ساندي

تصميم| محمد صلاح

Written By رقية خالد
2025-08-15 11:00:04

في يوم من الأيام ولدت فتاة جميلة، لكن كانت لديها علامة جلدية مميزة، لم تكن معدية، كانوا يطلقون عليها "وحمة" متجمعة في الجانب الأيسر من وجهها، تشبه وردة داكنة. كانت ساندي أول مولود في أسرتها بعد زواج دام أكثر من عشر سنوات. عاشت الأسرة في قرية صغيرة تجمع بين الهدوء وجمال الطبيعة، وكان والدها يعمل سائق قطار، يحكي لها في المساء عن رحلاته الطويلة وصفير القطار الذي يخترق سكون الليل. 

كبرت ساندي ودخلت المدرسة الابتدائية ثم الإعدادية ولم تقابل أي مشكلة بخصوص العلامة التي بوجهها، لأن معظم زميلاتها وزملائها عرفوها منذ الصغر وأحبوها للطفها وابتسامتها التي لا تفارق ثغرها، كما أنها كانت تتميز بجمال روحها وذكائها. نجحت ساندي في المرحلة الإعدادية بتفوق ودرجات عالية، كان الكل سعيدًا بها، وأبوها دائمًا ما يفتخر بها أمام أهل القرية.

دخلت ساندي الثانوية، وبينما هي في الصف الثاني الثانوي، ترقى والدها في العمل، فبدلًا من أن يكون سائقًا للقطار أصبح مشرفًا ومراقبًا على السائقين. 

وانتقل للعمل بالمحافظة التي تتبعها القرية التي يعيشون فيها، وكانت المسافة كبيرة، مما اضطره لنقل عائلته أيضًا إلى المحافظة. وبالتالي، تم نقل ساندي من مدرستها التي اعتادت عليها إلى مدرسة جديدة في المدينة. كانت سعيدة وفضولية بشأن هذه المرحلة الجديدة، لكن أكثر ما كان يحزنها هو أنها ستترك أصدقاء الطفولة وذكريات اللعب في الحقول وعلى ضفاف النيل.

 طمأنتها والدتها وقالت لها بحنان: "في المدرسة الجديدة ستكوّنين صداقات مميزة وسيُحببنك أيضًا، فقلبك الطيب سيجذب إليه القلوب الطيبة".

كان والدها ميسور الحال واشترى شقة صغيرة في حي هادئ بالمدينة، وانتقلوا إليها. ومن أول يوم لاحظت ساندي أن الحياة في المدينة تسير بوتيرة أسرع بكثير من قريتهم الهادئة. ذهبت إلى المدرسة وهي تحمل بعض التوجس، لكنها لم تتوقع أبدًا أن العلامة المميزة التي على وجهها ستسبب لها مشكلة. منذ دخولها من باب المدرسة، لاحظت نظرات فضولية وغير مريحة تتوجه إليها، همسات خافتة تلاحق خطواتها. وعندما دخلت فصلها، انصدمت بنظرات الاستغراب من بعض زملائها، وسرعان ما تحول الأمر إلى تنمر صريح بكلمات جارحة ونظرات استهزاء. في نهاية اليوم، عادت إلى البيت وهي تبكي بحرقة، تحكي لوالدتها عن قسوة ما واجهته. فقالت الأم بحزن وغضب: "يجب أن تذهبي مع والدك إلى المدرسة وتشتكي لمدير المدرسة على هذا السلوك المشين".

ذهب الأب معها في صباح اليوم التالي وأخبر المدير بكل ما حدث. كان المدير يكن لوالد ساندي كل الاحترام والتقدير، وبعد أن استمع إليه بانتباه، أبدى أسفه الشديد وأمر الأخصائيين الاجتماعيين في المدرسة بإنذار الطلاب المتنمرين وتحذيرهم من الإساءة لساندي. مرت أيام وأسابيع، لكن ساندي كانت تشعر بوحدة قاتلة في هذا المكان الجديد، مستواها الدراسي بدأ يتراجع، ونفسيتها تسوء يومًا بعد يوم من نظرات بعض زملائها التي كانت تشعرها بأنها إنسانة "غريبة".

وفي يوم، بينما كانت ساندي جالسة وحدها في فناء المدرسة خلال الاستراحة، نادتها زميلتها بوقاحة: "يا صاحبة البقعة السوداء في وجهك!". انهارت ساندي بالبكاء المرير أمام الجميع، وشعرت وكأن سهمًا مسمومًا قد اخترق قلبها. علم مدير المدرسة بهذا الأمر، فاستدعى الطالبة المتنمرة وأمرها بالاعتذار لساندي فورًا، كما قرر فصلها لمدة أسبوع من المدرسة واستدعاء ولي أمرها. ولكن ذلك لم يغير شيئًا في شعور ساندي الداخلي بالإحباط واليأس، فكانت تشعر بأن الناس حولها ينقسمون إلى قسم يتنمر عليها بفظاظة، وقسم آخر ينظر إليها بعطف مصحوب بالشفقة، وكلاهما كان يؤلمها بنفس القدر. استمرت حالتها النفسية في التدهور، وأصبحت ساندي أكثر انطوائية وتجنبًا للآخرين.

مع الوقت تأثرت ساندي، لم تعد تهتم بدراستها ولا بمستقبلها، فقدت شغفها بكل شيء. لاحظ والدها هذا التغيير المقلق، وقرر أن يتحدث معها بجدية. لم يكن والدها فقط، بل كان الأب الروحي لها، الصديق الذي تلجأ إليه في كل ضيق. جلس بجوارها في هدوء ووضع يده على كتفها وقال بحنان: "يا ساندي، ليس هناك إنسان كامل من كل شيء... وأنتِ يا حبيبتي، ربنا أعطاكِ جمال روح لا يراه إلا من كان قلبه نقيًا، وهذا الجمال سيجعل كل من حولك يحبكِ. ووهبكِ عقلًا نيّرًا تستطيعين به أن تجعلي العالم كله يحترمكِ. الأمر بيدكِ يا ابنتي، بيدكِ أن تجعلي نفسك ضحية تستسلم لضعف الآخرين، وبيدكِ أن تجعلي كل من تنمر عليكِ يندم على فعلته عندما يرون قوتكِ وتفوقكِ".

ومن وقتها بدأت مرحلة جديدة في حياة ساندي. كان قد تبقى شهر واحد فقط على نهاية السنة الدراسية، وفوجئ زملائها في الفصل بحضورها إلى الدروس بانتظام واجتهاد ملحوظ، والأساتذة كانوا سعداء بعودتها إلى سابق عهدها من النشاط والتفاعل. كان الوقت المتبقي على الاختبارات قصيرًا، ولكن كان لدى ساندي عزيمة وإصرار قويان على تعويض ما فاتها. بدأت الامتحانات وهي تحمل نفس الحماس والرغبة في النجاح، وانتهت الامتحانات وهي أكثر طموحًا وثقة بأنها ستكون من الأوائل في المدرسة. مرت الأيام ببطء وقلق، وأخيرًا ظهرت النتيجة. وفي هذا اليوم، فاجأها والدها بأنه أخذ إجازة خاصة من العمل ليحضر إعلان النتائج معها.

ظهرت النتيجة، وكانت المفاجأة السارة التي غمرت قلب ساندي ووالديها بالفرحة: لقد كانت ساندي الأولى على المدرسة بأكملها، والأولى في المحافظة!

وفي بداية العام الدراسي التالي تم تكريمها في المدرسة، تكلم المدير بابتسامة فخر وقالت أمام الحضور: "إن أقل شيء نقدر أن نكرم به ساندي، هذه الطالبة المثالية التي واجهت صعابًا وتحديات وتغلبت عليها بإصرار وعزيمة، هو أن  نعطيها شهادة تفوق، لتكون فخرًا لمدرستنا وحافزًا لجميع الطلاب والأجيال القادمة".