنظيمًا عبر شركات التمويل الاستهلاكي، التي أتاحت منذ دخولها السوق المصري عام 2020 إمكانية شراء السلع الغذائية ومنتجات السوبر ماركت عبر بطاقات تمويلية، على أن يتم السداد بالتقسيط من خلال البنوك أو شركات التمويل.
وبلغت قيمة التمويلات الممنوحة من هذه الشركات للأسر والأفراد 1.4 تريليون جنيه في عام 2025، بما يعادل 54% من إجمالي التمويلات الموجهة للأسر في القطاع المالي المصري.
وهنا يلفت المحلل الاقتصادي أحمد أبو علي لـ"صوت السلام" إلى خطورة الاعتماد على شركات التمويل الاستهلاكي في شراء السلع الغذائية، مرجعًا ذلك إلى كونها التزامات مالية وقانونية متراكمة على المستهلكين قد لا يقدر عليها البعض.
وتعكس هذه الأرقام توسعًا سريعًا في نشاط شركات التمويل الاستهلاكي خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث عدد الشركات أو حجم العملاء والتمويلات. حيث رخصت الهيئة العامة للرقابة المالية 34 شركة تمويل استهلاكي في عام 2023، بقيمة تمويلات بلغت 74.9 مليار جنيه، ثم ارتفع العدد إلى 48 شركة في عام 2024 مع استفادة 10.8 مليون عميل بتمويلات وصلت إلى 61.3 مليار جنيه، قبل أن يتجاوز عدد الشركات 253 شركة في عام 2025.
- شركات التمويل الاستهلاكي هي شركات تمارس آليات التقسيط عبر تقديم تمويلات ببطاقات مدفوعات تجارية أو وسائل دفع معتمدة بالتعاقد مع شبكة من بائعي ومقدمي السلع والخدمات.
ويوضح عيسى أن اللحوم والمجمدات والزيت والسمن والزبدة تأتي على رأس السلع الأكثر شراءً بنظام التقسيط، بسبب الارتفاعات المتتالية في أسعارها، مضيفًا أن بعض الأسر لم تعد قادرة على سداد تكلفة هذه المنتجات دفعة واحدة.

خلال الفترة بين عامي 2024 و2025، شهدت أسعار عدد من السلع الغذائية الأساسية زيادات ملحوظة، إذ ارتفع سعر كيلو اللحوم من نحو 240 جنيهًا إلى 400 جنيه، بينما زاد سعر السمنة أو الزبدة من 270 جنيهًا إلى 400 جنيه تقريبًا، كما ارتفع سعر زجاجة الزيت سعة لتر من نحو 60 جنيهًا إلى 130 جنيهًا.
ويشرح عيسى أن عملية تسجيل الزبائن وديونهم لها أكثر من طريقة: "أحيانًا بيكونوا معرفة شخصية، وفيه ناس بأخد منها العنوان ورقم الهاتف وممكن صورة البطاقة، وعندي دفتر شُكك بسجل فيه كل البيانات".
يضيف: "في الغالب الناس مش بتمتنع عن الدفع، أغلبهم بيكون عاوز يشتري أكل لعياله لكن مش معاه فلوس كفاية. فيه زباين بيدفعوا 20 أو 50 جنيه كل يومين أو كل ما تتوفر معاهم فلوس، علشان يسددوا المبلغ تدريجيًا".
وسجلت معدلات التضخم ارتفاعات متتالية خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت 13.9% في عام 2023، ثم ارتفعت إلى 38% في عام 2024، قبل أن تتراجع إلى 25% خلال عام 2025، ثم إلى 14% في العام الجاري. كما سجل معدل التضخم في أبريل الماضي 13.4%.
وبحسب بيانات البنك المركزي المصري، بلغ الرقم العام لتغير أسعار المستهلكين (المعدل السنوي) 38% في عام 2023، ثم تراجع إلى 25% في عام 2024، وإلى 12% خلال عام 2025، قبل أن يرتفع مجددًا إلى 15% في العام الجاري.
من اللحمة إلى الزيت والسكر
حين لم يتبقَّ من راتب يونس السيد، موظف بإحدى الشركات الحكومية، سوى 700 جنيه فقط، رغم مرور عشرة أيام من أحد شهور العام الماضي، قرر شراء احتياجات أسرته من الأرز والسكر والسمن بالتقسيط.
يقول إنه لجأ إلى هذا الحل مدفوعًا بتراجع قدرة راتبه الشرائية أمام الارتفاع المستمر في أسعار السلع: "أتقاضي 8 آلاف جنيه وأنا مسؤول عن أسرة مكوّنة من 5 أفراد ونعيش في حي دار السلام إلا أن الراتب ينتهي يوم 10 لذلك اضطر إلى التقسيط".
وتعيش أسرة يونس بثلاجة تكاد تخلو من السلع الأساسية، ولا تمتلئ إلا عندما يحصل يونس على احتياجاته بالتقسيط، ومع مرور الوقت، وصلت قيمة الأقساط المتراكمة عليه إلى نحو 5 آلاف جنيه، وتستمر في الزيادة مع ارتفاع الأسعار وصعوبة السداد.
وتعكس معاناة يونس جانبًا من العبء الذي تمثله تكاليف الغذاء على الأسر المصرية، حيث تنفق في المتوسط 19.051 ألف جنيه سنويًا على الطعام والشراب، بما يمثل 37.1% من إجمالي إنفاقها، وهي النسبة الأعلى بين بنود الإنفاق المختلفة، مقارنة بالمسكن الذي يستحوذ على 20.1%، والرعاية الصحية 9.6%، والملابس 4.5%.
ويؤكد الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، أن معاناة يونس وغيره تعكس تحولًا في السلوك الاستهلاكي داخل المجتمع، خاصة لدى الطبقات محدودة الدخل، وتغيرًا في ثقافة التعامل مع الغذاء، مشيرًا إلى أن ارتباط الطعام بالتقسيط والديون قد ينعكس على العادات الغذائية وصحة الأسرة.
- يعاني 40% من المصريين من فقر الدم وفق بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرارات التابع لمجلس الوزراء، ويعيش 66% من المصريين تحت خط الفقر.
بينما وافق محمد مجدي، جزار بحي دار السلام، على تقسيط بيع اللحوم للزبائن بعد فترات طويلة من ضعف الإقبال، مشيرًا إلى أن هذه الطريقة تمنحه فرصة لتصريف البضائع مقابل تحصيل قيمتها على دفعات زمنية، وهو ما وجده حلًا مؤقتًا في ظل تهديد مشروعه ومصدر دخله الوحيد خلال العامين الماضيين.
وعلى أرض الواقع، يقف عامر عبدالحميد، كهربائي من سكان دار السلام، أمام ثلاجته التي كادت أن تفرغ، يفكر في أطفاله الذين لم يتجاوز أكبرهم عشر سنوات. ويقول إنه يعتمد على تقسيط الطعام منذ عامين بسبب طبيعة عمله غير المنتظمة، حتى وجد نفسه أمام ديون بلغت نحو 10 آلاف جنيه لا يستطيع سدادها.
ويضيف: "سددت الدين على مدار 10 شهور، وكانت مراتي اضطرت ترجع تشتغل عاملة نظافة في مدرسة عشان نقدر نعدي الأزمة. ورغم كده لسه بكمل في تقسيط احتياجات البيت، لأن مفيش قدامي حل تاني مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية".
ولا يقف الأمر عند حدود الأفراد إذ تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة إلى أن نحو 49% من الأسر في مصر لا تمتلك ما يكفيها من الغذاء.
بينما يؤكد الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، أن أحد الحلول يتمثل في إتاحة السلع بكميات صغيرة تتناسب مع عدد أفراد الأسرة بدلًا من شراء كميات كبيرة.
لكن في واقع هدى ويونس وعامر، لم يعد السؤال كل شهر: كيف يشترون الطعام، بل كيف سيتمكنون من سداد أقساطه؟