"تاكسي البنات".. منى سائقة للسيدات فقط في صعيد مصر

صورة أرشيفية لمنى إبراهيم

Written By رحمة أشرف
2025-07-31 12:09:30

في مجتمع ما زالت بعض المهن تُنظَر إليه كأنها حكر على الرجال، قررت منى إبراهيم، 39 عامًا، سيدة من قلب صعيد مصر، أن تكسر هذا القيد الاجتماعي وتخطو بثقة نحو مجال مختلف، اختارت أن تستغل سيارتها الخاصة ليس فقط وسيلة تنقل شخصية، بل مشروع يُلبي احتياجًا لدى بعض النساء في أن يكون لهن سيارة أجرة تحت مسمى "تاكسي البنات".

لا تتبع منى تطبيقات النقل التشاركي الشهيرة، لكنها قررت أن تخدم فتيات منطقة الشهيد بمحافظة سوهاج الذي تقطن بها، من خلال تخصيص سيارتها لتوصيل النساء فقط، بدافع أن بعضهن يصبن بالتوتر من ارتياد التاكسي، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى وسائل مواصلات عامة أو آمنة.

بداية الفكرة

لم يكن المشروع يومًا ضمن خطط منى المسبقة، بل جاءت الفكرة بدافع إنساني ومن خلال تجربتها الحياتية: "كنت بستخدم عربيتي لمشاويري، فكرت ليه مساعدش بيها البنات والسيدات اللي محتاجين وسيلة نقل آمنة؟ بيخافوا يركبوا تاكسي لوحدهم لأن المواصلة دي مش شائع استخدامها في قرى الصعيد".

تؤمن منى أن مشروعها ليس مجرد وسيلة نقل، بل رد فعل صادق على معاناة تعيشها كثير من النساء، لا سيما في المناطق الريفية، مضيفة: "جاتلي شكاوى كتير من سيدات بسبب مضايقات بتحصل في التاكسي أو الميكروباص، سواء تحرش مباشر أو حتى نظرات بتخليهم مش مرتاحين، التاكسي ده بالنسبالهم مش رفاهية، دي وسيلة أمان وهنا كانت البداية".

تضيف: "لكن لما فكرت في تاكسي للبنات، بقيت أقدر أوصلهم لمشاويرهم وهما مرتاحين ومطمنين، خصوصًا إن الستات كتير بيتعرضوا لمواقف مش كويسة في المواصلات العامة أو التاكسي، الشكاوى خلال الفترة الأخيرة زادت من تطبيقات التوصيل، بالتالي وسيلة تاكسي الفتيات أصبحت مريحة ليهم".

كانت الفكرة غريبة حين طرحتها منى وبدأت في تنفيذها منذ شهر مضى، مع الوقت، تحولت هذه المبادرة البسيطة إلى مشروع فعلي يخدم عشرات النساء يوميًا، تضيف بحماس: "هدفي من البداية كان الأمان، كنت عايزة البنات يركبوا من غير ما يخافوا، يحسوا إن اللي سايقة واحدة زيهم هتحترمهم وتفهمهم، مش هيضطروا يستحملوا مضايقات في الطريق".

وعن ردود الأفعال حولها، كانت تتوقع منى أن تلقى اعتراضات سواء من الأسرة أو الزوج حين قررت العمل على مشروعها، لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ حيث وجدت دعمًا وتشجيعًا منذ اللحظة الأولى: "الحمد لله، زوجي وأهلي كانوا أول ناس شجعوني، محدش قال لي إني ست مينفعش أشتغل كده، بالعكس كانوا فخورين بيا وبالفكرة".

ورغم هذا الدعم الأسري، ظل المشروع قائمًا على مجهودها الفردي الخالص: "أنا بدأت بإمكانياتي، لا تمويل ولا دعم ولا حتى دورة تدريبية، كل حاجة عملتها بنفسي، بستخدم الموبايل بس في حجز المشاوير".

كيف يعمل "تاكسي البنات"

بدأت منى بتقديم خدمتها للسيدات داخل منطقتها من خلال إنشاء مجموعة على موقع "فيس بوك" يضم عدد من الفتيات، ليس عليهن سوى حجز موعد المشوار وتحديد نقطة الالتقاء والذهاب: "في الأول كانت ردود الفعل مفاجِئة ومشجعة أكثر مما توقعت، لأني أول ما أعلنت عن الفكرة، لقيت دعم غير عادي، جاتلي رسائل تشجيع من بنات وستات كتير، كانوا بيقولوا أخيرًا حد فكر فينا إحنا كنا محتاجين وسيلة زي دي من زمان".

لكن كأي فكرة جديدة تقتحم المألوف، لم تخلُ البداية من الانتقادات والتعليقات السلبية، خاصًة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أنشأت منى للشروع صفحة خاصة على منصة التواصل "فيسبوك": "لما الناس شافت المشروع على السوشيال ميديا، فيه تعليقات كانت سلبية زي إزاي ست تسوق تاكسي؟، بس مهتمتش كنت بركّز على اللي بيشجعني، مش على اللي بيحبطني، لأني فاهمة أنها فكرة جديدة على محافظة زي سوهاج في الصعيد".

مع مرور الوقت، بدأت منى تلمس أثرًا حقيقيًا لفكرتها في المجتمع، خصوصًا بين الأمهات اللواتي وجدن في مشروعها حلًا آمنًا لبناتهن: "بقيت أستقبل طلبات من أمهات عايزين يوصلوا بناتهم للدروس أو التمرين، بقوا يحسوا إن بنتهم في أمان معايا، دا كان أكبر دافع يخليني أكمل".

كل مشوار تقوده منى لم يكن مجرد رحلة، بل رسالة تؤديها بروح مختلفة: "الستات لما بيركبوا معايا، بشوف راحة في عنيهم، بسمع دعوات حلوة زي ربنا يكرمك ويزيدك ودي الحاجات اللي بتخليني مستمرة، مهما كانت الصعوبات".

أحلام سائقة تاكسي البنات

ترى منى أن مشروعها ليس فقط وسيلة نقل، بل بداية لتغيير النظرة المجتمعية تّجاه المرأة العاملة في المجتمعات الريفية: "من وقتها لحد دلوقتي لقيت ستات كتير بتتواصل معايا وبتقول لي إحنا كمان عايزين نشتغل زيك، أن مفيش شغل حكر على الرجالة بس في شغلانة سواقة التاكسي، دي أكتر حاجة فرحتني، لأن المشروع مش بس فكرته مفيدة لتوصيل السيدات، كمان ممكن يفتح أبواب رزق لسيدات كتير محتاجين دخل ثابت وآمن".

ورغم أنها ما زالت في بداية الطريق، فإن أحلام منى تتسع كل يوم، تطمح لتوسيع المشروع ليشمل مناطق أخرى، ويضم عددًا أكبر من السائقات، بل وتخطط مستقبلًا لخدمة شرائح أخرى، مثل كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.