رحلة أسر مصرية في البحث عن "كيلو لحم" بالجمعيات الخيرية

Photographer: مريم أشرف - جمعية الصفا الخيرية في دار السلام

Written By مريم أشرف
2025-06-03 14:29:00

اعتاد سيد محمود، ثلاثيني، أن يتسلم "لحمة العيد" قبل عيد الأضحى من أحد الجمعيات الخيرية في حي دار السلام بالقاهرة؛ التي مثلت على مدار العامين الماضيين ملاذًا أخيرًا له ولأسرته في ظل غلاء أسعار اللحوم.

لكن هذا العام حمل عيد الأضحى مفاجأة قاسية لـ"محمود" وأسرته، حيث اكتشف أن الجمعيات التي كانت تمد يد العون له ولغيره من الأسر محدودة الدخل في الحي، لن تقدم لحوم الأضحية بسبب انخفاض التبرعات، وبات في مواجهة صعبة مع واقع أنه قد لا يقدر أن يوفر لأبناؤه تناول اللحوم هذا العيد، ولا يقدر على شراء الكيلو الذي يتباين سعره بين 400 إلى 500 جنيه.

يقول: "الجمعيات الخيرية كانت بتدينا كيلو أو اتنين لحمة وفلوس العيدية عشان العيد، وأنا عندي إعاقة جسدية بتمنعني من الشغل، عشان كدة بعتمد بشكل كامل على الجمعيات من ساعة ما أسعار اللحوم ارتفعت ومحدش قادر يشتريها".

التضخم في اللحوم

شهدت أسعار اللحوم ارتفاعًا بنسبة 86% خلال عام 2024، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مما جعلها تتصدر قائمة السلع الأكثر تضخمًا في مصر، كما انخفض متوسط نصيب الفرد من اللحوم الحمراء من 10.8 كجم سنويًا في عام 2014 إلى 7.9 كجم في عام 2023. 

وأثر هذا الارتفاع على حجم الأضحية التي تستطيع الجمعيات الخيرية توفيرها وفقًا للتبرعات التي تتسلمها.  

تقول منى صابر، مديرة جمعية "حصيلة الخير" (غير حكومية)، إن المتبرعين لم يردوا على اتصالاتها: "الحالة الاقتصادية صعبة على الجميع، وهذا أول عام نعجز فيه عن تقديم لحوم للعيد أو نقود للأسر".

وأسست منى الجمعية منذ 10 سنوات وكانت تتكفل بأكثر من 700 حالة من الأسر الأكثر احتياجًا، في مناطق دار السلام وعزبة خير الله والزهراء، إلا أنها هذا العام تواجه تراجعًا كبيرًا في حجم التبرعات: "انخفض عدد المتبرعين بنسبة 50% عن العام الماضي، الذي تلقينا فيه 5 أضاحي، بينما العام الحالي لم نتلق شيء".

وتنص المادة 79 من الدستور المصري على أن: "لكل مواطن الحق في الحصول على غذاء صحي وكافٍ وماء نظيف، وتلتزم الدولة بتأمين الموارد الغذائية لجميع المواطنين، كما تضمن تحقيق السيادة الغذائية بشكل مستدام، والحفاظ على التنوع البيولوجي الزراعي والأصناف النباتية والحيوانية المحلية".

نقص التبرعات

هذا الحق حُرمت منه أم محمد، أربعينية من حي دار السلام، تعاني منذ وفاة زوجها، وتعول بمفردها أسرة مكونة من خمسة أفراد. في عيد الأضحى الماضي، لم يصلها من الجمعية الخيرية سوى كيلو واحد من اللحم، بالكاد يكفي ليوم واحد، إذ أن دخلها الوحيد هو معاش "تكافل وكرامة" (برنامج دعم حكومي) بمبلغ 600 جنيه شهريًا، لا يكفي لشراء كيلو لحم تجاوز سعره 400 جنيه في منطقتها.

تحكي أم محمد بحسرة: "في 2021، كان أول عيد بعد وفاة جوزي، الجمعية ادتني 3 كيلو لحمة، حسيت إن في حد شايفني، بس من ساعتها الكمية بتقل كل سنة، والسنة دي مفيش، أنا فاهمة إن الدنيا بقت صعبة على الكل، بس مقدرش أعدي العيد من غير لحمة لولادي، نفسي الجمعيات اللي بتساعدنا في الحي يلاقوا دعم، عشان يقدروا يكملوا".

يواجه محمد شحاتة، مدير "جمعية الصفا" (غير حكومية) بدار السلام، نفس التحديات، إذ يشير إلى أن بعض المؤسسات الكبرى خفّضت حجم التبرعات الشهرية للجمعيات، ما تركهم في موقف صعب دون مهلة كافية للبحث عن بدائل أو مصادر تمويل أخرى لسد الفجوة الناتجة.

بينما تقول منى مدير حصيلة الخير: "الوضع بقى أصعب الأعداد اللي محتاجة لحمة زادت، والتبرعات بقت قليلة، زمان كنا نغطي الاحتياجات ونفكر في أنشطة إضافية، دلوقتي إحنا بنجري ورا الأساسيات، وبنضطر نتابع المتبرعين ونتواصل معاهم أكتر من مرة عشان نغطي حتى الحد الأدنى من الطلبات".

وتعكس البيانات الرسمية حجم التحديات التي يواجهها قطاع اللحوم في مصر تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، إذ تراجعت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم من 71.9% عام 2014 إلى 69.4% في عام 2023، ما يضيف مزيدًا من الضغط على الجمعيات الخيرية التي تعتمد في الأساس على التبرعات لتوفير لحوم الأضاحي للأسر غير القادرة.

ويُفسر أحمد خطاب، الخبير الاقتصادي، تراجع التبرعات بأنه نتيجة مباشرة للأزمة الاقتصادية الراهنة، التي تسببت في ارتفاع أسعار السلع وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، مبينًا أن موجات التضخم المتلاحقة دفعت كثيرًا من المتبرعين للتركيز على تغطية احتياجاتهم الأساسية.

يضيف لـ"صوت السلام": "يجعل هذا النمط الجمعيات الصغيرة تعاني من فجوة في الدعم، وبالتالي ينعكس هذا الأثر مباشرة على الأسر الفقيرة التي تعتمد بشكل كبير عليها في الحصول على اللحمة في عيد الأضحى".

 

آثار متفاقمة

ارتفع عدد المصريين الذين يعانون من الجوع من حوالي 5.4 مليون نسمة في الفترة بين 2012-2014 إلى 8.3 مليون نسمة في الفترة بين 2020-2022، بزيادة بلغت 8.5%، وفق تقرير الفاو.

ويتضح الأثر على ارتفاع عدد الأسر التي تتعامل مع الجمعيات الخيرية، وفق محمد شحاتة، مدير جمعية الصفا، الذي يوضح أنها ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، كما تحوّل بعض المتبرعين السابقين إلى مستفيدين من الدعم، بسبب تأثرهم بالأزمة الاقتصادية.

ويشير شحاتة إلى أن عيد الأضحى الماضي كان من أصعب المواسم، إذ لم تتلقَّ الجمعية تبرعات كافية لتغطية جميع الحالات، ما اضطره إلى تقليل حصة اللحوم من 2 كليو جرام إلى كيلو واحد فقط لكل حالة، حتى يتمكن من توزيع الكمية المتاحة على الجميع.

حاليًا، تدعم جمعية الصفا نحو 500 حالة 50% منهم نساء معيلات، ونحو 20% من الأسر التي تدهور وضعها الاقتصادي مؤخرًا، بينما تمثل الحالات القديمة التي تدعمها الجمعية منذ تأسيسها حوالي 30%، وفقًا لتقديرات شحاتة.

بينما أحمد رشوان، مدير جمعية زهراء الرياض الخيرية (غير حكومية)، يؤكد أيضًا أن عيد الأضحى الماضي كان من أصعب المواسم التي مرت بها جمعيته، إذ لم يتلقَّ سوى 20 كليو جرامًا فقط من اللحوم كتبرعات، لتوزيعها على 300 أسرة ترعاها الجمعية. 

هذا الوضع اضطره إلى اختيار 20 أسرة فقط لتلقي كيلو جرام واحد لكل منها: "الكيلو مش هيعمل حاجة، بس ما باليد حيلة، أنا أسست الجمعية كنشاط جانبي علشان أخدم أهالي منطقتي المحتاجين، لكن الظروف بقت صعبة في كل المواسم".

حتى الآن، لم تصل أي تبرعات لعيد الأضحى الحالي، ولا تزال ثلاجة الجمعية خالية تمامًا، رغم تساؤلات العديد من الأسر عن لحوم العيد. 

فقدان الدعم

تؤيده عائشة جمال، مسؤولة في جمعية صلاح لتنمية المجتمع والأعمال الخيرية (غير حكومة)، بأن عدد الحالات التي تحتاج دعمًا من الجمعية تضاعف خلال الفترة الأخيرة، في حين شهدت التبرعات تحولًا واضحًا في طبيعتها: "عيد الأضحى شهد تراجعًا في حجم التبرعات، إذ لم تعد الجمعيات تتلقى أضحية كاملة أو أكثر كما في الأعوام السابقة، بل تقتصر المساهمات على بضع كيلوات من اللحم فقط".

وتضيف عائشة: "التبرع بقى فعل خير فردي، من غير رؤية أو دعم اجتماعي منظم، وده خلانا نواجه صعوبات أكبر في تلبية احتياجات الأسر المحتاجة".

وهنا تحذر جيهان النمرسي، عضو سابق بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، من خطورة عدم دعم الجمعيات الخيرية الصغيرة،  مشيرة إلى أن هذه الجمعيات تعمل كوحدات دعم محلية داخل الأحياء، تلبي احتياجات فئات هشة لا تصل إليها المؤسسات الكبرى.


وتؤكد النمرسي أن الانخفاض المستمر في التبرعات يشعر المستفيدون بالخوف من فقدان الدعم، ويخلق لديهم شعورًا بالعزلة وفقدان الانتماء للمجتمع الذي لطالما اعتمدوا عليه، لذا تطالب وزارة التضامن الاجتماعي بالتدخل لتوفير دعم عاجل للجمعيات الصغيرة، بما يضمن استمرار دورها الحيوي في تخفيف الأعباء عن الفئات الأشد احتياجًا، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

حاولت "صوت السلام" التواصل مع الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، عبر الهاتف و"الواتساب" للاستفسار عن جهود الوزارة في دعم الجمعيات، لكن لم تتلقَ أي رد. 

لا تزال جولات محمود ومنى على الجمعيات مستمرة بحثًا عن نصيب أبنائهم من اللحوم، إلا أنهم في كل مرة يعودون بخيبة أمل أكبر، حيث تُغلق الأبواب أمامهم وتُخبرهم الجمعيات بعدم وجود أي لحوم للتوزيع هذا العام.

 

جميع اسماء الحالات المستخدمة مستعارة بناء على طلبهم وحفاظًا على هويتهم الاجتماعية