"ليس أمامكم سوى البكالوريا".. طلاب ثانوية عامة يواجهون إجبارًا غير معلن

Photographer: سلمى الهواري - إحدى مدارس الثانوية العامة بطلخا

Written By سلمي الهواري
2025-11-25 17:04:46

لم تكن هبة السيد، 16 عامًا، طالبة بالصف الأول الثانوي، تتخيل أن اختيارها لنظام الدراسة سيخرج عن إرادتها: "لم أختار نظام البكالوريا بل أجبرت عليه". 

كانت هبة تفضل استكمال دراستها كطالبة ثانوية عامة بالنظام القديم، غير أن مدرسة عبد الفتاح آغا الحكومية القريبة منها حيث تقطن في مدينة طلخا بمحافظة الدقهلية لم تمنحها خيارًا سوى فصول البكالوريا.

"إجبار مقنّع "على نظام البكالوريا

قبل بداية العام الدراسي، توجهت هبة إلى المدرسة على أمل الالتحاق بالنظام القديم، لكنها فوجئت بأن الإدارة تصر على إلزام جميع الطلاب بالالتحاق بنظام البكالوريا، مؤكدة أن الفصول الأخرى غير متوفرة.

لم يكن موقفها وحدها، إذ أوضح والدها، السيد عبد الفتاح، موظف حكومي، أنهم حاولوا التحدث مع الإدارة والتأكيد على رغبتهم في النظام القديم، لكن محاولاتهم باءت بالفشل، واضطروا للبحث في ثلاث مدارس ثانوية في طلخا ومدرستين بالمنصورة، جميعها أخبرتهم بعدم توفر فصول للثانوية العامة القديمة.

في سبتمبر الماضي، أكدت وزارة التربية والتعليم أن نظام البكالوريا سيكون اختياريًا، وأن الطلاب يمكنهم اختيار النظام الذي يفضلونه، مع التزام المدارس بتوفير بيئة مناسبة لكلا النظامين، نصًا على القرار الوزاري رقم (213 لسنة 2025).

نظام البكالوريا

ليس ذلك فحسب، ولكن نفت وقتها الوزارة ما أسمته شائعة إجبار الطلاب على اختيار نظام بعينه،  إلا أن شهادات الطلاب الذين تحدثت إليهم "قلم المنصورة" على أرض الواقع كشفت صورة مغايرة؛ حيث أشار العديد منهم إلى تعرضهم لضغوط غير مباشرة للالتحاق بنظام البكالوريا بسبب عدم إتاحة المدارس سوى هذا النظام، رغم تفضيلهم الاستمرار في الثانوية العامة، وهو ما يتعارض مع مبدأ حرية الاختيار الذي أعلنت عنه الوزارة.

تنص المادة 19 من الدستور المصري: "التعليم حق إلزامي ومجاني حتى نهاية الثانوية، ما يعني أن يكون الطالب شريكًا في اختيار مساره".

لذا يؤكد الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، أن فرض نظام دراسي واحد على الطلاب يُعد مخالفة، مشيرًا إلى أن الوزارة لم تقرر الإلزام، لكن تطبيق البكالوريا دون إتاحة بديل من جانب الإدارات المحلية يعد انتقاصًا من حق الطالب.

 الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس

وينصح أولياء الأمور بالتظلم أمام النيابة الإدارية أو المجلس القومي لحقوق الإنسان، مؤكدًا أن التمييز هنا لا يتعلق بفكرة التطوير نفسها، بل بطريقة تنفيذها التي قد تحوّل هدف الإصلاح إلى عبء على الطلاب: "يمكن الطعن على قرارات الإجبار أمام القضاء الإداري، والتظلم خلال 60 يومًا لدى النيابة الإدارية ومجلس الدولة".

البكالوريا هو نظام للثانوية العامة يُستبدل فيه امتحان الفرصة الواحدة بتقييمات تراكمية ومسارات محددة يختارها الطالب، مع دراسة 6 مواد فقط وإتاحة إعادة التقييم لتحسين الدرجات وتخفيف الضغط.

"اختيار إجباري "يثير الجدل بين أولياء الأمور

تؤكد الدكتورة إيلاريا سمير، عضو مجلس النواب، لـ"قلم المنصورة" أن ما يجري حاليًا يمثل مثالًا واضحًا لما يُعرف في علم الإدارة التعليمية بـ"الفجوة بين الفكرة والتنفيذ"، موضحة: "حين تعلن الوزارة أن النظام اختياري، ويجد الطالب نفسه مضطرًا لاختياره لعدم وجود فصول متاحة للنظام التقليدي في مدرسته، فإن ذلك يتحول إلى إلزام غير مباشر يسلب مبدأ العدالة التعليمية من معناه الحقيقي".

الدكتورة إيلاريا سمير، عضو مجلس النواب

نفس الأمر تكرر مع منى سلامة، ولية أمر طالبة بالمرحلة الثانوية، التي أجبرت مطلع العام الحالي على إلحاق ابنتها  في نظام البكالوريا بمدرسة المنصورة الثانوية بنات الحكومية، حيث تقطن في شارع بورسعيد، وذلك بعدما بحثت عن مدرسة بنظام الثانوية العامة القديمة دون جدوى.

تقول: "توجهت إلى مديرية التربية والتعليم بالدقهلية للاستفسار عن مدارس في المنصورة لا تزال تضم النظام القديم، لكني فوجئت بأن المديرية طلبت مني التواصل مع المدارس بشكل فردي، وإذا لم تتوفر أماكن فهذا يعني اكتمال الأعداد في هذا النظام ولا بد من الالتحاق بالبكالوريا". 

وأضافت أن أحد الموظفين نصحهم بالتقديم في مدارس القرى المحيطة، لأن أعداد طلاب الثانوية العامة التقليدية أصبحت قليلة جدًا في المحافظة، قائلًا لهم: "إذا اخترتم ثانوية عامة.. فابحثوا في مدارس الريف".

تؤكد فاطمة خليل، معلمة اللغة العربية، إن إلزام الطلاب بالالتحاق بنظام البكالوريا خطوة تفتقر إلى العدالة، لأن التعليم لا ينبغي أن يقوم على نظام واحد يُفرض على الجميع، بل على التنوع الذي يراعي اختلاف قدرات الطلاب واستعداداتهم. 

وتبين أثر ذلك: "البكالوريا نظام يتطلب مهارات تحليلية ولغوية وبحثية عالية، لا تتوافر لدى جميع الطلاب بالقدر نفسه، بينما يتفوق بعضهم في الحفظ والاستيعاب، يبرع آخرون في البحث والتحليل، وبالتالي فإن توحيد المسار التعليمي قد يظلم فئات واسعة من الطلاب، والأنسب أن يكون النظام اختياريًا".

فجوة بين النظام والتطبيق

يبلغ عدد المسجلين في نظام البكالوريا 768 ألفًا و853 طالبًا، مقابل 45 ألفًا و522 فقط في النظام القديم، وفق تصريح سابق لوزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف خلال اجتماعه مع رئيس الجمهورية ، ورئاسة الوزراء؛ حيث أكد أن 88% من إجمالي طلاب الثانوية التحقوا بالبكالوريا.

يوضح محمد عبد السميع، مسؤول جودة التعليم بمديرية التربية والتعليم بالدقهلية، إن عدد المدارس التي تعمل بنظام البكالوريا في المحافظة يمثل أكثر من 70% من إجمالي المدارس، مؤكدًا أن المديرية لم تصدر أي توجيه بإلزام المدارس أو الطلاب بنظام تعليمي دون آخر.

ويضيف لـ"قلم المنصورة": "أن لكل مدرسة طاقمًا تدريسيًا وخطة تنظيمية محددة، وأن توزيع الطلاب يخضع لقدرة كل مدرسة على استيعاب الأعداد وفق التخصصات المتاحة، ما قد يفسّر شعور بعض الطلاب بعدم وجود بدائل واضحة، كما أن المديرية لم تتلقَ شكاوى رسمية بخصوص إجبار الطلاب على اختيار نظام بعينه".

الإجبار على نظام البكالوريا

تحكي نجلاء عبد السلام، ولية أمر طالب بالصف الأول الثانوي، أنها توجهت لتقديم أوراق ابنها في مدرسة قرية ميت خميس التابعة للمنصورة، لتفاجأ بعدم وجود فصول للثانوية العامة هذا العام، وأن المدرسة تعمل بالكامل بنظام البكالوريا.

تضيف: "حاولت تحويل ابني إلى مدرسة أخرى، لكن قيل لي إن المدارس خارج نطاق الإدارة لن تقبله بسبب التوزيع الجغرافي، وفعلًا لم نجد أي مدرسة حكومية تقبله، وجدنا أنفسنا أمام أمر واقع، فاضطررنا للموافقة على البكالوريا رغم مخاوفنا من اللغة والمناهج الجديدة".

لذا يؤكد شحاتة، خبير التعليم، على ضرورة توفير بديل حقيقي لنظام الثانوية العامة في كل إدارة تعليمية، والإعلان عن المدارس التي تطبق البكالوريا بشكل واضح، مع إنشاء لجنة ميدانية لرصد حالات الإجبار ومنصة إلكترونية لتلقي الشكاوى، لضمان أن التطوير لا يأتي على حساب العدالة التعليمية.

تتفق معه فاطمة خليل، معلمة اللغة العربية، إذ تعتبر أن التسرع في تطبيق نظام البكالوريا دون تهيئة كافية خطأ جسيم، مؤكدة أن التطوير يحتاج إلى إعداد تدريجي وتدريب مسبق، خاصة أن النظام يعتمد على بيئة رقمية غير متوفرة في كثير من المدارس، ما يجعله عبئًا إضافيًا على الطلاب والمعلمين بدلًا من كونه خطوة تطويرية.

فيما يؤكد محمد حلمي، مدرس الكيمياء في مدرسة بلقاس الثانوية، أن إلزام الطلاب بنظام البكالوريا يمثل شكلًا من الإقصاء، خاصة في ظل معاناة العديد من المدارس من نقص الكوادر وضعف التجهيزات.

اعتماد نظام البكالوريا

وتساءل: "كيف نُلزم طلاب القرى أو المدارس الحكومية المتهالكة بنظام يعتمد على البحث والمشروعات؟"، مؤكدًا أن هذا النهج قد يوسع الفجوة الطبقية في التعليم بدلًا من تقليصها، ويجعل فرص التعلم الجيد حكرًا على من يملك الإمكانيات.

توضح الدكتورة إيلاريا سمير، عضو مجلس النواب، إلى أن قرارات الوزارة بشأن البكالوريا لم تُترجم إلى منشورات رسمية واضحة تُلزم المديريات والمدارس بخطة زمنية أو خريطة توزيع محددة للأنظمة، مما أدى إلى فوضى تنظيمية.

وتشدد في ختام حديثها على أن المطلوب ليس التراجع عن النظام، بل إعادة هندسة عملية التنفيذ، مقترحة أن تحدد الوزارة المدارس المطبقة للنظام الجديد على سبيل التجربة، مع ضمان استمرار النظام القديم كخيار بديل في كل إدارة تعليمية.

حاولت معدة التقرير التواصل هاتفيًا مع وزير التربية والتعليم الدكتور محمد عبداللطيف، والمتحدث الرسمي باسم الوزارة شادي زلطة، للحصول على تعقيب رسمي حول إجبار الطلاب على نظام البكالوريا، لكن لم تتلقى رد حتى نشر التقرير.