زيادة أسعار البنزين تكشف معاناة الأسر مع الخبز السياحي

Photographer: مريم أشرف - الخبز السياحي في دار السلام

Written By مريم أشرف
2025-05-12 15:16:00

بينما كانت زينب إبراهيم، ربة منزل وأم لأربعة أبناء، تعد وجبة العشاء لعائلتها، لم تجد خبزًا كافيًا، لذا طلبت من أحد أبنائها شراء 10 أرغفة من الخبز السياحي، والذي اعتمدت عليه منذ أشهر بعد فقدانها بطاقة التموين.

حاولت زينب مرارًا استخراج بدل فاقد إلا أن تعقيد الإجراءات أطال المدة، مما اضطرها إلى شراء الخبز السياحي يوميًا، رغم كلفته المرتفعة مقارنة بالخبز المدعم.

فوجئت زينب بأن ثمن الأرغفة العشرة التي طلبتها ارتفع من 10 جنيهات إلى 12.5 جنيه. لم يكن الأمر مجرد زيادة بسيطة، بل مؤشرًا على أزمة جديدة تطرق باب أسرتها، التي بالكاد تُدبّر احتياجاتها اليومية.

زيادات غير محسوبة

صبيحة الليلة التي كانت تعد فيها زينب وجبة عشاء بسيطة للأسرة، أعلنت شعبة المخابز بالغرفة التجارية بالقاهرة، عبر بيان رسمي، عن زيادة جديدة في أسعار الخبز السياحي تراوحت بين 20% و25% للرغيف الواحد. 

وأوضحت الشعبة أن هذه الزيادة جاءت نتيجة قرار لجنة التسعير التلقائي برفع أسعار السولار بقيمة جنيهين، ليصل إلى 15.5 جنيه للتر بدلًا من 13.5، وهو ما انعكس على تكلفة إنتاج الخبز، إذ أن شوال الدقيق الواحد يستهلك نحو 16 لترًا من السولار، مما رفع تكلفة السولار في إنتاجه إلى 248 جنيهًا بزيادة قدرها 32 جنيهًا.

الآن أصبحت زينب تدفع نظير الخبز فقط 1000 جنيهًا شهريًا: "بقالي شهور بحاول أطلع بدل فاقد عشان أخد عيش مدعم ومش عارفة، حتى العيش بقى له بند كبير في الميزانية مش عارفين هنأكل إزاي".

جولة تكشف ارتفاع سعر الخبز

تشير التوقعات إلى ارتفاع سعر رغيف الخبز السياحي من جنيه إلى ما بين 1.25 و1.5 جنيه، وارتفاع الرغيف فئة 2 جنيه إلى 2.25 جنيه، وذلك وفقًا لوزنه، بعدما تقدمت الشعبة العامة للمخابز بمذكرة إلى وزارة التموين تطالب برفع الأسعار بنسبة 30% عقب زيادة أسعار الوقود.

يحصل 55% من المصريين على الخبز البلدي المدعم، الذي ارتفع سعره من 5 إلى 20 قرشًا بنسبة 300% في مايو الماضي وفق بيانات مجلس الوزراء، بينما يمثل الخبز السياحي نحو 45% من المواطنين، مما يزيد من الأعباء المالية على الأسر الواقعة خارج مظلة الدعم، في ظل ارتفاع أسعاره الحالية، ويجعل الحصول على رغيف الخبز اليومي معاناة مستمرة لهذه الفئة بعد كل تحريك لأسعار الوقود.

وأظهرت جولة "صوت السلام" في عدد من المخابز السياحية بالحي ارتفاعًا في أسعار الأرغفة، حيث زاد سعر الرغيف بالوزن الأساسي (80 جرامًا) من جنيه إلى جنيه ونصف، بينما ارتفع سعر الرغيف الأكبر وزنًا (180 جرامًا) من 2 جنيه إلى 3 جنيهات.

ووفقًا لما رصدته الجولة، طبقت هذه الزيادات في اليوم التالي من تحريك أسعار الوقود، وأكد قاسم مجدي، عامل مخبز سياحي في دار السلام، على وجود حالة غضب بين زبائنه منذ الزيادة.

وقال لـ"صوت السلام": "الخبز السياحي لم يعد اختيارًا ترفيهيًا للأسر الغنية، بل أصبح وسيلة لسد الفجوة الغذائية، لأن هناك العديد من الأسر تعتمد عليه في الشراء بسبب عدم دخولهم ضمن مظلة التأمين"، مشيرًا إلى أن الزيادات الأخيرة في الأسعار، دَفعت بعض الزبائن إلى تقليل الكميات التي يشترونها حتى تتناسب مع ميزانياتهم.

من بين هؤلاء كريم إبراهيم، رب أسرة، الذي أكد أن ارتفاع سعر الخبز السياحي أثر بشكل مباشر على ميزانية أسرته الشهرية، إذ أصبح جزء كبير من راتبه يذهب للخبز.

لم يكن عدم وجود كريم وأسرته في مظلة التأمين الاجتماعي رفاهية أو رغبة منهم: "كلما تقدمت بالأوراق يتم رفضها دون سبب. أبنائي في أعمار 10 و7 سنوات، لم يستفيدوا فعليًا من الدعم، رغم قرار الوزارة بإدراج الأطفال فوق سن الرابعة".

لجأ كريم مؤخرًا إلى تقليل معدل استهلاك الأسرة من الخبز السياحي اليومي من 10 أرغفة إلى 7 وأحيانًا 5 فقط كمحاولة لمواجهة الارتفاع الذي حدث.

فجوة الدعم

وهنا يؤكد الدكتور أحمد خطاب، الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع سعر الخبز ينعكس مباشرة على ميزانية الأسر، باعتباره عنصرًا أساسيًا في الغذاء لا يمكن الاستغناء عنه، مشيرًا إلى أن الأثر الاقتصادي يظهر في لجوء الأسر إلى إجراء مناورات في سلة الغذاء، مثل تقليل شراء بعض المنتجات أو اختيار بدائل أقل جودة، من أجل الحفاظ على الكمية المطلوبة من الخبز.

يتسق ذلك، مع تقرير بحثي أصدره مركز "بصيرة" (وهو مركز غير حكومي لبحوث الرأي العام) خلال شهر مارس الماضي، أظهر أن 74% من الأسر المصرية اضطرت إلى تقليص استهلاكها من السلع الغذائية، في مؤشر واضح على التأثير المباشر لارتفاع الأسعار على أنماط الغذاء لدى المواطنين.

تؤكد الحكومة في بيانًا لها أن فاتورة دعم الخبز والسلع التموينية تجاوزت 134 مليار جنيه حتى العام 2025، لكن يظهر تحليل بيانات التضخم الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وجود فجوة واضحة بين معدل التضخم التراكمي وزيادة الدعم الحكومي خلال الفترة من يوليو 2014 وحتى مارس 2025.

التضخم التراكمي هو مجموع نسب ارتفاع الأسعار على مدار فترة زمنية طويلة، ويُستخدم لقياس الأثر الكلي لتغيرات الأسعار المتواصلة، بحيث يُظهر كيف تتراكم نسب التضخم السنوية لتؤدي إلى زيادة كبيرة في تكلفة المعيشة بمرور الوقت.

وبنظرة أعمق، بلغ التضخم التراكمي نحو 395%، بينما لم تتجاوز نسبة زيادة الدعم خلال الفترة نفسها 306%، هذا يعني أن الأسعار ارتفعت بمعدل أسرع بكثير من نمو مخصصات الدعم، بفارق يصل إلى 75% لصالح التضخم، ما أدى إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم المُقدَّم للمواطنين، وتقليص قدرته على تغطية احتياجاتهم الغذائية.

كما توضح بيانات الموازنة العامة أن دعم السلع التموينية والخبز ارتفع من 39.4 مليار جنيه في عام 2014 إلى 160 مليار جنيه في موازنة 2025/2026، بنسبة زيادة تبلغ 306%. 

ورغم هذه الزيادة، إلا أن معدل التضخم التراكمي لمجموعة الطعام والمشروبات خلال نفس الفترة بلغ نحو 564%، ما يعني أن الأسعار تضاعفت تقريبًا مقارنة بزيادة الدعم. 

يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد خطاب، أن رفع البنزين والسولار أدى إلى زيادات في عدد من السلع على رأسها الخبز، وارتفاع الموجة التضخمية التي تأكل أي دعم حكومي في تلك القطاعات.

ويوضح لـ"صوت السلام" أن كل زيادة في أسعار المحروقات تؤدي إلى سلسلة ارتفاعات تطال قطاعات أساسية، ويكون الخبز من أول المتأثرين، خاصةً الخبز السياحي الذي لا يحظى بأي دعم حكومي ويتأثر مباشرة بتكاليف السولار وأسعار القمح. 

سلسلة ارتفاعات

وشهد سعر الخبز السياحي سلسلة من الزيادات منذ عام 2022، نتيجة ارتفاع أسعار السولار، على الرغم من وصول معدل التضخم إلى 6.5% في قطاع الطعام والمشروبات، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. 

في عام 2022، ارتفع سعر رغيف الخبز السياحي بقيمة 25 قرشًا، بسبب تأثيرات الحرب الأوكرانية الروسية على استيراد القمح، ليصل سعر الرغيف إلى جنيه واحد بدلًا من 75 قرشًا، ثم في عام 2023، شهد السعر زيادة أخرى ليصل من جنيه واحد إلى جنيه و25 قرشًا.

مرّ سعد خليفة، 28 عامًا، مغترب، بكل تلك الزيادات في أسعار الخبز، كونه خارج مظلة دعم الخبز: "أنا مغترب ولا أستفيد من منظومة التموين، وأستهلك يوميًا بين 7 إلى 10 أرغفة، ولا أجد خيارًا سوى الخبز السياحي". 

ويضيف: "لا يعقل أن نُنشئ منظومة لدعم الخبز وتقتصر على الأسر فقط، نحن المغتربين حالتنا صعبة ونواجه أعباء مالية بسبب تواجدنا بعيدًا عن أسرنا من أجل العمل لذا نضطر إلى شراء الخبز السياحي".

ويؤكد حديثه قاسم مجدي، عامل بالمخبز السياحي، بأن أغلب الزبائن الدائمين في المخبز هم من الأسر التي لا تنتمي إلى منظومة التموين أو تلك التي يحصل جزء منها على الدعم سواء كانوا أسر أو مغتربين.

ويعمل المخبز لمدة 12 ساعة يوميًا، حيث لا تتوقف الأسر عن شراء الخبز بمبالغ تتراوح بين 10 إلى 30 جنيهًا يوميًا، مما يوضح أهمية الخبز السياحي كخيار رئيسي لكثير من الأسر.

خطر اجتماعي وسياسي

يستهلك المصريون سنويًا ما يتراوح بين 9 إلى 9.5 مليون طن من القمح، بينما بلغت إجمالي المساحة المزروعة بالقمح في مصر حوالي 3.1 مليون فدان، ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، يصل استهلاك الفرد السنوي من الخبز إلى 889 رغيفًا.

لكن جانب آخر للأزمة، توضحه الدكتورة جيهان النمرسي، استشاري علم الاجتماع، وهو أن الخبز لا يعد مجرد عنصر من عناصر الطعام، بل هو أحد الأسس المهمة اجتماعيًا تعكس العدالة الاجتماعية والاقتصادية. 

وتضيف لـ"صوت السلام": "وعندما يحدث نقص في هذا الرمز أو تتأثر قيمته بسبب زيادة الأسعار، فإن لذلك تأثيرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا على الأسرة، حيث يضع رب الأسرة في موقف صعب، يتمثل في عدم قدرته على توفير الأساسيات اللازمة للحياة بسبب نقص الخبز".

يتسق ذلك مع ورقة بحثية أصدرها مركز حلول للسياسات البديلة (غير حكومي) يونيو الماضي، خلصت إلى أن استمرار دعم الخبز وقدرة الأسر على شرائه له بُعد سياسي واجتماعي ويلعب دورًا حيويًا كحائط صد أول ضد تفاقم ظاهرة الجوع. 

وأشارت الورقة إلى أنه عندما لا يكون هناك طعام في البيت ولا أموال لشراء الغذاء، يصبح "عيش الحكومة" هو الخيار الأرخص والأكثر توفرًا، وفي حال عدم شمولية منظومة الدعم أكبر قدر من الأفراد يقل الرضا عن الحكومات.

وتوضح النمرسي أن ذلك قد يؤدي إلى حالة من التفكك الأسري، حيث يلجأ أفراد الأسرة إلى اتخاذ إجراءات قد تشمل إرسال الأبناء للعمل لتوفير الغذاء، مما يؤدي إلى تراجع أولويات الأسرة عن التعليم والتربية الجيدة، ويصبح تركيزهم الوحيد منصبًا على تأمين احتياجاتهم الغذائية.

وفقًا لتركيبة الدخل في مصر، يعاني العديد من الأفراد من هشاشة اقتصادية وفقر، حيث يشير البنك الدولي إلى أن نحو 69٪ من السكان في مصر يعيشون تحت خط الطبقة الوسطى، أي أن دخلهم اليومي لا يتجاوز 42.3 جنيهًا، وهو ما يعادل القوة الشرائية 6.85 دولار فقط (World Bank, 2019).

حاولت "صوت السلام" التواصل مع الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، وأحمد كمال، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، عبر الهاتف وتطبيق "الواتساب" للحصول على رد بشأن جهود الوزارة في الحد من تأثير ارتفاع أسعار الخبز السياحي على المواطنين، إلا أنها لم تتلقَ رد حتى نشر التقرير، بينما عبدالله غراب، رئيس شعبة المخابز في الغرفة التجارية بالقاهرة، رفض التعليق.

معاناة زينب وكريم وسعد تمثل شريحة واسعة من المواطنين، يخوضون مناورات يومية للحصول على الخبز المدعم، في وقت لا يغطي فيه الدعم الحكومي الفجوة الكبيرة التي تحدثها زيادة الأسعار.