"ينزحون الصرف الصحي بأيديهم".. أمراض معوية تصيب أطفال نجع الماسخ

Photographer: حبيبة حجازي - تسرب مياه الصرف الصحي بقرية نجع الماسخ

Written By حبيبة حجازي
2026-04-16 15:41:26

"كل أسبوعين ننزح مياه الصرف من البيارة خصوصًا في الشتاء، ولما بتصل برقم بالصرف الصحي 125 عشان يبعتوا سيارة مبتجيش، وساعات تانية تطلب 380 جنيهًا للمرة الواحدة وهو مبلغ كبير، خصوصًا إنهم مبينزحوش المواد الثقيلة"، تصف ثناء أيمن، 45 عامًا، وضعًا مأساويًا لسكان نجع الماسخ في محافظة سوهاج.  

تقول ثناء إن المعاناة لا تتوقف عند حدود الروائح الكريهة أو امتلاء البيارات، بل تمتد إلى صحة أطفالها، موضحة أنها تضطر مع أبنائها الثلاثة إلى نزح مياه الصرف: "فصل الشتا اللي فات فجأة اشتكى أحد أطفالي من ألم شديد في معدته، وبدأ في القيء وإتصاب بنزلة معوية".

تسرب مياه الصرف الصحي في قرية نجع الماسخ

لا استجابة رغم "البيارات"

يعاني سكان نجع الماسخ من عدم استجابة الشركة القابضة للمياه والصرف الصحي، فعند طلب سيارات نزح ما يدفعهم للاعتماد على النزح الذاتي والإصابة بأمراض جلدية ومعوية.

قرية نجع الماسخ تتبع مدينة المراغة التي تبلغ مساحتها نحو 926.2 كيلومترًا مربع، بما يعادل حوالي 220.523.80 فدانًا، وتمثل نحو 8.40% من إجمالي مساحة محافظة سوهاج، ويصل عدد سكان المركز إلى 388.474 نسمة، بنسبة 8.34% من إجمالي سكان المحافظة.

تسرب مياه الصرف الصحي في قرية نجع الماسخ

تعتمد المنطقة على بيارات صغيرة عبارة عن غرف تحت الأرض تمتلئ سريعًا وتحتاج إلى تفريغ متكرر، إلا أن سيارات النزح لا تصل إلا نادرًا، مرة أو مرتين كل ستة أشهر وفق شهادات الأهالي لـ"أهل سوهاج". 

- البيارات هي حفر أو خزانات أرضية تُنشأ لتجميع مياه الصرف الصحي والمخلفات المنزلية والمنشآت في المناطق التي لا تتصل بشبكة الصرف الصحي العمومية.

ذلك ما يحدث مع عمر خالد، 38 عامًا، أحد سكان النجع، إذ تتضاعف معاناة أسرته في فصل الشتاء حيث تمتلئ البيارة سريعًا، فيضطر إلى الاستعانة بإخواته لنزحها بأنفسهم، لكون سيارات النزح لا تأتي إلا مرة واحدة في العام برسوم 450 جنيهًا للمرة الواحدة.

تسرب مياه الصرف الصحي في قرية نجع الماسخ

 ويستعيد واقعة حدثت له: "كنت بنزح أنا وإخواتي، لقيت ابني بيلعب في جردل مياه الصرف"، موضحًا أن طفله أصيب بتسمم نتيجة ملامسة المياه الملوثة، ظل ثلاثة أيام داخل مستشفى سوهاج العام، كما أصيب هو وزوجته أيضًا بأعراض نزلة معوية.

يشكل الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي شرطًا أساسيًا لعيش حياة كريمة ودعم حقوق الإنسان.

تأثير الصرف على صحة الأطفال

يؤكد ذلك الدكتور محمد حسن خليل، رئيس لجنة الحق في الصحة، أن حقوق الصحة العامة تستند بالأساس إلى توفير المياه النقية، والتخلص الآمن من مياه الصرف الصحي، وأنظمة إدارة القمامة بشكل صحي.

ويوضح لـ"أهل سوهاج" أن ما يحدث مع أهالي نجع الماسخ يساهم في زيادة انتشار الأمراض: "هناك طريقتين رئيسيتين لانتقال العدوى، الأولى عبر المياه الملوثة، والثانية عن طريق الهواء أو من شخص إلى آخر"، مشددًا على أن التعامل مع مياه الصرف الصحي يجب أن يكون من خلال الشركة القابضة للمياه والصرف الصحي، نظرًا لأن العاملين بها مجهزون للتعامل مع هذه المخلفات.

بينما يلقي الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، الضوء على جانب آخر من الأزمة، وهو أن غياب خدمات الصرف الصحي في بعض المناطق يُعد امتدادًا لضعف التخطيط العمراني وغياب إدراج هذه المناطق ضمن خطط المرافق الأساسية، مبينًا أن هذا القصور يترك السكان معتمدين على حلول بديلة غير آمنة مثل البيارات الفردية.

الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية

- أعلنت محافظة سوهاج في يناير الماضي عن إنشاء محطة معالجة الصرف الصحي "المراغة 1" بتكلفة 80 مليون جنيه، بينما تضم المحافظة قرابة 18 محطة صرف صحي.

في شتاء العام الماضي، فوجئ محمد جلال، 40 عامًا، مقيم في نجع الماسخ، بابنته وهي تتقيأ وتعاني من ارتفاع في درجة الحرارة: "رغم أنها لم تشارك في نزح البيارة معنا، إلا أنها أصيبت بأمراض في المعدة نتيجة دخول مياه الصرف الصحي للمنزل وبقائها أيام".

كما أصيبت طفلته الصغيرة البالغة 4 سنوات بنزلة معوية، مؤكدًا أن الأمراض المعوية تنتشر بين أفراد أسرته سنويًا تزامنًا مع نزح البيارة، إذ يضطر هو وأبناؤه الثلاثة وزوجته إلى نزح البيارة من مرتين إلى ثلاث مرات في الشهر، ولكن يصابوا بعدها بنزلات معوية وطفيليات في المعدة.

واقع سكان النجع.. الحياة مع التسريب!

وتتسق تلك الأعراض مع حديث الدكتور هشام عبد الهادي، استشارى أمراض الباطنة والجهاز الهضمي، الذي يوضح أن أبرز الأعراض تشمل ارتفاع درجة الحرارة، واضطرابات هضمية، فقدان السوائل، إضافةً إلى ضيق أو صعوبة في التنفس.

وأظهرت دراسة للدكتورة شيماء رفاعي، أستاذة قسم الطفيليات الطبية بكلية الطب جامعة سوهاج، ونشرت في مجلة أسوان الطبية في 1 مارس الماضي بعنوان "انتشار مرتفع للعدوى الأولية: الوضع الحالي للعدوى الطفيلية المعوية في سوهاج"، أن 60.44% من عينات براز المرضى في مستشفيات سوهاج كانت مصابة بطفيليات معوية مختلفة. 

ويؤكد الدكتور هشام أن تسرب مياه الصرف الصحي يشكل خطرًا صحيًا كبيرًا بسبب احتوائها على ملوثات وبكتيريا ضارة، أبرزها بكتيريا السالمونيلا وغيرها من الكائنات الدقيقة التي تسبب الإصابة بعدة أمراض. 

ويوضح لـ"أهل سوهاج" أن هذه الملوثات تؤثر بشكل أساسي على الجهاز الهضمي، مسببة نزلات معوية متكررة وحالات تسمم غذائي، تترافق عادة مع أعراض مثل الإسهال والقيء، ما يؤدي إلى فقدان السوائل والإصابة بالجفاف.

يشهد نصيب الفرد من المياه النقية في مصر تراجعًا ملحوظًا، حيث بلغ حاليًا نحو 600 متر مكعب للفرد سنويًا مقابل احتياجات البلاد البالغة 114 مليار متر مكعب. بينما تقدر الهيئة العامة للاستعلامات أن نصيب الفرد من الموارد المائية انخفض خلال السنوات الماضية من 950 مترًا مكعبًا إلى 650 مترًا مكعبًا سنويًا، وتسجل سوهاج متوسط 54.3 م3 لكل مواطن.

أظهرت جولة ميدانية أجرتها "معدة التقرير" أن جميع المنازل في نجع الماسخ تعتمد على البيارات، مع وجود بعض المنازل التي تستخدم حفرًا أعمق تُعرف بـ"آيسون" تقع خارج المنزل، ويعتمد عليها نحو 30% إلى 40% من السكان لتصريف مياه الصرف الصحي.

كما تبين أن جميع المنازل تخلو من شبكات الصرف الصحي، إذ يحتوي كل منزل مكون من ثلاثة طوابق على بيارتين: واحدة داخل المنزل وأخرى خارجه، وغالبية المنازل غير مؤهلة للبناء العميق، ما يحد من إمكانية تعميق البيارات.

فيما تبلغ تكلفة نزح البيارات السنوية للأسرة مثالًا على ذلك: إذا كانت تكلفة النزح في المرة الواحدة 380 جنيهًا، وتتم 30 مرة في السنة (بموجب مرتين أو ثلاثة أسبوعيًا خلال فصل الشتاء)، فإن التكلفة قد تصل إلى 11,400 جنيه سنويًا.

نجع الماسخ غير مدرجة

- "تؤكد منظمة الصحة العالمية أن 1.5 مليار شخص حول العالم لا يحصلون على خدمات صرف صحي أساسية" الدكتور حمدي عرفة خبير التنمية المحلية.

- غياب شبكات الصرف الصحي يشكل خطرًا صحيًا كبيرًا، إذ يؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية مثل الكوليرا أو الإسهال والتيفوئيد نتيجة تلوث مياه الشرب والمياه الجوفية.

ويشير عبد الهادي إلى أن التأثير لا يقتصر على الجهاز الهضمي فقط، بل يمتد أيضًا إلى الجهاز التنفسي نتيجة استنشاق الروائح والغازات المنبعثة من مياه الصرف، ما قد يسبب صعوبة في التنفس والتهابات بالجهاز التنفسي. 

تتفاقم معاناة سكان النجوع والقرى في محافظة سوهاج في ظل استبعادهم من المرحلة الأولى لمشروع "حياة كريمة"، وفق ما أوضح محمد رشاد، مدير فرع الصرف الصحي بالشركة القابضة للمياه والصرف الصحي بفرع المراغة لـ"أهل سوهاج". 

وأشار رشاد إلى إمكانية إدراج هذه المناطق في المرحلة الثانية من المشروع بعد انتهاء المرحلة الأولى، موضحًا أن المشروع يتبع الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي، فيما يقتصر دور الشركة القابضة على تشغيل وصيانة المشروعات بعد استلامها.

يقترح حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، حلول بديلة للمناطق التي يصعب ربطها بالشبكة العامة، مثل الخزانات البيولوجية أو وحدات المعالجة المحلية الصغيرة، مؤكدًا أن الحل النهائي يكمن في توسيع شبكات الصرف الصحي وربط جميع المناطق بها.

يضطر عمر وجلال وثناء إلى نزح مياه الصرف بأنفسهم، ما يعرضهم وأطفالهم للأمراض المعوية وتسمم الغذاء،  لتظل حياتهم اليومية حلقة مستمرة من المعاناة وسط مياه ملوثة يفتقدون معها إلى أبسط حقوقهم في الصحة.