بطل "نجيب" الصامت

تصميم: محمد صلاح

كتب/ت حبيبة إبراهيم
2025-04-27 10:28:42

في زمنٍ كانت فيه قذائف الحرب العالمية الثانية تمزق سماء القاهرة، وصرخات الذعر تختلط بأذان الفجر، يطل علينا نجيب محفوظ من بين أنقاض خان الخليلي ليحكي لنا، لا قصة مجردة عن الحرب فقط، بل عن معركة أكثر شراسة،  معركة الإنسان مع شكوكه، آلامه، وأحلامه التي تحطمت مثل زجاج النوافذ تحت وطأة القنابل.

"خان الخليلي" لم ي كن مجرد مكان في الرواية، بل هو كائن حي يئن تحت وطأة التاريخ، كل حجر في أزقته يحمل ذكرى، وكل نافذة مطلة على الشارع تروي حكاية هنا، حيث تختلط روائح البخور برائحة البارود، يصبح الحي بطل الرواية الصامت، الذي يشهد على أجساد تهرب من القذائف لكنها لا تستطيع الهروب من أسئلة الوجود القاسية؛ قلوب تبحث عن الحب في زمن الموت العشوائي، وعقول تحاول فهم معنى الانتماء عندما ينهار العالم من حولها.

في وسط هذه الكارثة الإنسانية، يظهر أحمد عاكف ليس كبطل تقليدي، بل كـ مضطرب وجودي إنه ليس ضحية للحرب بقدر ما هو ضحية لأسئلته التي لا تجد إجابات

كيف يمكن أن أؤمن بمستقبل بينما الطائرات تقصف الحاضر؟

ما قيمة الثقافة والفن عندما يصبح الخبز نفسه حلمًا؟

علاقته بنفيسة ليست قصة حب عادية، بل هي محاولة يائسة للتمسك بشيء جميل في عالم يفقد جماله يومًا بعد يوم، وتحاول أن تجعل له أي قيمة تذكر.

ما يقدمه محفوظ في هذه الرواية ليس مجرد سرد تاريخي، بل تشريح دقيق لآثار الحرب غير المرئية كيف يتحول الخوف إلى سجن يومي، كيف يصبح الموت أمرًا عاديًا بينما تصبح الحياة معجزة صعبة التصديق، وكيف تختفي الفوارق الطبقية عندما تصبح القذائف ديمقراطية.

في عالمنا الحالي، حيث لا تزال الحروب - سواء رقمية أو ذهنية أو تقليدية - تشتعل في كل مكان، تكتسب الرواية قيمة جديدة، إنها مرآة تعكس عبثية العنف بأبشع صوره، وصلابة الإنسان رغم كل شيء، ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحياة والموت، بين الأمل واليأس.

بعد أكثر من سبعين عامًا على كتابتها، لا تزال "خان الخليلي" تضرب بعنف في وجدان القارئ، لأنها في النهاية ليست رواية عن الحرب، بل هي رواية عنا نحن – عن ذلك الجزء الذي يصر على الحياة حتى عندما تفقد الحياة معناها، عن إصرارنا على الحب حتى عندما يصبح العالم غير جدير بالحب.