تقسيط الأضاحي حيلة الأسر لمواجهة ارتفاع أسعار اللحوم

تصوير: سلمى الهواري - جزارة تقسط الأضاحي في طلخا

كتب/ت سلمي الهواري
2025-06-05 13:00:06

 

قبل سنوات من الآن، كان مدحت الشامي، 52 عامًا، موظف حكومي، يحرص على شراء أضحية العيد كل عام، لم يكن الأمر مجرد عادة، بل طقس ينتظره أبناؤه بفرح، لما يحمله من روحانية ودفء أسري، بدءً من لحظة الذبح وحتى مشاركة اللحم خلال أيام العيد، إلى جانب ما فيه من ثواب ديني.

لكن في ظل ارتفاع الأسعار المستمر، لم يعد الشامي قادر ماديًا كي يستمر في عادته السنوية: "طوال حياتي كنت أشتري الأضحية وهي خروف بنفسي، لكن منذ ٥ سنوات، بدأت أشعر بالعجز الحقيقي، الأسعار تزداد بشكل جنوني والدخل لا يتحرك".

في أحد الأيام كان مدحت يتجول بإحدى قرى طلخا في مدينة المنصورة، ولفت انتباهه لافتة "قسط أضحيتك خلال 12 شهرًا" على جدران الجمعيات الأهلية وبعض محال الجزارة: "عندما عرفت بفكرة التقسيط، شعرت أنها ليست منّة من أحد، بل وسيلة تساعدني على التخفيف من عبء الغلاء، وفي الوقت نفسه تُمكنني من أداء الشريعة دون أن أثقل على نفسي أو أحرم أسرتي من فرحة العيد".

تقسيط الفرحة

لجأ مدحت وغيره إلى فكرة تقسيط أضاحي العيد، مدفوعًا بالارتفاع في أسعار اللحوم، إذ أصبحت الأسر تناور من أجل الحفاظ على الأضحية في العيد وسط ضغوط اقتصادية متزايدة، لذا ظهرت فكرة تقسيط الأضحية.

تتنوع طرق التقسيط، بين الجمعيات الأهلية (غير حكومية) التي تتيح تقسيط ثمن الأضحية على 6 إلى 12 شهرًا، بينما محال الجزارة تتبع نظام الدفع المسبق على مدار العام، كي يستلم المواطن الأضحية قبل العيد مباشرة. هذه الأنظمة وجدت رواجًا في القرى.

تصدرت اللحوم قائمة السلع الأكثر تضخمًا في مصر، حيث سجلت ارتفاعًا في أسعارها بنسبة 86% خلال عام 2024 وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

يضيف مدحت: "عمري ما فوت عيد بدون أضحية، لكن لما العجل بقي بـ100 ألف والخروف بحوالي 15 ألف حسّيت إن العيد مش لينا خلاص، عشان كده لجأت لتقسيط الأضحية".

"سهم بالتقسيط"، مبادرة لتقسيط الأضاحي أطلقتها جمعية "الخير الباقي" (غير حكومية) في مدينة المنصورة، استفاد منها مدحت وغيره، ممن لا يستطيعون شراء الأضحية كاملة بمفردهم. جاءت المبادرة استجابة للضغوط الاقتصادية التي يواجهها الأهالي. 

تقول هناء الشاذلي، المشرفة على المبادرة، إن فكرة تقسيط الأضاحي لم تكن مخططة سلفًا، بل جاءت كرد فعل طبيعي لاستغاثات ومطالب متكررة من السكان، حول رغبتهم في التضحية، دون أن يكون العبء المالي حائلًا أمامهم، خاصة بعد أن أصبحت كلفة الأضحية تتجاوز قدرة كثير من الأسر.

توضح: "قبل نحو ثلاث سنوات، بدأنا نلاحظ تراجعًا ملحوظًا في عدد المشاركين في الأضاحي، والأسر التي اعتادت ذبح خروف كامل أصبحت تكتفي بالمشاهدة فقط، بدأ الأهالي يسألون: هل يمكننا الدفع بالتقسيط؟ هل نستطيع المساهمة بسهم واحد فقط؟ ومن هنا انطلقت الفكرة".

وضعت الجمعية نظامًا دقيقًا لتقسيط الأضاحي، وفق ما توضحه الشاذلي، حيث يحسبون تكلفة العجل أو الخروف بالكامل، ثم يقسمونها إلى عدد من الأسهم، كل سهم يمكن سداده على مدار 10 إلى 12 شهرًا، ويُتاح للمشتركين اختيار الأسلوب الأنسب لهم في الدفع، سواء شهريًا أو كل ثلاثة أشهر، بما يتماشى مع ظروفهم المالية.

نجاح مبادرات التقسيط

بينما يكشف مصطفى البدوي، مدير جمعية "قدم الخير" في المنصورة، أن مبادرة تقسيط الأضاحي حققت نجاحًا ملموسًا بعد تطبيقها في الجمعية، لكنها في الوقت نفسه تتطلب جهدًا تنظيميًا كبيرًا، بالإضافة إلى مستوى عالٍ من الالتزام والشفافية من جميع الأطراف المعنية.

يقول البدوي: "ترددنا في البداية بسبب تجارب سابقة واجهنا فيها مشكلات تتعلق بعدم الالتزام في السداد، لكن مع الوقت أدركنا أن هناك أسرًا حريصة على أداء شعيرة الأضحية، وكل ما تحتاجه هو فرصة زمنية مرنة تتيح لها السداد على فترات".

ويشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم تحميل الجمعيات الأهلية ما يفوق قدراتها، قائلًا: "نحن لسنا بديلًا عن الدولة أو عن إصلاح منظومة السوق، ما نقدمه هو حل إنساني مؤقت، يراعي ظروف الناس، لكنه لا يعالج جذور الأزمة المتمثلة في الارتفاع الجنوني للأسعار".

تظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدل تضخم الغذاء في مصر فاق معدل التضخم العام، حيث بلغ التضخم في السلع الغذائية في أبريل 2024 حوالي 40%، بينما كان التضخم العام 31.8%.

انعكس ذلك على معدلات الأمن الغذائي في مصر، حيث ارتفع عدد المصريين الذين يعانون من الجوع من حوالي 5.4 مليون نسمة في الفترة بين 2012-2014 إلى 8.3 مليون نسمة في الفترة بين 2020-2022، بزيادة تصل إلى 8.5%، وفق تقرير الفاو.

كما أن عدد المواطنين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أي الذين يواجهون خطر المرور بأيام دون طعام في مصر، ارتفع من 27 مليون نسمة إلى 33 مليون نسمة خلال 2023.

تبرر تلك الأرقام لجوء الأسر إلى تقسيط الأضحية، من بينهم يوسف محمود، عامل بناء، الذي يؤكد أن دخله اليومي لم يعد يكفي لتلبية احتياجات أسرته، ناهيك عن تكاليف الأضحية. في السنوات الماضية، اضطر لأول مرة للاعتذار لأسرته عن تقديم الأضحية، وكان ذلك مؤلمًا بالنسبة له: "سألني ابني عن الأضحية، وهل سنضطر لأخذ لحم أضحية الجيران بدلاً من أن نُعطيهم".

هذا العام قرر يوسف الاشتراك في مبادرة جمعية محلية لتقسيط سهم الأضحية على مدار 10 شهور، دفع مقدمًا 1000 جنيه، والباقي على أقساط شهرية: "حتى لو لم أحصل إلا على 5 كيلو، إلا أن اللحظة التي شاركت فيها في الذبح وسط الناس كانت كأننا عدنا إلى وطننا بعد غربة".

ضعف الإقبال 

لم تكن الجمعيات فقط هي من تتيح تقسيط الأضاحي، ولكن الجزارين أيضًا منهم راضي عبدالمقصود من قرية بدين، بدأ هو الآخر نظامًا خاصًا لتقسيط الأضاحي، بعدما قل إقبال المواطنين على شراء اللحوم والأضاحي قبل العيد.

يقول: "الناس غير قادرة على دفع قيمة الأضحية نقدًا، لذا قررنا في المحل أن نبدأ بتقسيط الأضحية منذ بداية شهر يناير، بمبلغ أسبوعي يتراوح بين 500 إلى 1000 جنيه، حسب الكمية، ووفّرنا فرصة لمشاركة أكثر من أسرة في أضحية واحدة".

ويضيف: "إذا كان هناك أي مبالغ متبقية حتى العيد، نأخذ إيصالات أمانة لضمان حقوق المحل وصاحب المبادرة، وحتى الآن نتكفل بجمع مستحقات أكثر من 5 أضاحي من الخراف لأكثر من 10 أسر".

تراجع إقبال المصريين على شراء اللحوم بأكثر من 50% في 2024 بسبب ارتفاع الأسعار منذ 2022، حيث تخطى سعر كيلو اللحوم البلدي 400 - 500 جنيه، وفق شعبة المستوردين، مما دفع العديد من الأسر إلى البحث عن حلول بديلة، مثل تقسيط الأضاحي لتخفيف العبء المالي عليها.

وهنا يفسر الدكتور محمد مصطفى، أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنصورة، انتشار أضاحي القسط بأنه انعكاسًا واضحًا للتحول في منظومة القيم الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في الطبقة الوسطى والريفية، والذي حدث خلال السنوات الأخيرة

ويضيف: "الأضحية ممارسة اجتماعية، ولكن مع تفاقم الأزمات الاقتصادية وارتفاع أسعار اللحوم بشكل غير مسبوق، أصبح من الصعب على شرائح واسعة من المجتمع الحفاظ على هذه الممارسة التقليدية دون اللجوء إلى حلول بديلة، مثل التقسيط أو الشراء الجماعي".

لكن عبير عبدالعال، موظفة حكومية من المنصورة، لجأت إلى تقسيط الأضاحي مدفوعة بالغلاء وليس حبًا في المشاركة: "كنا نحب أن نضحي بمفردنا حتى نزيد من عدد الأضاحي في العيد، ولكن توقفنا عن شراء الأضاحي منذ ثلاث سنوات بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار".

قررت عبير هذا العام الاشتراك في سهم أضحية بنظام التقسيط: "الأضحية بالنسبة لنا هي فرحة الأطفال، ورمز من رموز العيد، لما اكتشفنا أن الجمعية تقدم خيار التقسيط، شعرنا أن بإمكاننا العودة للذبح مرة أخرى".

تراجع نصيب الفرد

بينما تؤكد هناء الشاذلي، صاحبة مبادرة سهم بالتقسيط، إن ما يميز التجربة ليس فقط الجانب المالي، بل أيضًا الروح المجتمعية التي تعزز العلاقات داخل القرية: "هناك عائلات تشارك الآن لأول مرة في حياتها في أضحية جماعية، بعد أن كانت تعتبرها رفاهية لا يقدرون عليها، وبعض المشاركين يُصرون على حضور عملية الذبح وتسليم اللحوم بأنفسهم".

وتضع الجمعية شروطًا أخلاقية صارمة لضمان نزاهة المشروع: "لا نسمح بأن يتحول الأمر إلى تجارة، نحن لا نحقق أي ربح من هذا المشروع، بل نعلن الحسابات أولًا بأول، كما نقوم بالذبح في مجازر مرخصة بحضور مندوبين من القرية، لضمان الشفافية التامة".

تُظهر البيانات الرسمية مدى تأثير الأزمات الاقتصادية على قطاع اللحوم في مصر، حيث تراجعت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم من 71.9% في عام 2014 إلى 69.4% في عام 2023، وانخفض متوسط نصيب الفرد من اللحوم الحمراء من 10.8 كجم سنويًا في عام 2014 إلى 7.9 كجم في عام 2023، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. 

يحذر الدكتور رائف حمدي، أخصائي التغذية العلاجية، من تراجع نصيب الفرد من اللحوم الحمراء: "اللحوم من أغنى المصادر بالحديد، والزنك، وفيتامين B12، وهي عناصر ضرورية للنمو وتعزيز المناعة، لذا فإن مشاركة الأضحية وحصول الأسرة على جزء من السُبع يهدد أمنها الغذائي ويقلل من الكميات المتوفرة لها". 

يضيف: "هذا الأمر ينعكس على الصحة العامة، بسبب ظهور علامات نقص البروتين الحيواني لدى شرائح واسعة من المواطنين، من بينهم الأطفال وكبار السن، ويمكنهم التعويض من خلال بعض المصادر الأخرى كالعدس".

انعكست هذه التغيرات بشكل واضح على أعداد رؤوس الماشية، التي كانت تبلغ حوالي 18.6 مليون رأس في عام 2014، وانخفضت إلى 7.6 مليون رأس في عام 2023، ما يشير إلى انخفاض بنسبة 58.5%، حسب نشرة الثروة الحيوانية الصادرة في أبريل 2025.

يفسر الدكتور محمد أستاذ علم الاجتماع، أن ما يحدث هو تحول في نمط التفكير الاجتماعي، وقد تصبح آلية دائمة في السنوات القادمة، خصوصًا إذا استمر التضخم في أسعار اللحوم، قائلًا: "كما ظهرت جمعيات التمويل الاستهلاكي للأجهزة المنزلية والذهب والزواج، من الممكن أن تتجه المجتمعات لتمويل شعائرها الدينية، مما يمثل تكيّفًا اجتماعيًا بدلاً من الانسحاب من المشهد".

في زحام الغلاء وتقلّص الأحلام، لم يفقد يوسف ومدحت وعبير إيمانهم بأن للعيد طقوسًا تستحق المحاولة بعدما أصبح الحصول على كيلو من اللحم حلمًا للبعض.