لغة الصمت

تصميم| محمد صلاح

Written By محمود عبد الحميد
2025-11-02 14:15:03

بهدوء حتى لا تلفت خطواتي نظر أحد، دخلت قاعة صغيرة جدرانها برتقالية، هناك وجدت أقلام الرسم الكبيرة وأوراق بدت جديدة وكأنها تنتظرني، لست وحدي بل كنا ستة أشخاص لكنني وجدت أعينًا موجهة نحوي.

أنا شخص انطوائي بعض الشيء، ذات يوم جلست وحدي في النادي كعادتي إذ قررت أن أخرج عن عالمي دي الأربع جدران، لم يخف ما أبديه أنني غريب عن المكان، التقيت بها أول مرة، فتاة جميلة الملامح ذات شعر طويل ونظارة كبيرة، نظرت بعينها نحوي وقالت لماذا تجلس وحدك؟

كانت تجلس في طاوله لكن بعيدة عني بعض الشيء، لم يكن لدي رد على هذا السؤال، ابتسمت لها من بعيد، ثم نظرت إلى السماء أتأملها، أكملت هي طريقها، بعد ان تركت بداخلي أثرًا لسؤالها.

بعد أن ذهبت إلى منزلي ودخلت عالم الأربعة حوائط مرة أخرى، شعرت بدفء هذه المرة، وفكرت في هذا الموقف الغريب، حتى أغلقت عيناي وذهبت في نومي.

مرت أيام بعد هذه الصدفة، قررت مرة أخرى الذهاب إلي النادي، جلست في ذات المكان وحدي أنظر إلى السماء، لكن ظهرت في ذهني "كوبليه" من مسلسلي المفضل "تقابلنا مرة واحدة وكل مرة بستني صدفة حلوة تجمعنا يمكن تطير الوحدة"، لكن لم ألقاها هذا اليوم.

عدت مرة أخرى إلى مكاني بين الأربع جدران الذي طالما ظننت أنني سوف أرتاح فيه، لكنه لم يعد مكان راحتي، فأصبحت راحتي و مكاني الذي أريد الانتماء له هو الجلوس في هذا النادي.

أراك تضحك! فلقد مر أسبوعين وأنا لم أذهب إلى النادي، هل فهمتني؟

الهاتف يرن "كريم" صديقي من النادي، يقول لي ودون مقدمات، هناك شخص يسأل عني ويريد أن يلقاك، لم أتوقع أنها هي وسريعًا قلت: "من؟"، قال: "لم تذكر لي اسمها".

حين ذهبت إلى هناك في اليوم التالي، انتظرتني في مكاني المعتاد ومعها كتاب.

أنا: سألت عليّ؟

هي: آه

أغلقت الكتاب وتحدثنا قليلاً، لكن أعيننا كانت تتكلم أكثر وشعرت بالراحة معها، عادت توجه لي الأسئلة مرة أخرى.

هي: تحب نذهب إلى صالة ألعاب الفيديو

لساني لم ينطق بكلمة، لكن قدماي ذهبت معها وتركنا النادي، جلسنا لنلعب وأعلمها ثم تحدثنا كثيرًا وضحكنا كثيرًا، انتهي اليوم وذهب كل واحد منا إلى منزله. 

تبدلت عاداتي من الجلوس بين جدران عالمي إلى المشي يوميًا في الشوارع وسماع أغنية "كايروكي" حتى أتى يوم ما واعترفت لها بحبي، لكن هي كانت تحب أن تبقى علاقتنا كما هي، وهذه كانت بداية النهاية، لم تعد علاقتنا لطيفة، لم تعد نظراتي لها أنها مجرد صديقة، وصار بيننا حاجز إلى أن لم نعد نعرف أي شيء عن بعض. 

بعد مرور الوقت..

ذهبت لتعلم الرسم والتقيت "نور" هناك صدفة، وفي آخر يوم للورشة قرر المدرب أن يعلمنا درساً مهماً، قسمنا لمجموعات كل مجموعة تتكون من شخصين، اختارني أنا و"نور" لم تكن تنظر لي منذ أن دخلت إلى التدريب، والآن تنظر إليّ، بعد أن كلفها المدرب برسم "بورتريه" مع وصفه دون كلام.

"ممنوع الكلام خالص" هكذا شدد المدرب، حين انتهى التدريب كانت رسمتي أنا وهي متشابهة، وكأننا واحد فقط.

قال المدرب مستغربًا: "إزاي من غير ما تتكلموا!"

نظرت أنا ونور إلى بعضنا وابتسمنا وكأن بيننا لغة تانية، وهدوء مثل أول مرة التقينا، نظرة مننا كانت كفيلة أن نفهم بعضنا. 

نظر المدرب إلينا باستغراب، وقرر أن يعيد التمرين مرة أخرى، ولكن في هذه المرة سمح لنا أن نتكلم، بدأنا بتنفيذ الرسمة، كانت مفاجأة هذه المرة، أن كل المجموعات نفذت هذه الرسمة ببراعة، إلا أنا وهي، كأن الكلام لا يتناسب معنا والهدوء الذي كان بيننا "اتكسر".

يقف هنا المدرب مرة أخرى وعلى وجهه ملامح الاستغراب أكثر: "إزاي فهمتوا بعض أول مرة من غير كلام، ولما اتكلمتوا ضاع التناغم؟!"

لم نستطع تبرير الأمر له لكن داخلي كان لدي إجابة، شعرت أن علاقتي بنور كان الصمت فيها أبلغ من الكلام.

نظرت إلى المدرب متعجبًا بسبب الصدفة التي جمعتني بها مثل المرة الأولى، حينها تمنيت لو ظللنا أصدقاء فقط، اكتشفت أنني أحتاج إليها صديقة وليس حبيبة.