يقف ياسين إبراهيم، 28 عامًا، أمام مركز الشباب الوحيد في حي دار السلام بالقاهرة، يحمل حبه لكرة القدم ويأمل أن يجد فرصة لممارسة الرياضة التي ارتبط بها منذ طفولته، إذ اعتاد على لعب الكرة في الشارع، فلم يكن هناك مركز شباب يخدم الحي في ذلك الوقت، لكن حتى بعد إنشاء المركز، لم تصبح ممارسة الرياضة أكثر سهولة أو أقل تكلفة، بل باتت عبئًا ماديًا إضافيًا.
يقول ياسين: "وأنا صغير كنت بلعب في الشارع علشان مكنش في مركز شباب، دلوقتي بقى في، لكن المعلب بيتأجر، وسعر الساعة من 225 لـ250 جنيه، وده رقم كبير عليا كواحد عايز يلعب مرتين في الأسبوع".
رياضة مدفوعة
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، لكن الاشتراك الشهري الرسمي لكرة القدم داخل مركز الشباب، والذي يبلغ من 80 جنيه سنويًا، يمنح المشترك فرصة اللعب مرة واحدة فقط في الأسبوع، وفقًا لمواعيد تُحددها الإدارة مسبقًا، أما باقي الأيام، تُؤجَّر فيها الملاعب لغير الأعضاء، وهو ما يخلق حالة من التكدس ويجعل مواعيد اللعب غير مناسبة للغالبية من الشباب.

تزداد المشكلة تعقيدًا في ظل أن حي دار السلام بأكمله لا يضم سوى مركز شباب واحد فقط يحتوي على ثلاث ملاعب كرة قدم وحمام سباحة، جميعها تؤجر ما يجعل فرص ممارسة الرياضة محدودة وغير متاحة فعليًا إلا لمن يستطيع تحمل التكاليف أو لديه مرونة في توقيتات اللعب، ويحرم السكان من حقهم في ممارسة الرياضة في ظل ارتفاع تكاليف الإيجار.
يشرح إبراهيم تفاصيل طريقة الحجز، حيث تبدأ بالتواصل مع المسؤول عن الملاعب في المركز خلال بداية كل أسبوع، لحجز مواعيد مسبقة لمباريات يشارك فيها مع مجموعة من أصدقائه المقربين: "المفروض يكون الأولوية للاشتراك الشهري والأعضاء مش التأجير".
يخالف ذلك، المادة 84 من الدستور المصري التي تنص على: "ممارسة الرياضة حق للجميع، وعلى مؤسسات الدولة والمجتمع اكتشاف الموهوبين رياضيًا ورعايتهم، واتخاذ ما يلزم من تدابير لتشجيع ممارسة الرياضة".
ويُعلّق الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، على أهمية هذا الحق: "إتاحة مساحات لممارسة الرياضة لا يُعد رفاهية، بل هو حق إنساني ونفسي أصيل، لأن مجرد توافر هذه المساحات يعزز في وعي الفرد أن الرياضة جزء من حياته اليومية".
خلال جولة "صوت السلام" داخل مركز الشباب، أكد أحد مسؤولي تأجير الملاعب -رفض ذكر اسمه- أن الأنشطة الرياضية المنظمة تقتصر على عدد محدود من الساعات أسبوعيًا، حيث يُخصص 4 ساعات فقط لتدريب كرة القدم للنشء من عمر 10 إلى 18 عامًا، بالإضافة إلى 8 ساعات أسبوعيًا لتدريب السباحة لنفس الفئة العمرية.
في المقابل، تُؤجَّر المساحات الرياضية المتبقية طوال الأسبوع لأغراض تجارية من قبل إدارة المركز، وفقًا للمصدر، ما يجعل معظم الوقت مُخصصًا لتحقيق أرباح، على حساب الدور المجتمعي للمركز، ويقلل من فرص سكان الحي في ممارسة الرياضة بانتظام.
تحقيق أرباح
في العام 2017 صدر قانون رقم 218 من قبل وزارة الشباب والرياضة بدعوى تنظيم الهيئات الشبابية، منح مراكز الشباب مزيدًا من الصلاحيات المالية، أبرزها السماح لها بتحقيق أرباح من تأجير الملاعب والقاعات والمحلات التابعة لها.
هذا الامتياز المالي لا يقف عند حد تحقيق العائد من الإيجار، بل يستند أيضًا إلى بقاء الإعفاءات التي كانت مراكز الشباب تتمتع بها في القوانين السابقة، مثل الإعفاءات الضريبية والجمركية، ما يجعل مراكز الشباب في موقع تنافسي أقوى مقارنة بالملاعب والصالات الخاصة، وبموحب القانون تتقاسم مراكز الشباب عائدات حق الانتفاع مع الدولة؛ إذ يحصل المركز على 75% من العائد، بينما تؤول النسبة المتبقية، 25%، إلى وزارة الشباب والرياضة.
ويوضح فرويز، استشاري الطب النفسي لـ"صوت السلام" أن ممارسة الرياضة لا تساهم فقط في تحسين اللياقة البدنية، لكنها تلعب دورًا فعالًا في تقليل أعراض اضطرابات القلق والاكتئاب، من خلال زيادة إفراز هرمون الدوبامين المسؤول عن تحسين الحالة المزاجية.
ويؤكد فرويز أن تأثير الرياضة يتجاوز الجانب الجسدي، إذ تمثل عنصرًا مهمًا في النمو النفسي والمعرفي للأطفال والمراهقين، كما تعزز من قدرة التركيز أثناء المذاكرة أو أداء المهام اليومية، وتساهم في تعزيز الثقة بالنفس لكافة الفئات العمرية.
يؤيده نور خطاب، مدرب ومتخصص في اللياقة البدنية، أن الرياضة ليست ترفًا أو رفاهية كما يعتقد البعض، بل تمثل وسيلة وقاية فعالة للجسم والجهاز العصبي من مختلف الأمراض والاضطرابات.
ويوضح لـ"صوت السلام" أن تراجع الفرص المتاحة لممارسة الرياضة يحرم الأفراد من أبسط حقوقهم الصحية، مبينًا أن أساس أي نشاط رياضي يكمن في تعزيز تدفق الدم داخل الدورة الدموية، وهو ما يسهم في تحسين وظائف الجسم الحيوية، كما تساهم الرياضة في رفع اللياقة البدنية وبناء كتلة عضلية قوية، مما ينعكس على جودة حياة الأفراد بشكل عام.
حمامات السباحة مؤجرة
يتضح هذا الأثر مع أسماء سعد، 34 عامًا، التي حُرمت من ممارسة رياضة السباحة نتيجة تأجير حمام السباحة في مركز الشباب طوال معظم ساعات الأسبوع.
تقول أسماء، التي شُخّصت بانزلاق غضروفي قبل عام، إن طبيب العظام أوصى لها بممارسة السباحة لتقوية عضلات الظهر وتخفيف الضغط على العمود الفقري، إلا أن غياب فرص ممارسة السباحة في الأماكن العامة، بسبب أولوية التأجير التجاري، دفعها إلى الاشتراك في صالة رياضية خاصة بسعر 450 جنيهًا شهريًا.

وتضيف بأسى: "مفيش مكان قريب أمارس فيه السباحة، وكل ما ألاقي مكان مناسب يكون مأجَّر، واشتراك الجيم مرهق، خصوصًا مع تكلفة العلاج الطبيعي والدواء"، مشيرة إلى أنها تضطر أحيانًا للتوقف عن ممارسة الرياضة لأشهر بسبب التكلفة.
عند مقارنة متوسط سعر تأجير الملعب أو حمام السباحة، والذي يبلغ 225 جنيهًا للساعة الواحدة، بمتوسط الاشتراك للنشاط الرياضي داخل مركز الشباب والمحدد بنحو 80 جنيهًا للفرد، يتضح الفارق الكبير في العائد.
على سبيل المثال، إذا أُجر الملعب أو حمام السباحة لمدة 4 ساعات فقط أسبوعيًا (أي 16 ساعة شهريًا)، فإن العائد يصل إلى 3600 جنيه شهريًا، بينما لا يتجاوز العائد من اشتراك 10 أفراد في نشاط رياضي شهريًا سوى 800 جنيه فقط.
أي أن نظام التأجير يحقق للمركز ربحًا يزيد بنحو 4.5 مرة على الأقل مقارنة بنظام الاشتراكات، وهو ما يفسر ميل الإدارة إلى تخصيص المساحات الرياضية للتأجير بدلًا من توفيرها بشكل منتظم للأنشطة المجتمعية المستمرة.
يضم حي دار السلام مركز شباب واحد فقط، افتُتح في عام 2023 بحضور وزير الشباب والرياضة، الدكتور أشرف صبحي، ويخدم 567.516 نسمة، بينما تضم محافظة القاهرة 177 مركز شباب يخدم 10.4 مليون نسمة، أي أن هناك مركز شباب واحد لكل 56 ألف و497 فرد.

فيما يبلغ إجمالي عدد المراكز على مستوى الجمهورية 5240 مركزًا يخدمون 114 مليون نسمة بموجب مركز شباب واحد لكل 21 ألف و755 فرد، وفق إحصاء النشاط الرياضى فى المنشآت الرياضية عام 2021 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ورغم هذا التفاوت في التوزيع، تشير الأرقام الرسمية إلى إنفاق ضخم على القطاع الرياضي، إذ خصصت الدولة نحو 30 مليار جنيه لقطاع الرياضة خلال الفترة من 2019 وحتى 2024، كما أنفقت الأندية المصرية وحدها ما يقارب 33.7 مليون دولار على النشاط الكروي فقط في عام 2023، بحسب بيانات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
آثار اجتماعية
اعتاد محمود شعبان، 24 عامًا، أن يخصص جزءًا من أسبوعه للعب كرة القدم مع أصدقائه داخل أحد الملاعب المفتوحة في حي دار السلام، ورغم محاولاتهم السابقة لاستكشاف رياضات بديلة تمارس بشكل منتظم، إلا أنهم لا يحبون سوى كرة القدم، بينما يقف التأجير عائقًا أمهامهم في ممارسة تلك الرياضة أكثر من مرة.
يعمل محمود بائعًا في محل تجاري، ويقضي أغلب يومه واقفًا، وهو ما يدفعه إلى ممارسة الرياضة كوسيلة للحفاظ على لياقته الجسدية والتخلص من إرهاق العمل، يقول: "بعد الشغل على طول بروح ألعب كورة، دي المتنفس الوحيد اللي عندنا لكن التأجير بيتكلف فلوس أكتر، وفي نفس الوقت الاشتراك بيخليك تلعب مرة واحدة بس في الأسبوع وعلى طول الملاعب محجوزة بسبب التأجير في مركز الشباب الوحيد عندنا".
توضح الدكتورة هالة منصور، المتخصصة في علم الاجتماع، أن مراكز الشباب في الأحياء الشعبية لا تكون كافية لتلبية احتياجات السكان، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة سكانية مرتفعة ونسبة عالية من فئة الشباب، موضحة أن الاكتظاظ يدفع الشباب والعاملين في المراكز إلى اللجوء لتأجير الملاعب الخاصة، باعتبارها أحد البدائل المتاحة لممارسة الأنشطة الرياضية.
وترى منصور أن هذه الملاعب تمثل خيارًا أكثر أمانًا وتنظيمًا مقارنة بممارسة الرياضة في الساحات العامة أو الشوارع، التي قد تفتقر إلى عوامل السلامة، لافتة إلى أن الانضمام إلى الأندية الخاصة يُعد خارج متناول معظم شباب هذه المناطق، بسبب ارتفاع رسوم الاشتراك السنوي، ما يجعل من الملاعب المؤجرة وسيلة واقعية للحصول على الحد الأدنى من حقهم في ممارسة الرياضة.
ذلك ما حدث مع زين فاروق، 20 عامًا، الذي كان يحب رياضة كرة القدم بشدة: "كنت بلعب أكتر من 3 مرات في الأسبوع، وبجمع فلوس الحجز من مصروفي، لأن ملاعب مركز الشباب في دار السلام بتتأجر".
انقطعت علاقة زين بالرياضة بسبب الارتفاع التدريجي الذي حدث في أسعار ملعب مركز الشباب: "كان سعر تأجير الملعب في الساعة 175 جنيهًا خلال العام 2023، وارتفع إلى 200 ثم 250 جنيهًا خلال عام واحد فقط، ما شكّل عبئًا إضافيًا علينا ومنعنا من ممارسة الرياضة بانتظام".
حاولت "صوت السلام" التواصل وائل عثمان، المدير التنفيذي لمركز الشباب عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"، للرد على تأجير ملاعب المركز إلا إننا لم نتلق ردًا، كما تواصلنا مع الدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة، والمتحدث الرسمي باسم الوزارة محمد الشاذلي، لمعرفة جهود الوزارة لمواجهة تأجير الملاعب في مراكز الشباب لكن لم نتلق ردًا.
يقف ياسين إبراهيم أمام مركز الشباب بحماس مكبوت، يحاول جاهدًا أن يحافظ على علاقته بكرة القدم رغم ارتفاع تكلفة التأجير، بينما تُجبر أسماء سعد على التوقف عن السباحة، الرياضة الوحيدة التي أوصى بها طبيبها لعلاج الانزلاق الغضروفي، بعدما حُرمت من استخدامها بسبب عمليات التأجير المستمرة.