2100

تصميم| محمد صلاح

Written By أحمد نادي
2025-08-15 02:00:07

استيقظ أحمد في فزع، تتجول عينيه في أرجاء غرفته متوسطة الاتساع، تتسلل أشعة الشمس من بين ستائر النافذة، لكن شيئاً ما كان خاطئاً، الهدوء كان مطبقاً بشكل غريب، لا صياح عصافير الصباح المعتاد، ولا حتى همس حركة المرور البعيدة. نهض بتوجس، ينادي على والديه، لكن لم يجبه سوى صمت ثقيل. كان البيت خالياً، إلا من صديقه الوفي، الكلب الذي ربض قلقاً بجوار الباب.

عندما فتح أحمد نافذة غرفة المعيشة، صعقته رؤية العالم الخارجي. الشوارع التي يعرفها بدت غريبة، خالية من البشر، لكنها تعج بكيانات معدنية ضخمة تتحرك ببطء وروتينية. روبوتات ضخمة ذات أذرع آلية وأعين حمراء باهتة كانت تقوم بأعمال لم يرها من قبل، تحمل صناديق، تنظف الشوارع، تراقب كل زاوية. هرول أحمد ليفتح التلفاز، يائساً للحصول على تفسير. وجد محطة إخبارية تبث صوراً مشوشة لعواصم عالمية خالية من البشر، مع تقارير مقتضبة عن "سيطرة آلية شاملة" طالت الصين وأمريكا الجنوبية والشمالية. نظر أحمد إلى التقويم المعلق على الحائط، أصابعه ترتجف: كان التاريخ يشير إلى عام 2100.

الخوف والوحدة طوقا قلب أحمد. قرر أن يأخذ كلبه وينزلا معاً، بحثاً عن أي أثر للحياة، عن أي مصدر للطعام. كانت الشوارع المهجورة مخيفة، صدى خطواتهما الوحيد يتردد بين المباني الصامتة. فجأة، لمحتهما الروبوتات. استدارت رؤوسها الآلية نحوهما، وأطلقت أصواتاً معدنية حادة قبل أن تندفع نحوهما بسرعة غير متوقعة استطاع أحمد، بفضل رشاقته ومعرفته بالشوارع الخلفية، الفرار منها، لكن الكلب لم يتمكن من الفرار.

رأى أحمد الروبوتات الضخمة تحيط بكلبه، ثم ترفعه بمخالبها الآلية وتحمله بعيداً، بينما يطلق الكلب عواءً يائساً اخترق صمت المدينة الآلية، عاد أحمد إلى البيت وحيداً، يائساً على فقدان صديقه الوحيد.

لم يستطع أحمد الاستسلام. كان الكلب كل ما تبقى له من ماضيه، فقرر أن يحاول إنقاذه، لكن كيف يواجه آلات أقوى وأكثر عدداً منه؟.

وبينما كان يتسلل بحذر في أحد الأزقة، رأى فتاة تقف بجوار روبوت متوقف عن الحركة، تعبث بلوحة تحكم صغيرة في يدها. كانت ترتدي ملابس غريبة وتبدو واثقة من نفسها.

 تعجب أحمد من ظهورها المفاجئ في هذا العالم الآلي. قبل أن يتمكن من استيعاب الأمر، ضغطت الفتاة على زر في جهازها، وتوقف الروبوت الضخم عن الحركة فجأة، دخان خفيف يتصاعد من مفاصله الآلية. عندما سألها أحمد بذهول، علِم أنها "انتونيلا"، وأنها كانت جزءاً من الفريق الذي صنع هذه الروبوتات قبل أن تدرك خطورة المشروع وتقرر مقاومته.

تحدث أحمد مع أنتونيلا بلهفة، يشرح لها حزنه العميق وعجزه عن إنقاذ كلبه. ردت عليه بهدوء: "تعال معي، أعرف أماكن قد يكونون قد أخذوه إليها." أخذت أحمد إلى منزلها المتواضع المختبئ بين مبنيين ضخمين، لم يكن بعيداً عن بيت أحمد. اكتشف أحمد أن أنتونيلا تتحدث العربية بطلاقة، وأنها كانت تعمل سراً على مشروع لتهكير الروبوتات وإيقاف سيطرتها. سألته انتونيلا بجدية: "لماذا خرجت من بيتك؟ كان من الأفضل أن تبقى مختبئاً." فرد عليها أحمد بأسى: "كنت أبحث عن طعام، والكلب كان جائعاً جداً." فجأة، فتحت انتونيلا باباً خلفياً، واندفع الكلب مهرولاً نحو أحمد، ينبح بفرح ويلعق وجهه. احتضنه أحمد بقوة، وشعر للحظة بعودة جزء من حياته. خرجا سوياً، يبحثان عن طعام لكليهما في هذا العالم الغريب.

بينما كانا يبحثان عن بقايا طعام صالحة للكلب في أحد المتاجر المهجورة، ظهر روبوت آخر ضخم واستولى على الكلب مرة أخرى، متجاهلاً محاولات انتونيلا لإيقافه بجهازها، بدا هذا الروبوت أكثر تطوراً ومحصناً ضد محاولات التهكير الأولية. ناقش الروبوت مع أحمد بصوت آلي أجش عن ضرورة إجراء تجارب على الكائنات الحية لفهم سلوكها. لم تستطع انتونيلا فعل شيء هذه المرة، وشعر أحمد باليأس يتجدد.

بعد أيام قليلة، خرج أحمد بحذر من مخبئه لشراء بعض المعلبات لوالدته التي كان يأمل أن تكون في مكان آمن. تفاجأ بوجود روبوت بسيط يعمل كبائع في متجر صغير، يقدم المعلبات دون أي تهديد. ذهب إلى منزل جاره، فوجد روبوتاً منزلياً يقوم بمساعدته في أعمال الصيانة. هنا بدأ يتضح لأحمد أن وجود الروبوتات أصبح أكثر انتشاراً وتنوعاً، وأن الأمر ربما تحول إلى واقع جديد يحتاج إلى فهم، عاد أحمد إلى المخبأ الذي يتشاركه مع أنتونيلا، وشعر بشيء من الطمأنينة الغريبة يخالط خوفه. قرر أن يذهب إلى منزل والده القديم، آملاً أن يجده هناك، ليحكي له كل ما حدث في هذا العالم الجديد الغريب.