من "الأفندي" إلى "الأزهري".. عم أحمد صانع طرابيش منذ 45 عامًا

Photographer: رحمة أشرف - عم أحمد صانع الطرابيش

Written By رحمة أشرف
2025-08-21 10:00:04

في قلب منطقة العارف بمحافظة سوهاج، حيث تمتد الأزقة الضيقة وتتداخل أصوات الباعة، يجلس "عم أحمد الطرابيشي"، 60 عامًا، في دكان صغير لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، لكنه يحمل في تفاصيله سنوات من العمل في صناعة الطرابيش القديمة، التي ربما لم يَعُد كثيرون يرتدونها.

يمسك أحمد بالصوف يثبته بأنامله التي اعتادت العمل على تلك الصناعة، ويغلفه بطبقة حرير ناعمة، تليها قماشة صوف تعكس أصالة الماضي، ثم يضيف لمسته الأخيرة بخيوط "الزر" الرقيقة، تلك التي تُكوّن الشرّابة المميزة في أعلى الطربوش الأحمر.

بإيقاع هادئ وصبر لا يعرف التسرّع، يتحول كل طربوش بين يديه إلى تحفة كانت قديمًا تلقى إقبالًا واسعًا ولكنها اندثرت جيلًا بعد جيل، بينما عم أحمد يحمل قصة صناعة الطربوش الأحمر.

45 عامًا من صناعة الطرابيش

وُلد أحمد الطرابيشي في مدينة سوهاج، داخل بيت لا يعرف سوى صناعة الطربوش؛ حتى أصبحت المهنة تجري في عروقه كما كانت مع والده وأجداده، يقول مبتسمًا: "اتعلمتها من وأنا عندي 15 سنة، والدي هو اللي علمني، وبعد كدة أصبحت بحب المهنة دي".

صانع الطرابيش

رغم هذا التعلّق العاطفي بالحرفة، يعترف أحمد أن الطريق ليس سهلًا، بسبب عدم الإقبال الحالي على شراء الطرابيش ولكون الاستمرار لم يكن خيارًا اقتصاديًا بقدر ما كان وفاءً للتراث، مضيفًا بأسى: "المهنة مش بتكسب ومتفتحش بيت، علشان كده بشتغل كمان في الخياطة والسرفلة عشان أقدر أعيش".

الطربوش بالنسبة لأحمد الطرابيشي ليس مجرد "قبعة" تقليدية، بل قطعة فنية وهندسية دقيقة تستلزم الصبر والدقة: "زمان الطربوش كان رمز اجتماعي وثقافي وسياسي في مصر، امتد تأثيره من القرن الـ19 لحد منتصف العشرين، واللي دخله محمد علي، عشان كان بيحاول وقتها يحدث الدولة ويحسن المظهر العام، ووقتها اتفرض كزي رسمي للجنود، ثم انتقل إلى موظفي الحكومة والأعيان، ومن ثم عامة الشعب".

صانع الطرابيش

يضيف: "لكن بعد ثورة 52، كل حاجة اتغيرت، الجمهورية الجديدة مكنتش عايزة أي حاجة من أيام الملك، وابتدوا يبعدوا عن الطربوش، واعتبروه رمز من رموز البرجوازية والتمييز الطبقي، ومن ساعتها، الطربوش بدأ يختفي لحد ما بقى أثر بعد عين".

مهنة "الطرابيش" لا تورث

يشرح طريقة تنفيذه: "بنبدأ بالخوص، نشكله على هيئة الطربوش، وبعدين نلف عليه حرير، وبعده طبقة من الصوف، وفي الآخر نضيف خيوط الزر، كل ده بإيدي من غير ماكينات".

يوضح أحمد أن هناك نوعين أساسيين من الطرابيش كلاهما بنفس السعر 100 جنيه، الأول هو "الطربوش الأزهري"، ويستغرق في صناعته نحو ساعتين، ويُطلب غالبًا من مشايخ الأزهر والأوقاف، أما النوع الثاني، فهو "طربوش الأفندي"، الذي أصبح نادرًا للغاية، ويحتاج يومًا كاملًا لصنعه، يقول: "مبقاش يطلبه غير شخصين اتنين بس من الصعيد كله".

صانع الطرابيش

أما عن الخامات، يؤكد أن جميعها تُجلب من مصنع في القاهرة، وأن الأدوات المستخدمة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى عين خبيرة، وأصابع متمرسة، وروح صبورة لا تملّ من التكرار والدقة.

ورغم أن أحمد أمضى حياته بين الخوص والصوف وخيوط الزر، إلا أن هذه الحرفة العريقة لم تجد طريقها إلى الجيل الجديد من عائلته، يقول بأسف: "حاولت أعلّمها لولادي، بس هما مش حابينها، وبيقولوا مالهاش مستقبل، وأنا ما رضيتش أضغط عليهم عشان الإقبال قليل".

اليوم، لم يتبق من شعبية الطربوش سوى أطياف باهتة، بعض طلاب الأزهر، وشيوخ الأوقاف، ومحبّو التراث والفنانون، أما أحمد الطرابيشي، ربما يكون آخر من يُحاك الطربوش على يديه، لا كقطعة ملابس، بل كذاكرة تختبئ بين خيوط الحرير والخوص والصوف، وتحاول أن تصمد في وجه النسيان.