"بكار تِك".. فريق يحارب الأمية التكنولوجية في أسوان

صورة أرشيفية لأحد مؤسسي مبادرة بكار تك

Written By عمار جودة
2025-08-14 13:09:10

ثلاثة شباب، التقوا صدفة، ورغبوا في أن يكون لهم أثر، جمعتهم فكرة مشتركة؛ كيف نساعد أهل الجنوب في فهم التكنولوجيا وسط أمية رقمية طاغية؟، من هنا كانت الانطلاقة الأولى لمبادرة "بكار تك".

لم يكن عبدالرحمن مصطفى، خريج كلية التربية النوعية، وأحد مؤسسي المبادرة، يعرف أحمد حسن، خريج نظم المعلومات، والمؤسس الثاني للمبادرة، رغم أنهما من نفس القرية، إلى أن جمعهم القدر للالتقاء مع سارة عبدالظاهر، خريجة كلية التربية النوعية، ويبحث الثلاثة عن مبادرة لمكافحة الأمية التكنولوجية في أسوان.

بداية "بكار تك"

يقول عبدالرحمن إن فكرة "بكار تك" وُلدت من واقع ملموس: "لاحظنا أن كثيرًا من الناس في أسوان يحتاجون إلى المساعدة في التعامل مع التكنولوجيا، وبدأنا ندرك أن هناك أمية رقمية حقيقية في المجتمع"، حاول هو وأصدقاؤه أن يبادروا بحلول بسيطة، فعرضوا على الناس حضور ورش ومحاضرات تعريفية، لكنهم قوبلوا بالسخرية: "كانوا بيضحكوا علينا، وقالوا إننا مجانين".

مبادرة بكار تك ومحو الأمية التكنولوجية في أسوان

لكن الفكرة لم تفارق عبدالرحمن، حيث قرر طرحها في أقرب مكان، وعرض على أساتذته في الكلية استخدام معمل الحاسب لتنظيم ورش لطلاب الفرقة الأولى، يشرح فيها بأسلوب مبسط طبيعة المواد التي يدرسونها ومتطلبات سوق العمل، ويقدم لهم لمحة عن البرامج التي قد يحتاجونها مستقبلًا.

وبدأت التجربة بتنظيم ثلاث ورش فعلية، وفي واحدة منها كانت سارة حاضرة، لتطرح سؤالًا لتنطلق المبادرة: "ليه ما نخليش الورش دي مبادرة مستمرة؟ كل مرة نشرح فيها مجال جديد من مجالات التكنولوجيا؟".

انضم إليهما أحمد، وقرر الثلاثة إنشاء جروب مغلق لمناقشة خطواتهم المقبلة، ووضع هدف واستراتيجية للمبادرة، وفي خضم تحضيراتهم، صادفوا إعلانًا عن مبادرة "اتعلم وعلّم خمسة" في مؤسسة "ملاذ"، رأوها فرصة للانطلاق، وشاركوا فيها دون مسمى للمبادرة حتى تلك اللحظة. 

قرروا تقديم محتوى مجاني بالكامل عن شهادة "ICDL"، ورفضوا الحصول على أي مقابل مالي، حتى عندما عُرضت عليهم "بدلات بسيطة" كمصروفات، تمسكوا بموقفهم: "كنا بنعتبر ده زكاة علم".

وفي 25 أكتوبر، وُلد اسم "بكار تك" لم يأتِ بسهولة، بل بعد "حروب لطيفة" كما وصفها عبد الرحمن بين الثلاثة لاختيار اسم يُشبههم ويحمل روح فكرتهم.

ما هي مبادرة "بكار تك"؟

تهدف مبادرة "بكار تك" إلى محو الأمية التكنولوجية، من خلال تعليم الأطفال الاستخدام الآمن والفعّال للتكنولوجيا، وتعزيز وعيهم بالأمن المعلوماتي، وتمكين أولياء الأمور من مواكبة التطورات التكنولوجية، من خلال إرشادهم إلى أساليب الرقابة الأبوية، وكيفية حماية أبنائهم من المحتوى غير الملائم، بما يشمل المواقع المشبوهة، والأفكار الإلحادية أو المتطرفة التي قد تهدد ثوابتهم الدينية والفكرية.

وتولي "بكار تك" اهتمامًا خاصًا بالموظفين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب التحول الرقمي، دون تأهيل كافٍ، فهناك من يواجه صعوبة في استخدام علامات الترقيم أو تغيير لغة الكتابة على الحاسوب، ما يؤدي إلى تعطيل مصالح المواطنين وتعقيد إجراءات الخدمة.

أما طلاب الجامعات، فإن التكنولوجيا تمثل عاملًا مشتركًا لا غنى عنه في جميع التخصصات، بحسب عبدالرحمن، حتى تلك التي لا تندرج ضمن المجالات التقنية، وهو ما يجعل تدريبهم على الأدوات الرقمية ضرورة لا ترفًا.

وتتجلى قيمة المبادرة بشكل أكبر في استهدافها للمناطق المهمشة داخل القرى، كانت البداية من قرية "أبو الريش بحري"، حيث نظّمت المبادرة أولى ورشها حول التحول الرقمي، إضافًة إلى ورشة برمجة مخصصة للأطفال، لتفتح أمامهم أبوابًا جديدة من المعرفة في سن مبكرة.

تحديات على الطريق

في بداية عمل "بكار تك" داخل قرية "أبو الريش بحري"، واجه الفريق تحديًا كبيرًا حين اكتشف أن البدء بتعليم البرمجة للأطفال لم يكن الخيار الأنسب، لأن المفاهيم الأساسية مثل "ما هو الكمبيوتر؟" كانت غائبة عن أذهانهم. 

مبادرة بكار تك ومحو الأمية التكنولوجية في أسوان

ويوضح عبدالرحمن، أنه رغم الإعلان المطوّل عن الورش، لم يكن الإقبال كبيرًا، ما دفع الفريق لتنظيم ندوات توعوية بمساعدة مركز "ITI"، وشيئًا فشيئًا بدأ الحضور يزداد، لاحقًا نقلت سارة، الفكرة إلى مركز كوم أمبو، وقدمت محاضرات أونلاين، قبل أن تصبح مدربة معتمدة في التحول الرقمي للموظفين، ضمن برنامج استمر شهرًا.

وكان التحدي الأبرز أن المبادرة غير ربحية، ورغم ذلك، بدا الأثر واضحًا؛ وفق عبدالرحمن، حيث تلقى الفريق ردود فعل محفزة على الورش والتدريبات، وأسهمت الأنشطة في تغيير سلوك الأطفال ومساعدتهم على اكتشاف اهتماماتهم وأحلامهم، لذا يأمل القائمون على المبادرة التعاون مع كيانات مختلفة.

أحلام "بكار تك"

يحكي عبدالرحمن أبرز قصص النجاح التي يفخر بها أعضاء المبادرة: "شاب حديث التخرج في كلية الحقوق، بدأ مسيرته المهنية في المحاماة دون أي خلفية تكنولوجية، تواصل معنا لينضم إلى تدريبات المبادرة، وتعلّم أساسيات برامج الأوفيس وبعض المهارات الرقمية العامة، وسرعان ما استطاع تصميم شعار خاص به، وتحويل جزء كبير من عمله الورقي إلى صيغة رقمية، ما سهّل عليه مهامه اليومية".

يضيف: "لذا نطمح في بكار تك إلى التحول من مبادرة صغيرة إلى مؤسسة تُعنى بالتثقيف الرقمي، والوصول إلى 60% من مراكز وقرى أسوان لنشر الوعي التكنولوجي والتعاون مع داعمين، بدأنا بالفعل خطوة للتوسع من الإسكندرية، حيث يدرّب أحد الزملاء هناك مجموعة لتعميم التجربة، ونخطط لدراسة احتياجات المجتمعات المختلفة لتطوير المناهج وتثبيتها".

يحلم فريق "بكار تك" وصول التكنولوجيا إلى كل بيت في أسوان، حتى لو تعلم كل شخص الحد الأدنى من المهارات الرقمية الأساسية.