رحلة شاقة.. نقل مباحث الإنترنت يعيق وصول النساء للعدالة

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت سلمي الهواري
2025-09-28 16:28:44

لم تكن مريم سعيد، 20 عامًا، تتخيل أن صورة شخصية نشرتها على حسابها الخاص للأصدقاء المقرّبين بموقع "فيس بوك"، ستتحول إلى كابوس يغيّر حياتها رأسًا على عقب، حيث اعتادت مشاركة صورها بثقة، لكن أحد هذه الصور كانت بداية رحلة مؤلمة -حسب وصفها- مع الابتزاز الإلكتروني.

أواخر أغسطس الماضي، فوجئت مريم باختراق شاب حساب صديقتها على "فيس بوك"، وحصوله على صور خاصة لها، وبدأ في ابتزازها: "طلب مني التحدث إليه وإرسال أموال وإلا سيقوم بنشر صوري على مجموعات خاصة وتحول الأمر إلى تهديد مباشر وأنا طالبة جامعية لذا أصابني الرعب".

من صورة إلى كابوس

تعيش مريم في قرية ديسط بالمنصورة، وبسبب الخوف انقطعت عن الجامعة أكثر من أسبوعين: "أسرتي محافظة للغاية وقد يرون الأمر عارًا ويهدد مستقبلي، عشت رعبًا وليالي بدون نوم".

لذا قررت التبليغ وذهبت إلى مديرية أمن المنصورة حيث كان مقر مباحث الإنترنت، لكنها فوجئت حين أخبرها أحد الضباط أن المقر نُقل إلى مدينة جمصة على طريق المنصورة الجديدة، أي على بُعد أكثر من ساعتين من موقعها.

كي تتمكن مريم، وغيرها من نساء الدقهلية من تقديم بلاغ عليهن قطع مسافات طويلة تصل إلى ساعتين، بعد نقل مقر مباحث الإنترنت من قلب العاصمة إلى أطراف المحافظة، وهو ما يجعل عملية التبليغ أكثر صعوبة، ويبقيهن تحت وطأة التهديد والابتزاز دون حماية، كما يحرمهن من حق أصيل في الوصول إلى العدالة والحماية القانونية.

- تنص المادة 75 من الدستور المصري على: "حق التقاضي والتبليغ مصون ومكفول لجميع المواطنين، وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضي وضمان سرعة البت فيها".

ظل مقر مباحث الإنترنت لسنوات في الطابق الخامس من مبنى مديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة، قبل أن يُنقل في مطلع أغسطس الماضي إلى مدينة جمصة - المنصورة الجديدة، على بُعد 55 كيلومترًا من المنصورة، وما لا يقل عن 65 كيلومترًا عن القرى المجاورة.

عدالة على بُعد 65 كيلومترًا

ويُعد مقر مباحث الإنترنت المبنى الوحيد في المحافظة المخصص لتلقي بلاغات جرائم الإنترنت لنحو 10 مليون و203 ألف و693 نسمة، تشكل النساء ما يقارب 48% منهم أي ما يعادل 4 مليون و938 ألف و933 سيدة.

- الابتزاز الإلكتروني هو عملية تهديد وترهيب للضحية /الناجية بنشر صور أو مواد فيلمية أو تسريب معلومات سرية تخصها مقابل دفع مبالغ مالية أو الاستغلال.

- تنص المادة 57 من الدستور المصري على أن للحياة الخاصة حرمة ويمنع الاطلاع عليها أو انتهاكها، بينما قانون مكافحة جرائم المعلومات يعاقب من ينتهك الحياة الخاصة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة تتراوح بين 50 و100 ألف جنيه، أو بإحدى العقوبتين.

لذا يؤكد عماد عبدالرحمن، المحامي والخبير القانوني، أن صعوبة وصول النساء إلى وحدات مباحث الإنترنت بسبب بُعدها الجغرافي تمثل عائقًا حقيقيًا أمام تحقيق العدالة في قضايا الجرائم الإلكترونية، ويحرم شريحة واسعة من النساء، خصوصًا في المناطق الريفية والنائية، من حقهن في الوصول السريع والآمن إلى جهات التحقيق المختصة.

عماد عبد الرحمن

ويضيف لـ"قلم المنصورة" أن القانون يفترض إتاحة خدمات التقاضي والوصول إلى الأجهزة الشرطية للجميع دون تمييز، إلا أن الواقع يفرض شكلًا من التمييز غير المباشر ضد النساء؛ فبعد المسافة وصعوبة التنقل تشكّل عقبات تحول دون ممارسة حقهن القانوني في الإبلاغ.

في 4 أغسطس الماضي، رفع عدد من المحامين الحقوقيين: "أحمد رضوان - وائل غالي - محمد عطية" قضية لإعادة مقر مباحث الإنترنت إلى مركز المنصورة، وأكدوا  وفق بيان لهم، أن مكانه الجديد يبعد نحو 54 كيلومترًا، وتستغرق رحلة الذهاب والعودة ما يقارب خمس ساعات، وهو ما يشكّل عبئًا ومعاناة بالغة على النساء.

وائل غالي نقل مقر مباحث الإنترنت بمدينة المنصورة

رحلة الوصول إلى التبليغ

أجرت معدة التقرير تجربة ميدانية للوصول إلى مقر مباحث الإنترنت من طلخا إلى طريق المنصورة - جمصة، وكان الطريق مزدحمًا بشدة وتضمن (كارتتين) كل واحدة منهما بقيمة 20 جنيهًا، مما أطال الرحلة التي استغرقت نحو ساعة للوصول إلى مدينة جمصة، رغم أن المسافة عادةً تُقطع في حوالي 40 دقيقة. 

من مدينة جمصة، استقلت معدة التقرير توك توك آخر للوصول إلى مبنى مباحث الإنترنت الكائن بجانب سجن جمصة، ما أضاف نحو 15 دقيقة للرحلة التي كبدتها رسوم إجمالية ذهابًا وإيابًا قرابة 200 جنيهًا.

نفس الرحلة الصعبة والمكلفة خاضتها مريم حيث سافرت سرًا دون علم أسرتها لتقديم شكوى ضد من يبتزها: "لم يكن أمامي خيار سوى أن أسافر وحدي، جمعت شجاعتي واستقليت أكثر من أربع وسائل مواصلات بين أتوبيسات النقل الجماعي، وميكروباصات، ثم توك توك، بإجمالي 300 جنيه، وكان الطريق اختبارًا مرهقًا لقوتي وصبري".

- 37% من النساء لا يستخدمن شبكة الإنترنت، ويُعدّ عدم الشعور بالأمان من أبرز الأسباب، بينما يقل عدد النساء المتمتعات بالقدرة على الوصول إلى الإنترنت عن الرجال بنحو 259 مليونًا، إذ لم تتجاوز نسبتهن 63% فقط خلال عام 2022.

تقول انتصار السعيد، المحامية بالنقض ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، إن المسافات التي قطعتها مريم قد تدفعها فيما بعد إلى التراجع عن اتخاذ أي إجراء قانوني، بسبب الأعباء المالية والزمنية المرتبطة بالسفر وتكرار الإجراءات.

انتصار السعيد

وتوضح لـ"قلم المنصورة" أن كثيرًا من الفتيات يقفن عند حدود التفكير في الإبلاغ فقط، ثم يخترن الصمت نتيجة صعوبة الوصول، وقد يؤدي ذلك إلى إفلات المبتز من العقاب واستمرار دائرة العنف النفسي ضد النساء. 

تشير دراسة أعدها الدكتور ممدوح الغريب مدرس أصول التربية بكلية التربية جامعة طنطا العام 2024 بعنوان: "العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي" إلى أن الابتزاز الإلكتروني أخطر أنواع العنف الموجه ضد النساء.

- وبحسب دراسة أخرى أجريت في كلية الطب بجامعة القاهرة بعنوان "تقييم الاستغلال السيبراني خلال الأعوام 2021 و2022 بين عينة من النساء المصريات" شملت 324 فتاة وسيدة، وكشفت نتائجها أن نحو 85% من المشاركات أكدن تعرضهن لأشكال مختلفة من العنف الإلكتروني.

بينما لا يوجد إحصاء رسمي حول أعداد النساء اللاتي يتعرضن للابتزاز الإلكتروني سنويًا، لكن استبيان أجرته مبادرة "اتكلمي / Speak Up" (غير حكومية) تؤكد أن النساء هن الفئة الأكثر تعرضًا لجرائم الابتزاز الإلكتروني؛ إذ بلغت نسبتهن 90% مقابل 10% فقط من الذكور. 

الابتزاز الإلكتروني - speak up

وكشفت النتائج أن دوافع المبتزّين تتنوع بين طلب مقابل جنسي بنسبة 47%، ودافع مادي بنسبة 19%، بينما تعود النسبة المتبقية 34% إلى أسباب أخرى، مثل محاولة استرجاع علاقة عاطفية بعد انتهائها، أو إنهاء علاقات قائمة، أو الضغط للتنازل عن مناصب.

الابتزاز الإلكتروني - speak up

كما يتفق هذا الاستبيان مع دراسة صادرة عن مجلس النواب العام 2019 حول ضعف معدلات الإبلاغ في قضايا العنف الإلكتروني، حيث لا تتجاوز نسبة النساء اللواتي يتقدمن ببلاغات رسمية 10%، مقابل 90% يفضلن الصمت وعدم التبليغ.

الابتزاز أم الصمت؟

لم تكن هالة محمود، 32 عامًا، تفضل الصمت وعدم التبليغ لكنها كادت أن تجبر عليه، حين تعرضت لمحاولة ابتزاز إلكتروني: "تلقيت رسائل من حساب مجهول في أغسطس الماضي يهددني بنشر صور مركبة بطريقة خبيثة، ويطالبني بإرسال أموال أو تنفيذ أوامره، أخبرت زوجي وهو من شجعني على التبليغ".

تفاجأت هالة التي تقطن في شارع الترعة بالمنصورة، ببعد مقر مباحث الإنترنت عنها مسافة 50 كيلومترًا: "ركبنا أكثر من مواصلة، وطوال الطريق كنت أرتجف وأشعر أن من حولي يعرف ما أمر به كنت أفضل أن يكون قريب".

رحلة هالة استغرقت أكثر من ساعة ونصف حتى وصلت إلى مباحث الإنترنت إلى جانب انتظار أربع ساعات ونصف حتى تبدأ بالإجراءات: "لو كنت أعلم بتلك الرحلة الشاقة كنت فضلت الصمت عن التبليغ".

- احتلت الدقهلية المرتبة الثامنة على مستوى محافظات مصر في جرائم الابتزاز الإلكتروني خلال النصف الأول من العام 2024. 

يوضح الدكتور أحمد الطيب، استشاري الطب النفسي، إن المعاناة النفسية الناتجة عن الابتزاز الإلكتروني تتفاقم بشكل كبير بسبب صعوبة الوصول إلى أماكن الإبلاغ أو بعدها، موضحًا أن الناجية/ الضحية تدخل في دائرة مغلقة من القلق والشعور بالعجز بسبب إحساسها بعدم وجود حماية قانونية قد يصل الأثر إلى الاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس.

ويؤكد لـ"قلم المنصورة" أن بعض الضحايا قد يتراجعن تمامًا عن فكرة التبليغ ويلجأن إلى الصمت كوسيلة للهروب من المعاناة، وهو ما يمنح المبتز مساحة أكبر للسيطرة، مشددًا على ضرورة تمكين النساء من التبليغ لتعزيز الشعور لديهن بأن العدالة قريبة.

لذا تقترح انتصار السعيد، المحامية، توسيع نطاق وحدات مكافحة جرائم الإنترنت لتشمل المراكز والقرى، مع توفير منصات إلكترونية آمنة تسمح بتقديم البلاغات عن بُعد، إلى جانب خطوط ساخنة تعمل على مدار الساعة لتقديم الدعم النفسي والقانوني.

يؤيدها المحامي عماد عبدالرحمن، بضرورة تطوير آليات التبليغ: "إذا كنا نتحدث عن عدالة حقيقية وتعامل بجدية مع تلك القضايا فلا يمكن أن تبقى الأبواب مغلقة في وجه النساء".

تشعر مريم وهالة بندم شديد في رحلتهن الشاقة نحو العدالة البعيدة، بسبب المعاناة والكلفة المادية التي تكبدنها، وربما تعاني نساء أخريات المصير نفسه.