قطار 1940.. هموم نزوح السودانيين وحيرة العودة إلى الرصاص

Photographer: فاطمة محمد - أهالي السودان على متن قطار 1940

Written By أمنية حسن - فاطمة محمد
2025-07-30 13:08:48

ما أن انطلقت صافرة القطار رقم 1940، معلنة دخوله محطة قطار السد العالي بأسوان خلال ساعات الفجر الأولى من يوم الثلاثاء الماضي، حتى التقطت سارة عواض، 40 عامًا، سودانية، أنفاسها، إذ إن المحطة التالية من تلك الرحلة ستكون باتجاه العودة إلى الوطن.

جلست سارة على الرصيف بعد أن وصل القطار، اتكأت على حقيبتها بعد رحلة شاقة امتدت لأكثر من اثنتا عشرة ساعة من محطة رمسيس بالقاهرة، بانتظار استكمال طريق العودة إلى وطنها السودان.

سارة، أستاذة جامعية من ولاية الخرطوم بحري، قررت العودة إلى الوطن بعد إعلان الهيئة القومية لسكك حديد مصر في يوليو الجاري، تسيير رحلات أسبوعية لنقل السودانيين الراغبين في العودة الطوعية إلى وطنهم، مرورًا بمحافظة أسوان.

حكاية سارة.. فقدت والدها وتعود للوطن

تقول سارة وهي تحمل في صوتها حنينًا للوطن لا تخطئه الأذن: "أتذكر جيدًا حياتنا المستقرة قبل الحرب"، كانت تعمل معيدة في جامعة السودان، تعيش حياة هادئة ومستقرة، حتى صباحٍ استثنائي قلب كل شيء رأسًا على عقب: "صحيت على صوت الرصاص، افتكرت الموضوع هيعدي لكن الدنيا مشيت في اتجاه تاني".

منذ تلك اللحظة في العام 2023، بدأت رحلة النزوح الطويلة، من الخرطوم إلى القاهرة، بحثًا عن الأمان، لكن أثقل ما تركته رحلة النزوح في قلبها وهو فقدان والدها، جاء معها إلى مصر قبل عام، لكنه لم يكمل الرحلة ومات في منتصف الطريق.

رغم قسوة الرحلة، وجدت سارة في مصر شيئًا من العزاء: "كان الشعب المصري كريمًا في استقباله، وواصل أبنائي تعليمهم".

ومع إعلان رحلات العودة الطوعية، قررت سارة أن تعود، أكثر ما تتطلع إليه هو زيارة منزل والدها الراحل، كأنها بذلك تغلق دائرة الرحلة التي بدأها معها. 

صلاح: "أريد رؤية منزلي القديم"

يتشارك صلاح علي، 61 عامًا، سوداني، نفس الشعور مع سارة، إذ يرغب بشدة في رؤية منزل العائلة في ولاية الخرطوم، لذا قرر الالتحاق بقطار رحلات عودة السودانيين بعد عام أمضاه في مصر، حيث حمله النزوح القسري بعيدًا عن الاستقرار الذي كان يعيشه.

قطار 1940 لنقل السودانيين من القاهرة إلى أسوان

كان صلاح يعمل سائقًا على الطريق الرابط بين السودان ومصر لكن الحرب قلبت المشهد رأسًا على عقب، جعلته ينزح إلى القاهرة: "القرار لم يكن سهلًا ولكن أسرتي بها نساء لم يتحملن الحرب".

ورغم مرور عام على النزوح، ما زال صلاح يشعر بالمرارة ويتمسك بالعودة إلى الوطن، لذا مع فتح باب العودة الطوعية، قرر أن يعود بمفرده أولًا، ليُصلح ما أفسدته الحرب في منزله، يهيئه لاستقبال أسرته لاحقًا، خاصة وأن لديه بنات متزوجات وأحفاد صغار.

هربًا من الرصاص 

حين نزحت سارة الصديق، 30عامًا، سودانية من أم درمان إلى مصر قبل عامين، كانت مدفوعة بنفس شعور الخوف الذي اختلج صلاح، لم يكن القرار سهلاً، لكنها أرادت إنقاذ أطفالها الذين كانوا يرتجفون من أصوات القصف والرصاص الطائش. 

خرجت من السودان برفقة أولادها ووالدتها وأخواتها، فيما بقي زوجها هناك، رغم زيارته لهم مرتين خلال فترة وجودهم في مصر: "رحلة النزوح كانت شاقة، رغم استقبال أهل مصر لنا إلا أن الإنسان يفضل العيش في وطنه".

استقرت سارة في منطقة الجيزة، لكنها لم تنس حياتها في السودان، إذ تفتقد تفاصيلها اليومية وروتينها البسيط هناك، لذا انضمت إلى قطار العودة فور الإعلان عنه، مؤكدًة أن دافعها الأساسي هو استكمال تعليم أطفالها الذي توقف منذ اندلاع الحرب: "رجوعنا مش بس حنين، ده حق أولادنا في مستقبل أفضل".

ربما اضطرت سارة وصلاح وآلاف غيرهم من السودانيين للنزوح قبل عامين، تاركين وراءهم حربًا ودمارًا، لكن السودان لم يغادر قلوبهم يومًا، حين فُتح أول باب للعودة، لم يترددوا؛ فكان القطار رقم 1940 هو طريقهم إلى الوطن.