وافقت لجنة الإسكان بمجلس النواب على تعديلات مشروع قانون "الإيجار القديم"، تمهيدًا لعرضه على الجلسة العامة، وسط حالة من الجدل المجتمعي بشأن تأثيره في الملايين من المستأجرين والملاك.
وجاءت الموافقة عقب شهر من مناقشات -غاب عنها الجانب المجتمعي- بين لجان الإسكان والإدارة المحلية والتشريعية، بحضور وزراء التنمية المحلية، والإسكان، والشؤون النيابية، في ضوء حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية مادتين من القانون القديم المنظم للعلاقة بين المؤجر والمستأجر.

تفاصيل الإقرار
وشهد الأسبوع الأخير من مايو الجاري موافقة لجنة الإسكان بمجلس النواب المصري على النسخة المعدلة من مشروع قانون الإيجار القديم، بعد صدور النسخة الثانية من مشروع القانون، التي نُشرت قبل التصويت بساعات قليلة، متضمنة بعض التعديلات، مع الحفاظ على جوهر مواد مثيرة للجدل، مثل نسبة الزيادة السنوية الثابتة عند 15%.
وفي خلفية هذا القانون، يقف حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في نوفمبر الماضي، الذي قضى بعدم دستورية المادتين الأولى والثانية من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، واللتين كانتا تنصان على ثبات القيمة الإيجارية للعقارات المؤجرة بنظام الإيجار القديم.
ووصف محمود بدوي، محام بالنقض والدستورية العليا، إجماع اللجنة بأنه خطوة تمهيدية نحو الشكل النهائي للقانون، لكنه رجّح أن تدخل عليه تعديلات لاحقة من رئاسة الجمهورية، خاصة أن بعض المواد بقيت على حالها رغم مرور القانون بـ8 جلسات من النقاش.
وانتقد بدوي في تصريح لـ"صوت السلام" مدة السنوات السبع وهي فترة إنهاء التعاقد، معتبرًا أنها غير كافية وتفتقر إلى العدالة الاجتماعية، إذ إن هذه المدة لا تكفي لتأهيل المستأجرين خاصة كبار السن للانتقال إلى سكن بديل، معتبرًا أن المدة الأنسب ينبغي أن تتراوح بين 10 و15 عامًا، مع تقنين العلاقة الإيجارية بشكل يضمن للمالك دخلًا معقولًا، دون إخلاء المستأجر أو طرده فجأة.
ودعا المحامي محمود بدوي إلى ضرورة إدراج بند خاص بالزيادة التصاعدية، محذرًا من أن القفز بالقيمة الإيجارية إلى 500 أو 1000 جنيه دفعة واحدة، قد يدفع الأسر للتضحية بأساسيات الحياة مثل الغذاء والتعليم.

وتنص المادة 78 من الدستور المصري على أن الحق في السكن يُعد أحد الحقوق الأساسية للإنسان، إذ يُمثل السكن الملائم والمناسب جزءًا لا يتجزأ من مقومات العيش الكريم. ويتضمن هذا الحق عناصر رئيسية، من بينها، ضمان أمان الحيازة، القدرة على تحمل تكاليف السكن، ملاءمته للعيش.
أثر ممتد
ورأى أحمد زعزع، الباحث العمراني، أن مشروع القانون يتجاوز كونه مجرد إعادة ضبط العلاقة بين طرفين، ليصبح قضية عمرانية شائكة تؤثر في سوق السكن المصري ككل، مؤكدًا أن الإيجار القديم لا يمكن عزله عن واقع الإيجار الجديد، الذي غالبًا ما يكون غير آمن بسبب ضعف الحماية القانونية، وتضاعف الأسعار، وتجدد العقود سنويًا.
وأوضح لـ"صوت السلام": "الإيجار القديم ليس مجرد مشروع قانون، بل هو مناقشة تمس جوهر العدالة السكنية في مصر"، مشيرًا إلى أن أي زيادات في الإيجار دون حماية موازية ستؤدي إلى اختلال في إنفاق الأسرة المصرية، وتراجع في أولوياتها الأساسية مثل التعليم والصحة.
هذا المشروع، وإن كان يُطرح تحت عنوان "تنظيم العلاقة الإيجارية"، إلا أنه في عمقه يمس توازنات اجتماعية واقتصادية تعكس بنية المجتمع المصري وتحدياته في الحق في السكن، وفق زعزع.
وأضاف أن التأثير الأكبر سيكون على سكان الأحياء الشعبية، وليس الراقية، مشيرًا إلى أن المتضررين الحقيقيين من القانون هم سكان السيدة زينب ودار السلام، حيث تسكن الأسر ذات الدخل المحدود، والتي لا تستطيع دفع إيجارات السوق، ولا تملك القدرة على التقديم لمشروعات الإسكان الاجتماعي بسبب مقدمات الحجز المرتفعة.

ارتباك الملاك والمستأجرين
في حي دار السلام بالقاهرة، الذي يحتضن عددًا كبيرًا من العقارات بنظام الإيجار القديم، انعكست هذه التعديلات في صورة قلق ملموس بين السكان، وارتباك بين الملاك.
وقال سعيد رجب، مالك عقار، إنه لا ينوي طرد المستأجرين، لكنه يعاني من التفاوت الكبير بين ما يتقاضاه من إيجار -لا يتعدى 10 إلى 20 جنيهًا- وبين أسعار الإيجار الجديد التي تصل إلى 3000 جنيه للشقة الواحدة: "اللجان التي ستُشكَّل لتحديد القيمة الإيجارية العادلة هي الأمل في تحقيق الحد الأدنى من العدالة".
وكانت التعديلات الجديدة نصّت على تشكيل لجان حصر لمدة 3 أشهر لتصنيف المناطق إلى متميزة، ومتوسطة، واقتصادية، بناءً على عوامل تشمل الموقع، وجود الخدمات، جودة البناء، والبنية التحتية، ومن هذا التصنيف تُحدد القيمة الإيجارية.
هشام حمدي، مالك آخر في نفس الحي، لا يعارض استمرار المستأجرين، لكنه يرى أن من غير المنطقي أن تُورّث العلاقة الإيجارية للأحفاد: "مش معقول شقة تتوارث لثلاث أجيال وأنا أولادي مأجرين بره".
من ناحية المستأجرين، تحكي فاطمة زكريا، أرملة وأم لثلاثة أبناء، عن قلقها من أي زيادات مفاجئة، إذ أن إيجارها لا يتعدى 100 جنيه، وزيادته بشكل كبير قد يرهق ميزانية أسرتها التي تئن تحت مصاريف التعليم، مقترحة أن تكون الزيادة تدريجية لتناسب دخول الأسر المتوسطة.
بينما رأى وجدي وائل، مستأجر محل تجاري منذ 1983، أن المهلة المقترحة غير كافية لنقل نشاطه التجاري، موضحًا أن عمله يمتد لأكثر من 40 عامًا، ولا يمكن اختزاله في 7 سنوات فقط، لأن علاقته بزبائنه تراكمت على مدى عقود، مطالبًا بمهلة تصل إلى 10 سنوات للمحال التي تعمل منذ أكثر من جيل.
ويبلغ عدد وحدات السكنية المؤجرة بنظام الإيجار القديم في مصر يبلغ نحو 3 ملايين وحدة، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تتركز معظمها في مناطق القاهرة الكبرى، والإسكندرية، والقليوبية، كما تكشف البيانات عن وجود أكثر من 513 ألف وحدة مغلقة رغم سريان عقود الإيجار.