في الإنترنت و"الميكروباص".. شهادة 14 طالبة بجامعة المنصورة عن التحرش

Photographer: محمود عبد الحميد - جرافيتي لنيرة أشرف

Written By محمود عبد الحميد
2025-12-11 19:48:52

وقائع تحرش وعنف ضد الفتيات، حوادث تُنشر على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي، لا تنقل سوى جزء من الواقع، بينما يظل الجزء الأكبر منه مخفيًا، مشاهد متكررة تدفع كثيرات إلى التعبير عن خوفهن من مجرد السير في الشارع.

وفي ظل تزايد قصص الفتيات اللاتي تعرضن لملاحقات، أو تهديدات هاتفية أو إلكترونية، وغيرها من أشكال الاعتداءات، باتت الكثيرات يشعرن أن كلمة "لا" في كثير من الأحيان كفيلة بأن تغضب مَن يلاحقهن وتهدد حياتهن.

"نيرة أشرف" ليست الوحيدة

"نيرة أشرف" كانت صدمة كبرى، وأثارت حادثة مقتلها جدلًا واسعًا تجاوز حدود المنصورة، مكان وقوع الجريمة البشعة -طالبة قُتلت ذبحًا أمام بوابة جامعتها، بعد أن قرر زميلها في الجامعة نفسها "محمد عادل" الانتقام منها لرفضها الارتباط به، أو مجرد الحديث معه والرد على ملاحقاته.

شهادة 14 طالبة بجامعة المنصورة ضد التحرش

الدماء التي سالت يومها لم تكن مجرد نهاية مأساوية لحياة فتاة شابة، ولا يتوقف الأمر عندها، فهناك أخريات تعرّضن ولا زلن للتحرش أو الضرب أو التهديد لمجرد أنهن اخترن قول "لا".

وفي محاولة للاقتراب أكثر مما تواجهه الفتيات في الشارع من تحرش أو مضايقات تسبب لهن الخوف وتُفقدهن الإحساس بالأمان، أجرينا استبيانا إلكترونيًا يستهدف طالبات جامعة المنصورة، يتضمن عددا من الأسئلة المفتوحة، عبر "google form"، نُشر عبر مجموعات فيسبوكية خاصة بطلاب الجامعة أو أرسل عبر الإنترنت للمستجيبات المحتملات، حول ما إذا كان الشارع من وجهة نظرهن قد أصبح أمانًا للبنات بعد حادثة نيرة أشرف، وما إذا كانت الطالبة المستطلع رأيها قد تعرّضت للتحرش، بنوعيه لفظي أو جسدي، إلى جانب تفصيل الموقف ورد فعلها تجاهه.

وعند ردود فعل المحيطين بها، وما إذا كانت قد حكت لأي شخص ما تعرضت له، ورد فعل شهود العيان في الشارع الذي حدثت فيه واقعة التحرش، وأسباب التحرش في رأيها وكيف ترى الحلول، وتلقينا ردودًا على الاستبيان من 14 طالبة بجامعة المنصورة.

التحرش خلال سنوات الدراسة

أكدت جميع المستجيبات تعرضهن لشكل من أشكال التحرش خلال سنوات الدراسة، وبينما كانت آخر أسئلة الاستبيان: "لو تقبلي إننا نتكلم معاكي أكتر في موضوع التقرير، مع ضمان إننا لا نكشف عن هويتك ولا أي معلومة عنك، ضيفي رقم تليفونك واحنا نتواصل معاكي"، فإن طالبة واحدة تركت وسيلة تواصل من بين ال14. وعندما أعدنا التواصل معها فضّلت المشاركة بالأحرف الأولى فقط من اسمها.

تحولت حياة م.ع الطالبة بجامعة المنصورة لكابوس، على حد وصفها، حين حاول شاب التواصل معها عبر الإنترنت، وعندما رفضت الاستمرار في المحادثة بدأ يرسل لها تهديدات.

شهادة 14 طالبة بجامعة المنصورة ضد التحرش

م.ع قالت لـ "قلم المنصورة" إن الشاب هدّدها بنشر شائعات وأكاذيب عنها "هددني بأنه سيقول عني كلامًا سيئًا، ويرسل المحادثة لأهلي، ورغم محاولاتي للتهرب منه، واجهته وقلت له محدش هيصدقك… وبعد فترة هدأتُ ونسيت الموضوع، ولكنني تمنيت لو أن هناك طريقة لتحريك بلاغ ضده للشرطة".

لم يكن ما فعله معها هذا الشاب حادثة التحرش الوحيدة التي واجهتها م. ع فقد تعرضت لموقف آخر، تتحدث عنه قائلة: "في يوم من الأيام ذهبت للجامعة وركبت ميكروباص وصعد شاب جلس بجواري، وبدأ يقترب مني تدريجيًا، وعندما حاول لمسي وسحب يدي وهو يعطيني باقي الأجرة، انفجرت فيه بالصراخ وأنا أبكي، ورغم وجود رجال في الميكروباص، لم يتحرك أحد".

وجاءت إجابات المستجيبات حول أسباب التحرش تشير إلى أن السبب يعود إلى غياب التربية والأخلاق، وضعف الوازع الديني وانتشار ثقافة تبرير التحرش وربطه بملابس الضحية.

وأعربت الفتيات المشاركات في الاستطلاع عن إحباطهن من ردود فعل المحيطين بهن في أثناء تعرضهن للتحرش، فالاكتفاء بمجرد المشاهدة دون تدخل ضاعف إحساسهن بالخذلان.

جرائم العنف ضد النساء بالدقهلية

بصورة دورية، تصدر مؤسسة "إدراك للتنمية والمساواة" تقارير سنوية ونصف سنوية لرصد جرائم العنف ضد النساء والفتيات في مصر، في إطار مشروعها "مرصد جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي" الذي أطلقته عام 2020.

تعتمد المؤسسة في رصدها على المواقع الإخبارية المصرية، إلى جانب بيانات النيابة العامة المصرية والإدارية ووزارة الداخلية المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتتضمن الجرائم المرصودة في هذه التقارير: القتل والشروع في القتل والاغتصاب والابتزاز والاعتداء الجنسي على الأطفال والضرب المبرح والتحرش الجنسي والعنف الرقمي والحبس أو المنع من الحركة والحرمان من الميراث وغيرها.

مع تأكيد المؤسسة أن الأرقام المرصودة لكل جريمة لا تعكس بالضرورة الحجم الفعلي لجرائم العنف، وبطبيعة الحال توجد جرائم وانتهاكات غير مُبلّغ عنها أو تتلقى الشكاوى بخصوصها جهات أخرى مثل المجلس القومي للمرأة وخارج منهجية الرصد المتبعة في التقارير.

وبتتبع تلك التقارير على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، منذ عام 2022، حتى العام الحالي 2025، ونصيب محافظة الدقهلية من هذه الجرائم، نجد أن تقرير عام 2022 رصد 1006 جريمة عنف موجهة ضد النساء والفتيات وقعت أو اكتُشفت خلال الفترة من 1 يناير حتى 31 ديسمبر من هذا العام، بلغ عدد جرائم القتل بينها 301 جريمة، منها 202 جريمة قتل على يد أحد أفراد الأسرة أو الشريك السابق أو الحالي، وكان نصيب محافظة الدقهلية منها 11 جريمة، وتأتي في المركز السادس بعد الجيزة والقاهرة والقليوبية وقنا وسوهاج، و61 جريمة قتل على يد شخص من خارج دائرة القرابة، كان نصيب الدقهلية منها 4 جرائم. 

وكانت أكثر طريقة مستخدمة للقتل هي الطعن بآلة حادة ثم الخنق ثم الضرب. وبلغ عدد جرائم الاغتصاب 40، منهم 5 في الدقهلية، بعد الجيزة والقاهرة (12 و6 حالات على التوالي)، بينما بلغ عدد وقائع التحرش المرصودة في تقرير ذلك العام 104 واقعة تحرش في المجالين العام والخاص، بينها حالتان في الدقهلية.

وفي تقرير العام الذي يليه 2023، بلغ عدد جرائم القتل في النصف الثاني من العام خلال الفترة من 1 يوليو حتى 31 ديسمبر، 206 جريمة قتل، منها 142 جريمة قتل على يد فرد من الأسرة أو الشريك السابق أو الحالي، نصيب الدقهلية منها 4 حالات، و47 جريمة قتل على يد غريب، اثنتان منها في الدقهلية.

وبلغ عدد حالات الاغتصاب ومحاولات الاغتصاب 64 وجاءت الدقهلية في المركز الرابع بخمس حالات، بعد القاهرة والجيزة وكفر الشيخ، ومساوية للإسكندرية والشرقية. وبلغ عدد حالات التحرش المرصودة 47، منها 4 في الدقهلية، متساوية مع المنوفية، وبعد القاهرة والجيزة والقليوبية.

وفي تقرير 2024، كان هناك 1195 جريمة عنف موجه ضد النساء والفتيات وقعت أو اكتُشفت خلال العام، بينها 363 جريمة قتل، منها 261 على يد شخص من الأسرة أو الشريك السابق أو الحالي، نصيب الدقهلية منها 17 جريمة، بعد القاهرة والجيزة والقليوبية، و67 جريمة قتل على يد غريب، كان نصيب الدقهلية منها حالة واحدة. وكان هناك 153 واقعة اغتصاب، 5 منها في الدقهلية.

أما التحرش فرصد التقرير 182 واقعة تحرش في المجالين العام والخاص، 7 منها في الدقهلية، محتلة المركز الرابع بعد القاهرة والجيزة والقليوبية.

ويرصد التقرير نصف السنوي عن النصف الأول من العام الحالي 2025 الذي يشمل الفترة الزمنية من 1 يناير حتى 30 يونيو، 495 جريمة عنف موجهة ضد النساء والفتيات على مستوى المحافظات المختلفة، ضمنها 156 جريمة قتل، 120 منها على يد أحد أفراد العائلة أو الشريك السابق أو الحالي، 7 منها في الدقهلية، و36 جريمة قتل على يد غريب، حالتان منها في الدقهلية. و122 واقعة تحرش، حالة واحدة في الدقهلية. أما الضرب المبرح فبلغ عدد حالاته المرصودة 53 "نتج عنها كدمات وكسور وحروق وبعض العاهات المؤقتة أو المستديمة التي تستوجب التدخل الطبي"، كان للدقهلية منها حالتان، إحداهما على يد فرد من الأسرة أو الشريك الحالي أو السابق، والأخرى على يد شخص من خارج الأسرة.