غياب مدارس الثانوية العامة يُثقل كاهل الأسر ويرهق الطلاب

Photographer: مريم أشرف - مدرسة جمال عبد الناصر الثانوية بنات في دار السلام

Written By مريم أشرف
2025-06-15 12:23:00

على رصيف محطة مترو السيدة زينب بالقاهرة، يقف مهند محمد، طالب بالصف الأول الثانوي، وقد أنهكه التعب بعد يوم دراسي طويل، بعينين مرهقتين ينتظر المترو الذي سيعيده إلى منزله في حي دار السلام، بعد أن قضى يومه الدراسي في مدرسة الإبراهيمية الثانوية بنين بمنطقة جاردن سيتي.

يقضي مهند يوميًا قرابة ساعة في الذهاب ومثلها في الإياب، تزداد علامات الإرهاق على وجهه حتى أصبحت مشقة الطريق جزء من يومه الدراسي. اختارت أسرته أن يلتحق بمدرسة خارج نطاق الحي -رغم بُعد المسافة وزيادة التكلفة- لكونه لا يضم سوى مدرسة ثانوية حكومية واحدة وهي "مدرسة جمال عبدالناصر الثانوية بنات".

تزيد معاناة طلاب المرحلة الثانوية في حي دار السلام، بسبب عدم وجود مدارس ثانوية حكومية، مما يؤدي إلى تكدس المدرسة الوحيدة، ويدفع مئات الأسر إلى تسجيل أبنائهم في مدارس خارج نطاق الحي، ويزيد العبء المادي والإرهاق عليهم، ويحرمهم من الحق في التعليم.

فجوة الموازنة

تنص المادة 19 من الدستور المصري على: "التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، وتلتزم الدولة بتوفيره وفقًا لمعايير الجودة العالمية، وهو إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية وفقًا للقانون".

لكن الواقع لا يعكس هذه الالتزامات بشكل كامل، حيث إن نسبة الإنفاق على التعليم في الموازنة العامة للسنة المالية 2024/2025 لم تتجاوز 1.72% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما الدستور المصري يلزم الدولة: "تخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4٪ من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية".

وبنظرة على المعدلات العالمية وفق أرقام البنك الدولي نجد أن مخصصات التعليم في مصر لا تزال متواضعة مقارنة بدول ذات مستويات دخل مماثلة؛ إذ خصصت تلك الدول نحو 3.4% من ناتجها المحلي الإجمالي للتعليم في عام 2022، أي ما يعادل 13.1% من إجمالي إنفاقها العام في عام 2023.

لذا تؤكد ورقة بحثية بعنوان: "الإنفاق على الفصول، هل على قد إمكانياتنا نشد اللحاف؟"، نشرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية العام 2024، أن مصر تعاني من أزمة في نقص الفصول والمدارس وبحاجة إلى إضافة 250 ألف فصل لتقليل الكثافة الطلابية.

دفعت تلك الكثافة رضوى كرم، الطالبة بالصف الثاني الثانوي، إلى ترك مدرسة جمال عبدالناصر الثانوية الوحيدة في حي دار السلام، بعد أن واجهت صعوبة في الدراسة وسط فصول مكتظة، لتلتحق بمدرسة مصر القديمة الثانوية بنات، التي تقع على كورنيش مصر القديمة بالقرب من المنيل. 

تبدأ رضوى يومها في الساعة الثامنة صباحًا بعد رحلة من شارع الفيوم بدار السلام إلى مدرستها الجديدة، ثم تواصل يومًا طويلًا لا ينتهي قبل السابعة مساءً، بعد انتهاء دروسها الخصوصية في المنيل، والتي تلحق بيومها الدراسي الممتد حتى الثانية ظهرًا. 

يؤكد حسن شحاتة، خبير تعليمي، أن بناء المدارس في المراحل التعليمية المختلفة هو حق أصيل لطلاب وطالبات الأحياء، خاصةً الأحياء المحرومة ثقافيًا والمكتظة سكانيًا مثل دار السلام. 

ويشير لـ"صوت السلام" إلى أن مشكلة الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة تتفاقم عندما يقتصر التعليم الثانوي على مدرسة أو اثنتين فقط، ما يؤدي إلى ازدحام شديد داخل الفصول، وزيادة الضغط على مدارس الأحياء المجاورة، الأمر الذي يحرم طلاب تلك الأحياء من بيئة تعليمية آمنة وفعالة.

إرهاق مادي

توضح رضوى: "فلوس المواصلات زادت لأن المدرسة أصبحت بعيدة، والمشوار طويل برجع منه مش قادرة أذاكر كان نفسي المدرسة تكون قريبة من البيت بدل ما أهلي بيدفعوا فلوس كتيرة حوالي 500 جنيه في الشهر".

بينما يحتاج مهند 600 جنيه شهريًا لاستخدام المترو في الوصول إلى مدرسته البعيدة، إلى جانب مواصلات أخرى تربط بين محطات المترو والمدرسة، وكذلك من محطة دار السلام إلى منزله، فضلًا عن مصروفات التغذية اليومية والدروس الخصوصية، ما يضع عبئًا ماليًا إضافيًا على أسرته.

يحتل بند التنقل والمواصلات نسبة 9.6% من إجمالي إنفاق الأسر المصرية على التعليم البالغ 5.7% من دخل الأسرة، ويأتي في المرتبة الثانية بعد بنديّ الطعام والشراب بنسبة 31%، وفق ورقة بحثية نشرتها مؤسسة "حلول للسياسات البديلة" العام 2023 بعنوان: "التعليم ليس للجميع".

وبحسب تحليل بيانات الكتاب الإحصائي السنوي الصادر عن وزارة التربية والتعليم لعام 2023/2024 فإن 86.5% من إجمالي الطلاب في مصر ملتحقين بالمدارس الحكومية، وهو ما يعكس الاعتماد شبه الكامل على هذه المدارس، ورغم ذلك تزيد الكثافة الطلابية في المدارس الحكومية بنسبة 50% عن الخاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ما أدى إلى انخفاض معدل الزيادة في عدد الطلاب بنسبة 84% خلال السنوات الخمس الأخيرة.

داخل مدرسة جمال عبد الناصر الثانوية، المدرسة الوحيدة المخصصة للبنات في حي دار السلام، تتجسد أزمة الكثافة الطلابية، ويقول أحد المدرسين بالمدرسة -فضل عدم ذكر اسمه- إن عدد الطالبات داخل الفصل الواحد يتراوح بين 50 إلى 60 طالبة، وهو عدد يتجاوز الطاقة الاستيعابية لأي فصل دراسي فعّال، ما ينعكس سلبًا على جودة العملية التعليمية، ويجعل من الصعب على المعلمين إيصال المعلومات بشكل مناسب لجميع الطالبات.

ويضيف لـ"صوت السلام": "الكثافة دي بتخلي الدروس مش بتوصل زي ما المفروض، وده بيخلي أولياء الأمور يدوروا على مدارس تانية خارج دار السلام، زي اللي في مصر القديمة أو السيدة زينب، رغم إن ده بيكلفهم وقت وفلوس أكتر"، معربًا عن أمنيته في أن يُبنى المزيد من المدارس داخل الحي، بما يخفف الضغط عن الفصول الحالية ويمنح المعلمين فرصة للعمل في بيئة تعليمية أكثر كفاءة.

يؤكد حديثه الخبير التعليمي حسن شحاتة: "الكثافة داخل الفصول لا تتيح تعليمًا جيدًا بل تؤثر سلبًا على جودة العملية التعليمية ككل، ولا بد من التخطيط السليم، عبر تعاون رئاسة الحي مع وزارة التربية والتعليم، من خلال تقديم بيانات دقيقة حول الأراضي والمساحات المتاحة لبناء مدارس جديدة، على أن يُراعى في البناء عدد الطلاب الحالي والمتوقع مستقبلًا، بما يسهم في حل جذري ومستدام لأزمة التعليم في الحي".

ورغم الكثافة السكانية المرتفعة في حي دار السلام، والذي يقطنه نحو 567 ألفًا و516 نسمة، لا يحتوي الحي سوى على 26 مدرسة فقط بمراحل تعليمية مختلفة، من بينها 12 مدرسة خاصة، ومدرسة فقط للتعليم الثانوي العام، بينما تشير بيانات الكتاب الإحصائي لوزارة التربية والتعليم لعام 2022-2023 إلى أن عدد المدارس بلغ نحو 60.3 ألف مدرسة، لخدمة 25.5 مليون طالب وطالبة، تضم القاهرة 5813 مدرسة بمتوسط كثافة في المرحلة الثانوية 52 طالبًا في الفصل الواحد.

ويتركز أغلب هؤلاء الطلاب في المدارس الحكومية، التي تستوعب وحدها نحو 22.7 مليون طالب، أي ما يعادل 89% من إجمالي عدد الطلاب، مقابل 11% فقط في المدارس الخاصة، والتي تضم نحو 2.8 مليون طالبًا.

وبشكل عام تعد المرحلة الابتدائية في القطاع الحكومي الأكثر كثافة بمتوسط 55 طالبًا في الفصل، تليها المرحلة الإعدادية بكثافة تصل إلى 50 طالبًا في الفصل الدراسي الواحد، ثم تليها مرحلة الثانوية بكثافة 48 طالبًا، وفق بيانات كتاب الإحصاء السنوي لعام 2022 الذي يصدره مركز معلومات وزارة التربية والتعليم.

شعور بالذنب

يشترك محمد ورضوى في الشعور بالذنب تجاه أسرهم، التي تتحمل أعباء مالية إضافية لتأمين حقهم الأساسي في التعليم الثانوي، هذا الشعور دفع زميلهم سيد حسين، 16 عامًا، من حي دار السلام، إلى اتخاذ قرار صعب وهو تقليص عدد أيام ذهابه إلى مدرسته "الخديوية الثانوية بنين" في السيدة زينب، والاكتفاء بالحضور مرة أو مرتين في الأسبوع فقط، لتخفيف العبء المالي عن كاهل أسرته. 

بهذه الخطوة، قلّص سيد نفقات المواصلات بنسبة 50%، بعدما كان يدفع يوميًا 7 جنيهات لركوب "ميكروباص" السيدة زينب، ثم 6 جنيهات إضافية لـ"توكتوك" يقله من الموقف إلى منزله في شارع الفتح، ليصل إجمالي ما كان ينفقه إلى 26 جنيهًا يوميًا، و292 جنيهًا شهريًا.

يقول: "درجاتي بتتأثر لأني بغيب، بس أنا مهتم أفهم وأتعلم، التكاليف صعبة، وبحتاج أكل كويس واشتري كتب وكشاكيل، غير إخواتي اللي لسه في مدارس وبيتطلب لهم مصاريف تانية، وأنا مش عايز أكون عبء لكن حاسس إني في مطاردة مع فلوس التعليم".

ويُفسر عبدالله محمد، متخصص في علم الاجتماع، هذا الشعور بأنه نتيجة استنزاف الدخل الشهري للأسر في التعليم فقط، وهو ما يولّد شعورًا بالذنب لدى الأبناء تجاه ذويهم، موضحًا أن بُعد المدارس عن محل سكن الطلاب له تداعيات اقتصادية واجتماعية أعمق، إذ تُثقل تكاليف الانتقال والالتحاق بمدارس خارج نطاق السكن كاهل الأسر.

ويُضيف لـ"صوت السلام": "ابتعاد الطلاب عن أحيائهم وأقرانهم يؤثر على اندماجهم الاجتماعي، ويُحدث قطيعة بينهم وبين بيئتهم الأصلية، ما يجعلهم ينتقلون قسرًا إلى بيئة تعليمية واجتماعية مختلفة، قد لا تتوافق مع خلفيتهم الثقافية أو الاجتماعية هذا التبدل يؤثر على استقرارهم النفسي، كما يعمق من العزلة الأسرية نتيجة غيابهم الطويل عن المنزل، بما قد يخل بالبنية الاجتماعية للأسرة في المدى البعيد".

ويحذر الخبير التعليمي من أن الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية على الأسر في قطاع التعليم قد تدفع إلى تسرب الطلاب، في محاولة من الأسر إلى تقليص الميزانية التي تلتهمها بنود التعليم على رأسها تكلفة المواصلات والتنقل.

بحسب المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو"، يُعد التسرب من التعليم أحد مظاهر الفقر التربوي، ويتمثل في ترك الطالب للدراسة في مرحلة ما من مراحل التعليم، بينما تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر إلى تسجيل نحو 82 ألف حالة تسرب سنويًا.

ويعاني نحو 26% من السكان ممن تجاوزوا سن الخامسة عشرة من الأمية، أي أنهم لا يجيدون القراءة أو الكتابة، ويبلغ عددهم حوالي 17.4 مليون شخص، بحسب وزارة التعليم، وتأتي القاهرة في المرتبة الخامسة ضمن المحافظات الأعلى في معدلات الأمية.

اختفاء الدور الرقابي

تواصلت "صوت السلام" مع الدكتور محمد عبداللطيف، وزير التربية والتعليم، وشادي زلطة، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"، للرد على أزمة نقص المدارس الثانوية في حي دار السلام، ومعرفة الجهود المبذولة لحلها، لكن لم يرد أي منهما حتى لحظة نشر التقرير.

في المقابل، يؤكد عمرو بصيلة، مدير الإدارة المركزية لتطوير التعليم، أن الوزارة تعمل بالفعل على تقليل العجز في المدارس، لكنه أقر بأن نموذج حي دار السلام ليس استثناءً، بل يتكرر في العديد من الأحياء المكتظة سكانيًا، موضحًا أن رغم وجود خطة للتوسع في بناء المدارس وبدء تنفيذها، إلا أن العجز لا يزال يؤثر بشكل مباشر على العملية التعليمية للطلاب.

ويضيف لـ"صوت السلام": "يمكن في الوقت الحالي التركيز على تنظيم التقديم للمدارس في الأحياء المجاورة، من خلال حساب المسافات، حتى لا يضطر الطلاب إلى قطع مسافات طويلة تتطلب مواصلات ومجهودًا يوميًا، وتقوم بهذه المهمة الإدارات التعليمية في الأحياء، كخطوة انتقالية مؤقتة، حتى تستكمل الوزارة خطتها لحل الأزمة جذريًا".

بين مشوار مهند اليومي إلى مدرسة في جاردن سيتي، ورحلة رضوى الطويلة من دار السلام إلى كورنيش مصر القديمة، ومحاولة سيد تقليل أيام حضوره المدرسي لتخفيف الأعباء المالية على أسرته، جميعهم يدفعون الثمن ذاته، وقتًا مستنزفًا، وجهدًا مضاعفًا، وتكاليف لا تقوى عليها أسرهم.