قبل دقائق من توزيع أوراق الأسئلة داخل إحدى لجان الثانوية العامة، جلست مريم أحمد، 19 عامًا، طالبة بالصف الثالث الثانوي، في المقعد الأخير وهي تضع يدها على سماعتها الطبية بعد اجتيازها التفتيش أمام بوابة المدرسة ثم التفتيش داخل اللجنة، لم تكن مريم تخشى صعوبة الامتحان بقدر خوفها من لحظات التفتيش.
تعاني مريم التي تقطن بالمنصورة من إعاقة سمعية ولدت بها وتعتمد على سماعة طبية منذ أن كانت في الثالثة من عمرها: "بمجرد دخولي اللجنة خلال العام الماضي بدأت إحدى المراقبات في تفتيشي ووجدت السماعة ورغم امتلاكي أوراق طبية إلا أنها نزعتها مني بعنف، وقالت إنها وسيلة للغش".
أزمة طلاب الدمج
يعاني طلاب ثانوية عامة من ذوي الإعاقة السمعية (الدمج) من صعوبة استخدام السماعات الطبية داخل اللجان، في ظل تشديدات التفتيش، التي لا تراعي طبيعة إعاقتهم وآليات التعامل معها، ما يحرم بعضهم من استخدام السماعات التي تمثل وسيلتهم الأساسية للتواصل، ويؤثر سلبًا على أدائهم في أثناء الامتحانات.
- الدمج هم ذوو الإعاقات البسيطة التي تسمح لهم بالالتحاق بمدارس التعليم العام، ويبلغ عددهم في مصر 159 ألفًا و825 طالبًا وطالبة حتى العام 2024، ويُشترط لقبول الطالب من ذوي الإعاقة السمعية ألا يزيد مستوى فقدان السمع على 70 ديسيبيل وألا يقل عن 40 ديسيبيل باستخدام المعينات السمعية.
تقول مريم: "عندما نزعت السماعة شعرت وكأن العالم انقطع فجأة ولم أسمع أي تعليمات، وفقدت تركيزي وحصلت على درجة ضعيفة في ذلك الامتحان أثر فيما بعد على نتيجتي النهائية".
- يصل عدد ذوي الإعاقة في مصر إلى 8.6 مليون مواطن، بما يمثل نحو 10.5% من إجمالي السكان. وتُشكل الإعاقة السمعية نحو 4.5% من إجمالي الإعاقات المسجلة رسميًا، أي قرابة 387 ألفَ شخصٍ.
في 7 مايو الماضي، أطلقت طالبة بالثانوية العامة من ذوي الإعاقة السمعية استغاثة عبر موقع "فيسبوك"، أعربت خلالها عن تخوفها من منعها من دخول لجنة الامتحان بالسماعة الطبية، بسبب تشديدات التفتيش المرتبطة بمكافحة الغش الإلكتروني.
وعقب تداول الاستغاثة على نطاق واسع، ردّت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في بيان رسمي، مؤكدة أن استخدام السماعات الطبية حق مكفول للطلاب الذين تستدعي حالتهم الصحية ذلك، شريطة تقديم تقرير طبي معتمد يثبت حاجتهم إليها.
تؤكد إسراء عبدالعزيز، مسؤولة الدعم والتمكين بالمجلس القومي لذوي الإعاقة بالدقهلية، أن المجلس يتلقى بشكل متكرر شكاوى من أسر طلاب ذوي الإعاقة السمعية بشأن آليات التعامل داخل بعض لجان الامتحانات، خاصة ما يتعلق بإجراءات التفتيش والتعامل مع السماعات الطبية وأجهزة القوقعة الإلكترونية.
وتوضح لـ"قلم المنصورة" أن التحدي الأكبر لا يقتصر على وجود القوانين المنظمة للدمج، وإنما يرتبط بضرورة توفير تدريب وتوعية مستمرة للقائمين على اللجان بشأن كيفية التعامل مع الطلاب ذوي الإعاقة ووسائلهم الطبية المساعدة داخل اللجان.
يكفل قانون ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 حق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم دون تمييز، مع إلزام الدولة بتهيئة المدارس والجامعات لاستقبالهم، وتوفير الوسائل التعليمية المناسبة لطبيعة كل إعاقة.
قوانين لا تُطبق
لكن ما يحدث مع طلاب الإعاقة السمعية داخل لجان الثانوية العامة يكشف عن فجوة واضحة بين النصوص القانونية المنظمة للدمج التعليمي وآليات تطبيقها الفعلية داخل اللجان، وفق إبراهيم الشريف، الناشط الحقوقي، الذي يوضح أن القانون يُلزم المؤسسات بالتيسير للطلاب ذوي الإعاقة، إلا أن بعض القائمين على التفتيش لا يمتلكون التدريب الكافي للتعامل مع الأجهزة التعويضية.
بينما يؤكد الدكتور محمد مصطفى عبد التواب، أستاذ أمراض السمع والاتزان بجامعة المنصورة، أن الطلاب ذوي الإعاقة السمعية يعتمدون بشكل كامل على السماعات الطبية أو أجهزة زراعة القوقعة في استقبال الأصوات وفهم الكلام داخل البيئة التعليمية، موضحًا أن هذه الأجهزة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد سماعات يمكن نزعها مؤقتًا دون تأثير.
ويقول: "الطالب المصاب بضعف سمع، حتى مع استخدام السماعة الطبية، يبذل مجهودًا ذهنيًا مضاعفًا مقارنة بغيره لفهم الأصوات والكلام المحيط به، خاصة في الأماكن المزدحمة أو المليئة بالتوتر والضوضاء مثل لجان الثانوية العامة"، مضيفًا أن فقدان هذا الدعم السمعي بشكل مفاجئ داخل اللجنة قد يضع الطالب في حالة ارتباك شديدة تؤثر بصورة مباشرة على تركيزه وقدرته على استيعاب التعليمات أو التفاعل مع ما يدور حوله.
هذه التخوفات تدور في ذهن أمنية محسن، 45 عامًا، والدة طالب بالصف الثالث الثانوي، في إحدى مدارس طلخا، ويعاني من ضعف سمع متوسط ويستخدم سماعتين طبيتين بشكل دائم، تقول إنها تعيش حالة من القلق المستمر منذ بدء الاستعدادات للامتحانات، ليس فقط بسبب صعوبة الثانوية العامة، وإنما خوفًا من الإجراءات المرتبطة بالسماعات داخل اللجان.
وتضيف: "الطالب يعيش بالفعل تحت ضغط نفسي هائل بسبب الامتحانات، وأكثر ما يخيفنا أننا لا نجد شخصًا متخصصًا يمكنه التعامل مع حالة ابني بشكل صحيح ويتفهم أهمية تلك السماعات. داخل اللجان لا يوجد فني سمعيات أو أخصائي يدرك الفرق بين السماعة الطبية وسماعات الغش".
يوضح الدكتور عبد التواب أن هناك فرقًا طبيًا وتقنيًا واضحًا بين السماعات الطبية والأجهزة الإلكترونية المستخدمة في الغش، سواء من حيث التصميم أو طريقة التشغيل أو الوظيفة، مشددًا على أهمية وجود أشخاص مدربين داخل اللجان لديهم القدرة على التفرقة بين الأجهزة العلاجية ووسائل الغش الحديثة، بما يضمن الحفاظ على نزاهة الامتحانات دون الإضرار بالحالة النفسية للطلاب.
لا ينكر محمد مصلح، عضو اللجنة الإشرافية على لجان الثانوية العامة بمديرية التربية والتعليم بالدقهلية، أن المديرية تطبق تعليمات وزارة التربية والتعليم الخاصة بامتحانات الثانوية العامة على جميع الطلاب دون استثناء، في إطار مواجهة وسائل الغش الإلكتروني الحديثة.
ويوضح أن بعض المراقبين قد يتعاملون بحذر شديد مع أي أجهزة إلكترونية أو سماعات داخل اللجان بسبب التعليمات الصارمة المتعلقة بمنع الغش، كما أن رؤساء اللجان أحيانًا لا يمتلكون معرفة طبية كافية بطبيعة بعض الأجهزة السمعية، لذلك يطلبون الاطلاع على الأوراق للتأكد من الحالة.
خوف داخل اللجنة
تتشارك نجلاء أمين، 38 عامًا، والدة طالبة ثانوية عامة تستخدم جهاز زراعة قوقعة، نفس شعور الخوف مع أمنية: "ابنتي ملتحقة بإحدى مدارس السنبلاوين وهناك لا يدركون أن القوقعة ليست سماعة عادية يمكن خلعها وإعادتها بسهولة. ابنتي تعتمد عليها بشكل شبه كامل في السمع، وأي تعامل خاطئ معها قد يتسبب في مشكلة تقنية أو تلف بالجهاز. نحن نتحدث عن جهاز تتجاوز تكلفته مئات الآلاف، وفي النهاية لا نجد داخل اللجان شخصًا مختصًا يستطيع حتى التعامل معه".
وتضيف: "نحاول طوال الوقت شرح الحالة للمحيطين بنا، لكن أغلب الناس لا يدركون طبيعة هذه الأجهزة. هناك خوف دائم من أن تُجبر ابنتي على خلع القوقعة أو أن تتعرض للإحراج أمام زملائها داخل اللجنة، خاصة مع تشديد إجراءات التفتيش هذا العام".
وتؤكد أن الأزمة الأكبر بالنسبة للأسر تتمثل في غياب آلية واضحة وموحدة داخل اللجان: "لو كانت هناك تعليمات ثابتة وأشخاص متخصصون داخل كل لجنة، لما شعرنا بكل هذا القلق. لكن ما يحدث الآن أن كل أسرة تدخل الامتحانات وهي لا تعرف كيف سيكون التعامل مع ابنها، وهل سيتعرض لموقف مهين أم لا".
يتفق معها إبراهيم الشريف، الناشط الحقوقي، بإشارته إلى أن غياب آلية موحدة وواضحة داخل بعض اللجان للتعامل مع طلاب الإعاقة السمعية يضع الأسر في حالة قلق متكرر كل عام، مشددًا على ضرورة تدريب رؤساء اللجان والمراقبين على كيفية التعامل مع الطلاب مستخدمي السماعات الطبية.
ويلقي محمد مصلح، عضو اللجنة الإشرافية على لجان الثانوية العامة، المسؤولية على المدارس التي من المفترض -وفقًا له- أن تقوم بحصر ومتابعة حالات طلاب ذوي الإعاقة بصورة دورية، وإبلاغ الإدارات التعليمية بها مبكرًا، حتى تتمكن المديرية من تجهيز الآليات المناسبة لكل حالة قبل بدء الامتحانات، إلا أن ذلك لا يحدث دائمًا بالشكل المطلوب.
غياب الآليات الواضحة
بينما توضح إسراء عبدالعزيز، مسؤولة الدعم والتمكين بمجلس ذوي الإعاقة، أن المجلس يتدخل فقط في حال تقديم شكاوى رسمية إلى مركز دعم خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة بجامعة المنصورة، من خلال التواصل مع الإدارات التعليمية أو إرسال مختصين لمتابعة بعض الحالات داخل المدارس واللجان.
ولكن تلك التدخلات تظل مرتبطة وفقًا لها بالحالات التي تصل بالفعل إلى المجلس، مشيرةً إلى أن كثيرًا من الأسر لا تتقدم بشكاوى رسمية، سواء بسبب ضيق الوقت خلال فترة الامتحانات أو لعدم معرفتها بآليات التواصل مع الجهات المختصة، وهو ما يؤدي إلى مرور بعض الوقائع دون رصد أو تدخل مباشر.
حاولنا التواصل مع الدكتور شادي زلطة، المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، لمعرفة جهود الوزارة في تيسير إجراءات الامتحانات لطلاب الإعاقة السمعية، إلا أننا لم نتلق ردًا.
بين حلم مريم في الحصول على مجموع كلية الطب وقلق الأمهات اللاتي يخشين تعرض أبنائهن للإحراج أو حرمانهم من أجهزتهم الطبية، تتكرر الأزمة كل عام دون وجود آلية للتعامل مع طلاب الإعاقة السمعية.