المسجد الخيري بخزان أسوان.. حكاية جامع بُني بأيدي المصريين والأجانب

تصوير: أمنية حسن - المسجد الخيري بخزان أسوان

كتب/ت أمنية حسن
2026-10-08 10:26:00

على الجانب الشمالي من خزان أسوان، في نجع المحطة، يقف مسجد صغير بمئذنة على يسار واجهته، فيما يخرج من أحد نوافذه مكيف هواء يخفف حرارة المكان على رواده، يبدو المشهد عاديًا؛ مسجد بين منازل السكان، تقابله محال لبيع الخضراوات والسلع الغذائية، لكن هذا المسجد يخفي حكاية مختلفة ارتبطت بتاريخ خزان أسوان.

إنه المسجد الخيري بك بالكرور، الذي ارتبط اسمه بصاحب الأرض، وعُرف أيضًا بـ"الجامع الخيري"، ولديه قصة تدور حول تشيده من تبرعات أهل البر والإحسان، وبمشاركة مصريين وأجانب شاركوا في أعمال التعلية الثانية لخزان أسوان.

مسجد وُلد من مشروع الخزان

يقول أبو بكر حجاب، إمام المسجد الخيري، لـ"عين الأسواني"، إن المسجد أُقيم على قطعة أرض كانت في الأصل صخرة، اشتراها شخص يُدعى خيري بك، وكان يعمل موظفًا في خزان أسوان، من ماله الخاص، ثم أقام عليها المسجد.

ولم يقتصر المسجد على مكان الصلاة، إذ يضم ملحقًا تُقام فيه ورش تدريبية، إلى جانب صف من المحال المؤجرة بجواره، كان ريعها يُستخدم في الإنفاق على المسجد.

المسجد الخيري بخزان أسوان

شُيد المسجد عام 1932، في عهد الملك فؤاد الأول، ليصبح جزءًا من ذاكرة المنطقة المرتبطة بمشروع الخزان، وتعود بدايات حكايته إلى سكان مستعمرة خزان أسوان ونجع الكرور والنجوع المجاورة، الذين بدأوا إنشاءه بالجهود الذاتية.

ووفقًا للدراسة المعمارية والوثائقية التي أعدها محمد حمدي متولي، أستاذ مساعد العمارة الإسلامية بكلية الآثار بجامعة أسوان، عام 2022، طالبت نظارة الأشغال نظارة الأوقاف بالإشراف على المسجد باعتباره تابعًا للمؤسسات الدينية والخيرية.

وفي 14 أبريل 1932، صدر مرسوم ملكي بإقامة الشعائر الدينية في المسجد، ثم افتُتح بإقامة صلاة الجمعة في اليوم التالي، 15 أبريل.

المسجد الخيري بخزان أسوان

وتحمل النقش الموجود أعلى واجهته دلالة واضحة على علاقته بأعمال خزان أسوان، إذ إن المسجد شُيّد أثناء التعلية الثانية للخزان من تبرعات أهل البر والإحسان، وممن شاركوا في أعمال التعلية من المصريين والأجانب، بينما تختتم اللوحة بعبارة تشير إلى أنها هدية من موظفي مدرسة أسوان الصناعية الذين شاركوا في إعدادها.

ولم يكن اختيار موقع المسجد عشوائيًا؛ فبحسب الدراسة، لم تكن هناك جوامع في المنطقة وقت إنشائه، وهو ما دفع أهالي نجع الكرور والمناطق المجاورة إلى تشييد جامع يتمكنون فيه من أداء الصلوات. وكان أقرب مسجد إلى منطقة الخزان، قبل إنشاء الجامع الخيري، يبعد نحو 6 كيلومترات، وهو مسجد السبعة والسبعين وليًا، المنسوب إلى العصر الفاطمي، داخل منطقة الجبانة الفاطمية.

المسجد الخيري بخزان أسوان

ويقول إمام المسجد: "موقع المسجد يعود إلى فترة أقدم من مسجدي الفاروق والطابية، لكنه لم يحظَ بالشهرة نفسها"، مرجحًا أن يكون موقعه الجانبي أحد أسباب ذلك.

ويضيف أن المسجد خضع لعمليات تجديد على مدار السنوات، لكنه لا يزال مفتوحًا بصورة طبيعية أمام المصلين، كما يضم ملحقًا تُقام فيه ورش عمل للنساء.

عمارة على صخرة

أُقيم المسجد على موقع صخري، وهو ما يتكرر في نجع الكرور نفسه، القريب من خزان أسوان، حيث تنتشر الكتل الصخرية المرتفعة.

وتشير الدراسة إلى أن المسجد يعكس مرحلة معمارية مختلفة، إذ جاء تخطيطه وفق الطراز المحلي المصري، في مساحة مستطيلة مقسمة إلى ثلاثة أروقة بواسطة صفين من الأعمدة.

وفي منتصف الرواق الأوسط توجد منطقة مربعة تحملها أربعة أعمدة رخامية، تعلوها شخشيخة مثمنة الشكل تضم نوافذ للتهوية والإضاءة.

وتكشف تفاصيل المسجد عن تداخل أكثر من تأثير معماري؛ يؤكد أبو بكر: "بينما ينتمي تخطيطه العام إلى طراز المساجد المحلية المصرية ذات الأروقة من دون صحن، تظهر في بعض عناصره تأثيرات واضحة من العمارة المملوكية، خاصة في المئذنة المرتفعة التي تنتهي بقمة على طراز القلة المملوكي".

وترى الدراسة أن الجامع الخيري يقدم صورة لعمارة الجوامع في صعيد مصر، وخاصة محافظة أسوان، خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولا تقتصر قيمته على تصميم بيت الصلاة، إذ يضم عددًا من العناصر والملحقات.

خارج سجل الآثار

ورغم ما يحمله المسجد من قيمة معمارية وتاريخية، فإنه لا يزال خارج تسجيل الآثار الإسلامية.

ويوضح الدكتور نصر سلامة، مدير آثار أسوان السابق، لـ"عين الأسواني"، أن تسجيل أي موقع كأثر يشترط أن يمر عليه 100 عام، إلى جانب توافر سمات فنية أو تاريخية تستحق التسجيل، مشيرًا إلى أن تعرض الموقع لعمليات تجديد يمكن أن يضعف من فرص تسجيله كأثر.

ويحدد قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 شروط تسجيل المواقع التراثية وضمها إلى الآثار، من بينها أن تحمل قيمة تاريخية أو حضارية أو معمارية، أو ترتبط بحدث تاريخي أو شخصية مؤثرة، إلى جانب احتوائها على عناصر فنية أو زخرفية نادرة، أو أن تمثل طرازًا معماريًا فريدًا أو مرحلة زمنية معينة، بما يمنحها أهمية قومية أو ثقافية أو تراثية.

وبينما يواصل المسجد استقبال المصلين، تظل جدرانه شاهدة على مرحلة ارتبط فيها بناؤه بتاريخ خزان أسوان وأعمال التعلية الثانية له، منتظرًا تسجيله كأثر إسلامي.