في حيّ تل الهوى جنوب مدينة غزة فقد الطفل محمود، 9 أعوام، والديه وأخته الصغيرة في قصف طال منزلهم في نوفمبر 2023، نجا وحده لأنّه كان يشتري الخبز مع جاره، ليجد نفسه، في لحظة، يتيم الأبوين وحيدًا بلا أسرته.
حسب وزارة الصحة في غزة، "35 ألف طفل فقدوا أحد الوالدين أو كليهما"، خلال عام واحد فقط من الحرب.
في غزة وخارجها، ما زالت الحروب والصراعات تحصد الأرواح، وتترك خلفها أجيالًا كاملة من الأيتام الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة عالمٍ قاسٍ بلا مأوى آمن ولا ذراع حنون، هؤلاء الأطفال لا يعانون فقط من فقدان ذويهم، بل يواجهون آثارًا اجتماعية واقتصادية ونفسية قد تلازمهم مدى الحياة.
في ظل الحرب، يعيش الأطفال يوميًا تحت وطأة "قلق البقاء": نومٌ متقطّع وخوفٌ من أصوات الطائرات وفقدان الإحساس بالأمان وصدمات مستمرة دون دعم نفسي كافٍ.
قبل الحرب على غزة، أشارت تقديرات منظمة اليونيسف إلى أن عدد الأطفال في القطاع الذين يحتاجون لخدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي يتجاوز نصف مليون طفل، حاليًا، تشير تقديرات المنظمة إلى أن أطفال القطاع جميعهم تقريبًا في حاجة لتلك الخدمات أي ما يتجاوز مليون طفل.
فى السودان، الذي يعيش صراعًا طويلًا منذ أبريل 2023، المشهد لا يقل قسوة، "أكثر من 16 مليون طفل بحاجة ماسّة إلى المساعدة، ونحو 17 مليون طفل خارج المدرسة"، حسب اليونيسف.
ما بين النزوح والجوع وفقدان الأهل والصدمات البصرية المستمرة بسبب العنف والقتل والتعذيب، يقضي هؤلاء الأطفال أيامًا صعبة.
في شمال دارفور، كشف مسح أجرته منظمة اليونيسف مؤخرًا شمل ما يقرب من 500 طفل، بإحدى محليات الولاية، عن أن "معدل سوء التغذية الحاد يبلغ 53%"، أي أن أكثر من نصف الأطفال الذين شملهم المسح "يعانون من سوء التغذية الحاد، بما في ذلك حالات وخيمة تهدد الحياة، في ظل استمرار القتال وقيود شديدة على وصول المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة".
وفقًا لليونيسف أيضًا، فإن "ما يقرب من 110 ملايين طفل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعيشون في بلدان متأثرة بالصراعات"، ما يوازي نصف أطفال هذه المنطقة كما تشير المنظمة.
هؤلاء الأطفال ربما لا يتذكرون آخر مرة جلسوا فيها على مقعد دراسي، فكلما فقد طفل كتابه أو مدرسته يخسر عامًا من مستقبله الدراسي.
مدارس القطاع خرجت من الخدمة، بسبب القصف والتدمير، أو بتحوّلها لأماكن للنازحين ومئات الآلاف من الأطفال في المراحل التعليمية المختلفة باتوا خارج المدرسة.
وكذلك في السودان الذي دمّرت الحرب بنيته التعليمية، خاصةً في مناطق الاشتباكات في دارفور والفاشر، هذا يعني أن الأثر المدمر للحرب لا يقتصر على الحاضر فقط، بل يهدد أيضًا المستقبل.
منظمات الإغاثة الدولية غير قادرة على الوصول بشكل كامل للأطفال في غزة والسودان، ليبقى الطفل في الحروب الحلقة الأضعف، دائمًا.
أطفال يحلمون فقط بمكان آمن.. دافئ، يحميهم من المطر والصقيع.. باللعب.. بوجبة كاملة ونومٍ بلا رصاص، تظل أحلامهم بعيدة، بل يُستغل بعضهم للتجنيد في الحرب، أو كأدواتٍ دعائية.
أعتقد أن الحل يبدأ من الدعم النفسي والاجتماعي طويل الأمد، مع التركيز على إعادة دمج الأطفال في التعليم باعتباره أداة أساسية لتغيير مصيرهم، وتوفير التمويل الكافي لبرامج الرعاية وإعادة التأهيل، إن حماية هؤلاء الأطفال ليست فقط واجبًا إنسانيًّا، بل هي استثمار حقيقي للعالم.
تترك الحروب جروحًا لا تندمل في القلوب الصغيرة، يحتاج أصحابها إلى الإنقاذ والحماية، وإذا لم يكن الطفل هو أول من نحميه… فمن نحمي إذن؟
في اليوم العالمي ليتامى الحروب نعيد التذكير بهؤلاء الأطفال، وهم جديرون بأن يبقوا دائمًا في الذاكرة.