16 ساعة عمل.. شهادات أطباء الطوارئ بعد وفاة طبيب المنصورة

تصميم| باسم حنيجل

Written By سلمي الهواري
2025-09-23 12:43:53

في 8 أغسطس 2025، سقط الدكتور عبداللطيف فرج، 32 عامًا، في ممر مستشفى التأمين الصحي بالمنصورة، خلال مناوبته الليلية في قسم الطوارئ. حاول زملاؤه إنقاذه، لكن أزمة قد ألمّت بقلبه بعد 16 ساعة عمل متواصلة، وأدى توقف ضخ الدم إلى فشل محاولات الإنعاش ووفاته.

قبل تلك الليلة، كان عبداللطيف يحلم بالسفر إلى إحدى دول الخليج للحصول على المعادلة العربية -وهي دراسة واختبار يتيحان للأطباء معادلة شهاداتهم للعمل هناك- نظرًا لسهولتها وانخفاض تكاليفها، وفق ما يرويه الدكتور أسامة عبدالمنعم*، 34 عامًا، طبيب بقسم الطوارئ وأحد شهود العيان على لحظة وفاة عبداللطيف.

وفاة طبيب المنصورة

يقول أسامة: "نشعر بالعجز، رأينا زميلنا ينهار بسبب الإرهاق؛ نحن منقذو الأرواح ولم نستطع إنقاذ أحدنا، كان يوم قاس، غاص بالحالات الحرجة من نزيف وحروق وانتهى بهذه الصدمة".

رحيل عبداللطيف أثار الحديث عن معاناة أطباء الطوارئ، وكشف عن واقع مأساوي يعيشه الأطباء في مستشفى التأمين الصحي بالمنصورة -وفق شهادات زملاء فرج لـ"قلم المنصورة"-، حيث تمتد نوبات العمل إلى 16 ساعة متواصلة وسط ضغوط هائلة، مع تعاملهم يوميًا مع أكثر من 150 حالة، تتنوع بين الحوادث المفاجئة وأزمات القلب، في ظل أجور متدنية لا تعكس حجم المسؤولية.

أحلام دهسها ضغط العمل

خرج الدكتور عبداللطيف فرج من أسرة متوسطة الحال، وكان الابن الوحيد الذي يعول والدته بعد وفاة والده، براتب طبيب مقيم لا يتجاوز 7 آلاف جنيه، وفق ما يرويه زميله الدكتور أسامة: "كان لديه أحلام كبيرة، تمنى أن يمنح والدته حياة أفضل ويؤسس أسرة كريمة، لكن راتبه لم يكن يكفي، لذلك كان يلجأ أحيانًا لأعمال إضافية بجانب الطب، مثل النجارة والسباكة والتمريض المنزلي، غير أن ضغوط المستشفى كانت فوق طاقته، خصوصًا في الشهور الأخيرة".

عُرف عبداللطيف بين زملائه بأخلاقه الرفيعة وابتسامته الدائمة، تروي الدكتورة أسماء حمدي*، طبيبة الامتياز بالمستشفى، والتي ما زالت ترتدي ثوبها الأسود حدادًا عليه: "كان يمر يوميًا على المكاتب ليلقي التحية بابتسامة، يشجعنا دائمًا على الصبر والرضا، ويزرع فينا بعض الأمل وسط هذا الضغط الخانق".

أما أسامة، الذي عاش معه تفاصيل أيامه الأخيرة، يتحدث بنبرة يملؤها الحزن: "كنا نفطر سويًا كل صباح، وننهي المناوبة معًا، ويشاركني معظم أوقاتي في المستشفى، وبعد رحيله شعرت أنني مجرد أداة يحركها النظام الطبي فوقنا، لم نعد نعلم إن كنا سنعود إلى بيوتنا أم سنعود في أكفاننا بعد أيام من الشقاء داخل الطوارئ".

لأطباء الطوارئ في المستشفى غرفة وحيدة مخصصة للاستراحة، تضم سريرين متهالكين بمراتب بالية ومياه ضعيفة، يتناوب على استخدامها أكثر من 12 طبيبًا وطبيبة، وفي كثير من الأحيان يدفعهم الإنهاك إلى تناول مسكنات أو منبهات لمواصلة العمل لساعات إضافية، ما يترك آثارًا سلبية على حالتهم العصبية والجسدية لاحقًا.

- يحدد قانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003 الحد الأقصى لساعات العمل الفعلية بـ48 ساعة أسبوعيًا، ويؤكد أنه لا يجوز بأي حال أن تتجاوز ساعات العمل اليومية عشر ساعات.

واقع مأساوي لأطباء الطوارئ

كانت وفاة الدكتور عبداللطيف فرج نتيجة طبيعية لواقع العمل القاسي الذي يعيشه أطباء الطوارئ في مستشفى التأمين الصحي بالمنصورة، يتابع أسامة: "العمل في قسم الطوارئ صعب بطبيعته، لكن خلال السنوات الأخيرة أصبح الضغط مضاعفًا، نعمل أحيانًا بين 12 و16 ساعة يوميًا مقابل راتب لا يتجاوز 7 آلاف جنيه، ونضطر لمضاعفة المناوبات بسبب نقص الأطباء حتى أن بعض الزملاء يظلون في النوبات لأكثر من 48 ساعة متواصلة، والرواتب لا تعكس حجم الجهد، ومتوسط دخل الطبيب المقيم يتراوح بين 4 و6 آلاف جنيه، وأحيانًا أقل إذا كان على عقد مؤقت".

-  يلزم القرار رقم 183 لسنة 1961 خريجي كليات الطب بقضاء عامين في المستشفيات الحكومية في أقسام الطوارئ، فيما يُنتدب أوائل الدفعات إلى المستشفيات الجامعية بوظيفة "طبيب مقيم".

ووفق ما أوضحه الدكتور أسامة عبدالحي، نقيب الأطباء، خلال لقاء تلفزيوني سابق، فإن راتب طبيب الامتياز لا يتجاوز 2800 جنيه شهريًا قبل خصم الضرائب، وينخفض إلى 2600 جنيه بعد الاستقطاع، بينما يصل راتب الطبيب المقيم إلى نحو 7 آلاف جنيه فقط، وهي أرقام لا تواكب الضغوط الهائلة ولا حجم المسؤولية.

- يبلغ عدد الأطباء المسجلين في مصر نحو 213 ألف طبيب، 60% منهم يعملون خارج البلاد، إما للهجرة أو لاستكمال الدراسات العليا أو لأسباب شخصية أخرى، وفقًا لتصريحات سابقة لـ"نقيب الأطباء".

تتسق شهادة الطبيب أسامة مع ما تعيشه أسماء طبيبة الطوارئ وزميلة عبداللطيف، إذ تؤكد أن ساعات العمل في قسم الطوارئ قد تمتد في بعض الأيام إلى 24 ساعة متواصلة، خاصة في مستشفى التأمين الصحي الذي يستقبل مرضى من أكثر من محافظة: "الرواتب ضعيفة للغاية مقارنة بحجم المجهود، ولذلك يسعى كثير من الزملاء للسفر بحثًا عن فرص أفضل".

 وبرأيها، لم تكن وفاة عبداللطيف سوى انعكاس مباشر لحجم الضغط النفسي والجسدي الذي يعيشه الأطباء يوميًا، مضيفة: "كانت صدمة كبيرة، لكنها للأسف لن تكون الأخيرة".

وتشير أسماء إلى أن الأطباء كانوا قبل ساعات من الحادث يتناقشون حول استقالات طبيبات قسم النساء والتوليد بجامعة طنطا بسبب ظروف العمل غير الآدمية، موضحة: "ما حدث هناك يسلط الضوء على معاناتنا نحن أيضًا أغلبنا كطبيبات بالطوارئ غير متزوجات، ونعول أنفسنا براتب 7 آلاف جنيه بالكاد يكفي المواصلات، كثيرًا ما أضطر للاقتراض من والدي لتغطية احتياجاتي الأساسية، إذ لا وقت متاح لأي عمل إضافي بسبب المناوبات الطويلة".

نفس المعاناة التي تحدث عنها زملاء عبداللطيف، يؤكدها أيضًا الدكتور أيمن عبدالعزيز*، استشاري الجراحة بالمستشفى، الذي يرى أن الأزمة أعمق من مجرد حادثة فردية، ولكنها نتاج سنوات من تراكم النقص في الكوادر وضعف الأجور وغياب بيئة العمل الآمنة. 

يقول: "الطبيب هنا يعمل في ظروف بالغة الصعوبة، ومع ذلك يُطلب منه تقديم خدمة طبية عالية الجودة"، موضحًا أن أطباء الطوارئ يواجهون على مدار الساعة أزمات قلبية وحوادث وإصابات خطيرة: "بعد وفاة زميلنا حاولنا رفع الروح المعنوية للفريق، لكن الضغط لم يتغير، لأننا ببساطة لا نملك رفاهية التوقف، الحل لا يكون بالكلام فقط، بل بخطوات عملية لتحسين بيئة العمل وضمان سلامة الأطباء".

حاولت معدة التقرير التواصل هاتفيًا مع الدكتورة وفاء إسماعيل، مديرة مستشفى التأمين الصحي، للحصول على حق الرد، إلا أنه لم يُجب على الاتصالات أو المراسلات حتى موعد نشر التقرير.

مطالب بتقنين ساعات العمل.. والمستشفى تنعي

إزاء هذا الوضع المأساوي، اكتفت نقابة الأطباء في الدقهلية بنعي الطبيب عبداللطيف فرج دون الإشارة إلى سبب وفاته، لذا يشدد الدكتور علي توفيق، نقيب أطباء الدقهلية، على ضرورة تقنين ساعات النوبتجيات ووضع حد أقصى صارم لساعات العمل المتواصلة في أقسام الطوارئ، مع إلزام المستشفيات بتوفير فترات راحة كافية بين النوبات. 

ويوضح لـ"قلم المنصورة": "لا بد من إنشاء آليات طارئة للتدخل عند ظهور الإرهاق، إضافة إلى تحسين قيمة البدلات والحوافز للحد من عزوف الأطباء أو هجرتهم، نحن بحاجة إلى تعاون حقيقي بين وزارة الصحة والنقابة ومجلس الوزراء، لبحث تلك الأوضاع حتى لا تتكرر مأساة عبداللطيف مرة أخرى".

ما يخشاه زملاء عبداللطيف أن تبقى قصته رقمًا مجردًا في سجل الخسائر، لاسيما أن واقعة وفاته قد تتكرر ما دامت بيئة العمل على حالها، في قسم الطوارئ ذاته ما زال أسامة وأسماء وعبدالعزيز يعملون بالساعات الطويلة نفسها وتحت الضغوط ذاتها.

*جميع أسماء الأطباء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن.