بعد حوت "الأوركا".. هل الذكاء الاصطناعي يتحكم في عواطفنا؟

تصميم| محمد صلاح

Written By حبيبة حجازي
2025-09-21 17:56:17

منذ فترة قصيرة، اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لفتاة تُدعى "جيسيكا رادكليف"، مدربة لحوت "الأوركا"، ظهرت فيه وهي تتعامل مع الحوت الذي قيل إنها دربته لفترة تراوحت بين خمس إلى عشر سنوات. 

لكن الصدمة كانت حين أظهر الفيديو الحوت وهو يلتهمها خلال العرض، ما أثار موجة واسعة من الحزن والتعاطف مع جيسيكا، خاصة بين الأطفال الذين تأثروا بالمشهد وظلوا يتخيلون طرقًا لإنقاذها.

وبينما تعاطف البعض مع الحوت باعتباره تصرف وفق غريزته الطبيعية، كانت الغالبية متأثرة بمصير المدربة، ومع تصاعد الجدل، تبيّن لاحقًا أن المقطع مزيف بالكامل وصُنع بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهنا يطرح السؤال نفسه: "هل أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على خداعنا والتلاعب بمشاعرنا إلى هذه الدرجة؟".

لقد دخل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا اليومية بشكل لم يعد خفيًا، هناك من يستخدمه كطبيب نفسي، رغم أنه قد يخزن معلومات حساسة عن المستخدمين يمكن استغلالها في أي وقت، كما لجأ الطلاب إليه لفهم المناهج الدراسية وحل الواجبات، ما يهدد العملية التعليمية ويضعف من تطورهم الحقيقي بسبب عدم التفاعل الواقعي مع المدرسين.

وفي مجالات أخرى، استعان به البعض لاختيار الملابس، أو تصميم ديكورات المنازل، أو حتى الاستعانة به في تربية الأبناء عبر الصور والفيديوهات، وبهذا تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لانتهاك الخصوصية، بل وأشبه بالتنويم المغناطيسي الطوعي.

الأمر لم يتوقف هنا؛ فقد استخدمه بعض كبار السن والمرضى المزمنين كبديل عن الأطباء، سواء في تشخيص الأمراض أو ضبط جرعات الأدوية، ما أدى في أحيان كثيرة إلى تدهور حالاتهم الصحية، كما أصبح أداة في التغذية والرجيم، أو في تقديم إسعافات أولية للحروق واللدغات، بدلاً من اللجوء إلى المستشفيات، وهو ما يضاعف المخاطر على حياة الناس.

الأطفال والمراهقون بدورهم أصبحوا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كمرشد دائم في حياتهم، مما قد يزيد من سوء تصرفاتهم وأضعف ثقتهم بأنفسهم، وأدى في بعض الحالات إلى العزلة والعدوانية، كما استُخدم في الاستشارات القانونية، رغم أنه قد يقدم معلومات مغلوطة، وهو ما يهدد الحقوق والعقود القانونية.

ولم يسلم التاريخ والجغرافيا أيضًا من أخطاء الذكاء الاصطناعي، إذ قدّم تفسيرات وتقسيمات خاطئة للبلاد والحضارات، رغم وجود دلائل أثرية وخرائط قديمة تثبت العكس، أما أخطر ما في الأمر، فهو استخدامه في الاحتيال الإلكتروني وصناعة الفيديوهات غير اللائقة، ما ساعد على نشر التضليل وتعزيز التفرقة العنصرية وزيادة التفكك الأسري.

اليوم، بات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل تفاصيل الحياة واضحًا: تصميم البرامج والصور وتحرير البيانات وإنجاز المهام اليومية، حتى أصبح الناس أسرى لهذه التقنية، فاقدين لمهاراتهم وإبداعاتهم الفكرية.

وإذا استمر هذا المسار، فالمستقبل يحمل الكثير من التحديات؛ فرغم أهمية الذكاء الاصطناعي إلا أنه قد يسيطر على الوظائف، ويقصي الكفاءات البشرية، ما قد يؤثر على الاقتصادات والدول، بل قد يتلاعب بالرأي العام عبر "التزييف العميق" ونشر المعلومات المضللة.

في النهاية؛ يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل قوة قادرة على إعادة تشكيل حياة الإنسان وخصوصيته بالكامل، والسؤال هل نحن من نتحكم في هذه التقنية، أم أنها بدأت تتحكم فينا؟