من الصعيد إلى التتويج.. "أماني أسامة" تواجه العنف الرقمي ضد النساء

صورة أرشيفية| أماني أسامة لحظة التكريم

Written By فاطمة محمد
2026-01-28 11:59:19

في جنوب الصعيد، حيث تُحاط بعض القضايا بجدار من الحذر، اختارت أماني أسامة أن تجعل صوتها مسموعًا في عالم البحث العلمي، وأن تسلط الضوء على واحدة من أكثر القضايا صمتًا في الصعيد وهي العنف الرقمي ضد النساء. 

أماني، 21 عامًا، طالبة بالفرقة الرابعة في كلية التربية النوعية بجامعة أسوان، لم تكتفِ بالدراسة النظرية، بل حولت شغفها إلى إنجاز ملموس، حين فازت بالمركز الثاني على مستوى الجمهورية في مسابقة بحثية أطلقها المجلس القومي للمرأة بعنوان "العنف ضد المرأة الذي تمارسه وسائل التكنولوجيا" في 9 ديسمبر الماضي، لتصبح تجربتها الأولى في البحث العلمي محطة فارقة في مسارها الأكاديمي والإنساني.

رحلة أماني مع القضايا الجندرية

لم يولد اهتمام أماني بالقضايا الجندرية فجأة، بل نما تدريجيًا على مدى ثلاث سنوات، حين تطوعت للعمل كمسؤولة دعم تقني في مؤسسة جنوبية حرة -مؤسسة نسوية تفتح مساحات آمنة للنساء في الجنوب لتعزيز حقوقهن ومشاركتهن في الحياة العامة-.

العنف الرقمي ضد النساء

هناك، كانت من بين أوائل ثلاث فتيات يعملن في مجال السلامة الرقمية على مستوى الصعيد، لتجد نفسها على تماس مباشر مع أشكال متكررة من العنف الإلكتروني، وهي تجربة جعلت القضية أكثر من مجرد فكرة، بل واقعًا يوميًا يطال فتيات وسيدات في فضاء رقمي يصعب السيطرة عليه -وفقًا لها-.

تقول لـ"عين الأسواني": "من تلك التجربة، ولدت قناعتي بأن المعرفة لا تكتمل إلا بالفعل، فقررت أن استثمر دراستي في قسم تكنولوجيا التعليم لخدمة مجتمعي، وربط النظرية بالتطبيق، كي تصبح رسالتي العلمية رسالة إنسانية تحاكي واقع النساء في الجنوب، وتفتح بابًا للحوار والمواجهة".

كانت الخطوة التالية بالنسبة لأماني تأتي من داخل جامعة أسوان، خلال مشاركتها قبل نحو عام في تقديم جلسة توعوية حول السلامة الرقمية للطلاب، حيث وجدت نفسها أمام تجربة مختلفة. 

هناك، تعرفت على وحدة مناهضة العنف ضد المرأة، وبدأت، في فهم أعمق لطبيعة أنشطة الوحدة، وكيف يمكن أن تكون مساحة دعم ومناصرة حقيقية.

لم تتردد كثيرًا قبل أن تقرر الانضمام إلى الوحدة، ومع الوقت، تبلورت رؤيتها حول العنف الإلكتروني بشكل أوضح: "هذا النوع من العنف لا يحظى بالاهتمام الكافي في محافظات الصعيد، حيث يُنظر إليه على أنه عيب أو فضيحة ويحذر حتى الحديث عنه، وليس كجريمة تستحق التدخل والمعالجة".

لماذا العنف الإلكتروني؟

ثم جاءت المحطة الأكثر تأثيرًا في حياة أماني وهي المسابقة البحثية التابعة للمجلس القومي للمرأة، حيث تصفها بأنها نقطة انطلاق دفعتها لتوجيه طاقتها نحو قضية العنف الإلكتروني بعمق وجدية.

حين أعلنت المسابقة البحثية، لم تتردد أماني في المشاركة: "العنف الإلكتروني أصبح من أخطر أشكال العنف الموجه للنساء، لا سيما في المجتمعات المنغلقة".

خصصت أماني مدة المسابقة -نحو 19 يومًا- لإنجاز بحثها الذي بلغ نحو أربعين صفحة، تناولت فيه مفهوم العنف الإلكتروني وأسبابه وأنواعه، مع اهتمام خاص بتتبع أثره في محافظات الجنوب.

العنف الرقمي ضد النساء

حكايات حقيقية.. وقانون غائب 

لم يقتصر البحث على الجانب النظري، ولكن اعتمدت أماني على ثلاث حالات واقعية لسيدات من الصعيد تعرضن للعنف الإلكتروني: "حرصت على عرض الوقائع بواقعية، مع توضيح الإجراءات القانونية الواجب اتخاذها، لإظهار أن القانون يقف إلى جانب النساء، وأن الإبلاغ ضرورة لا يجب التراجع عنها".

وتشير إلى أن الخوف من الوصم المجتمعي يمثل العائق الأكبر أمام لجوء النساء إلى القانون، حيث تفضل كثير من النساء الصمت على المواجهة، وهذا يمنح المعتدي مساحة أكبر للإفلات من العقاب، وفقًا لها، لذا اعتبرت أماني أن بحثها بمثابة رسالة مزدوجة: "أريد طمأنة النساء بأن القانون موجود، وفي الوقت ذاته تشجيعهن على عدم السكوت عن العنف الذي يتعرضن له".

ثم جاءت لحظة حصاد ثمار اجتهادها، حين أُعلنت نتائج مسابقة المجلس القومي للمرأة: "شعرت بسعادة غامرة حين أعلنوا النتائج، خاصة أنني كنت الفائزة الوحيدة من محافظتي، وكُرمت في القاهرة، وتسلمت شهادة تقدير من المجلس القومي للمرأة".

"العنف الرقمي ليس قدرًا، والصمت ليس حلًا"، شعار تتبعه أماني وهي تسعى لتحويل تجربتها ووعيها المجتمعي إلى معرفة موثقة، وأن تجعل من البحث العلمي أداة لمواجهة أحد أخطر أشكال العنف ضد النساء.