ثلاثة أشهر من العطش.. انقطاع المياه يحاصر أهالي قرى تمي الأمديد

Photographer: سلمى الهواري - إقبال مواطنين على شراء المياه بإحدى قرى تمي الأمديد

Written By سلمي الهواري
2025-08-20 14:18:22

"بقينا نغلي المية مرتين قبل ما نديها للأطفال.. وبنستنى عربية المية كأننا بنستنى فرج من السما"، تصف أم رامي، ربة منزل من قرية صدقا التابعة لمركز تمي الأمديد بمحافظة الدقهلية، معاناة مستمرة منذ ثلاثة أشهر، إذ انقطعت مياه الشرب عن القرية.

تحكي أم رامي، 63 عامًا: "في يوم صحينا لقينا الميه مقطوعة تمامًا، مفيش أي نقطة ينزل من الحنفيات لأكتر من 15 ساعة، قولنا انقطاع عابر، وبعدها رجعت ساعتين بس وانقطعت تاني، ومن يومها والانقطاع مستمر بقاله تلات شهور من غير حتى أبسط حقوقنا كبني آدمين وهي بوق الميه".

اضطرت هي وأطفالها الستة في أول أسبوعين من الانقطاع الاعتماد على شرب مياه الترعة القريبة بعد غليها مرارًا، حتى بدأت عربات بيع مياه الشرب، تابعة لشركات خاصة، تمر أسبوعيًا تبيع جركن مياه سعة 5 لترات بـ 30 جنيهًا: "وكدة غالي ومش بيكفي حد استخدام الميه بحساب، ونسينا شكلها وهي نازلة من الحنفية ولو نزلت بتكون صفرا".

الحق في المياه

في مركز تمي الأمديد الذي يضم 21 قريًة وعزبًة، تحوّلت أزمة انقطاع المياه إلى معاناة ممتدة، خاصًة في القرى الطرفية؛ مثل: صدقا والربع والخمسة والظفر وتاج العز والكمال والبيضا والمنشأة البالية، حيث تنقطع لأسابيع وأشهر، وتعود لساعات وهي ملوثة، ما يدفع الأهالي للاعتماد على مصادر غير صحية أو شراء المياه، دون توضيح من الجهات المعنية سبب الانقطاع وتوقيت حل الأزمة.

يقف أحمد جلال، طالب بالثانوية العامة، على مدخل قرية تاج تعز التابعة لمركز تمي الأمديد، الذي يمتد على مساحة 131.2 كيلومتر مربع، ويقطنه ما يزيد عن 212 ألف نسمة، يحمل معه جركنًا فارغًا وعينه على الطريق منتظرًا عربة المياه التي تأتي كل ثلاثة أيام.

يقول وهو يلهث من حرارة الجو: "كل مرة بندفع من 200 جنيه لو خدنا متر مياه من العربيات اللي الشركات الخاصة بتبعتها، ولحد دلوقتي مشوفناش مسؤول حكومي واحد أو عربية تابعة للشركة القابضة، ورغم كده بيكون طعمها غريب وريحته مش كويسة، لكن مضطرين، وإلا نموت من العطش، بقينا نستحمى في الترع ومحدش حاسس بينا".

- هناك 7.3 مليون شخص في مصر محرومون من الوصول إلى مياه شرب نقية، بينهم 5.8 ملايين في الريف و1.5 مليون بالحضر، وفق اليونيسف.

يُرجع مصدر مسؤول في شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالدقهلية–طلب عدم ذكر اسمه–، انقطاع المياه في تمي الأمديد إلى صيانات تُجرى حاليًا خطوط التوزيع الرئيسية الممتدة من محطة مياه كفر الشيخ عطية إلى المركز،  دون أن يفصح عن ماهية تلك الصيانات، مبينًا لـ"قلم المنصورة" أن هناك بالفعل مشاكل في الضغط وضعف الإمدادات في بعض القرى التابعة.

- يبلغ متوسط استهلاك الأسرة المصرية في المناطق الحضرية من المياه 300 لتر يوميًا وينخفض هذا الرقم في الأرياف إلى 100 لتر فقط.

- انخفض متوسط نصيب الفرد من المياه العذبة في مصر من 546.9 متر مكعب في 2021 إلى 530.1 متر مكعب في العام 2023 بنسبة 3.07%.

ما أسباب الانقطاع؟

وأعلنت شركة مياه الشرب بالدقهلية مطلع يوليو الماضي، أن قرى مثل البساط والكمال ورأس الخليج تواجه ضعفًا في الضغط أو انقطاعًا متكررًا، لوجود أعمال صيانة على خط بقطر 800 ملليمتر الآتي من محطة ميت فارس منذ يناير الماضي، لذا تحدث انقطاعات متكررة في بعض القرى الطرفية؛ مثل: صدقا والربع وظفر، قد تصل إلى أكثر من 13 ساعة، مؤكدًة أن الحل النهائي يتطلب توسعة محطات الضخ ضمن خطة 2026/2025 لضمان تغطية الأطراف وإدخالها الخدمة بشكل دائم.

لكن عبدالرؤوف، 45 عامًا، من قرية تاج العز، يؤكد أن المياه تنقطع لأيام وتمتد إلى أسابيع وليس ساعات: "تاج العز قرية فقيرة، أهلها بسطاء، لا يملكون سوى قوت اليوم ليس لديهم رفاهية شراء مياه معدنية للشرب، أنا معنديش غير المعاش يدوب بيكفي الأكل واحتياجات عيالي".

يقف عبدالرؤوف وغيره أمام خيارين، إما شراء مياه معدنية بتكلفة مالية أو غلي ماء الترع لجعله صالحًا للشرب: "الوضع أشبه بالموت، ولا حياة لمن تنادي رغم أننا قدمنا شكاوى لشركة المياه بالمحافظة".

انقطاع المياه

يوضح الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، أن انقطاع المياه لأشهر في القرى يرتبط مباشرًة بحالة البنية التحتية، إذ ما زالت كثير من القرى تعتمد على شبكات قديمة أُنشئت منذ عقود ولم تخضع لإحلال أو تجديد شامل، ما يجعلها عرضة لكسور متكررة وفاقد مياه مرتفع في الضخ.

يضيف لـ"قلم المنصورة": "التوسع العمراني غير المتوازن سبب أزمة، حيث تُنشأ مجتمعات سكنية جديدة دون تطوير موازٍ لشبكات المياه، يزيد الضغط على الخطوط القائمة، ويؤدي إلى الانقطاع، إلى جانب غياب التنسيق بين الجهات أثناء أعمال الحفر والصيانة للمشروعات، ما قد يتسبب في إتلاف خطوط المياه".

البنية التحتية بالقرى لا تحتمل

يؤيده الرأي الدكتور نادر نور الدين، خبير المياه: "انقطاع الخدمة لساعات أو حتى أيام في بعض المناطق غالبًا ما يرتبط بأسباب فنية معقدة، تبدأ من كسور أو تسربات في الخطوط الرئيسية، وقد تنتج أيضًا عن تهالك البنية التحتية أو تأثرها بأعمال الحفر الخاصة بالمرافق الأخرى".

ويصرح لـ"قلم المنصورة": "انخفاض ضغط المياه نتيجة زيادة الاستهلاك عن القدرة الإنتاجية للمحطات، إضافة إلى أعمال الصيانة والإحلال التي تتطلب فصل الخدمة مؤقتًا، كلها عوامل قد تؤدي إلى تكرار هذه الأزمات في القرى".

- الحصول على المياه النظيفة هو حق إنساني وفق الأمم المتحدة: "يشكل الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي شرطًا أساسيًا لعيش حياة كريمة ودعم حقوق الإنسان".

- تؤكد ورقة بحثية خرجت من المفكرة القانونية غير الحكومية، العام 2015 أن هذا الحق منتهك في مصر.

يُحرم مدحت زيدان، عامل نظافة في قرية صدقا من هذا الحق، إذ يؤكد أنهم قدّموا أكثر من 12 شكوى إلى المجلس المحلي وشركة المياه دون أي رد رسمي، موضحًا أن الجهات المعنية تكتفي بالقول إن المشكلة في الشبكة وإنهم يحاولون إصلاحها: "إحنا داخلين على سنة دراسية جديدة هنعمل إيه؟".

- وفق اليونيسف 98% من المدارس في الحضر بها وصلات مياه شرب نظيفة، مقابل 84% في الريف.

يقول زيدان:"مش عارفين ليه مفيش مسؤول بيطلع يجاوب علينا ويقولنا المشكلة هتتحل إمتى؟ وليه مفيش استجابة للشكاوى".

يؤكد المصدر المسؤول في شركة مياه الشرب بالدقهلية: "الشكوى لا تؤخذ دائمًا بعين الاعتبار ما لم تُرفق بمتابعة ومراقبة فورية"، مشيرًا إلى أن وتيرة العمل بطيئة بسبب التكلفة العالية التي تحتاجها مشروعات البنية التحتية والصرف الصحي في القرى المتضررة: "الأزمة كبيرة وتتطلب الكثير من الوقت والجهد، في ظل محدودية الميزانية المخصصة لتلك القرى الفقيرة".

والنتيجة.. أمراض مزمنة

ويعتمد محمد عبدالمقصود، موظف وأب لثلاثة أبناء من قرية تعز، على مياه الترعة بعد غليها لكونه لا يستطيع شراء المياه المعدنية: "خايفين من البدايل دي لأنها مش صحية بس مفيش حلول تانية قدامنا غير ميه الترع وغليها عشان تطهر".

بينما يحذر نور الدين، خبير الموارد المائية، من شرب المياه الملوثة أو الاعتماد على مياه الترع حتى بعد غليها، موضحًا أن ذلك قد يسبب أمراضًا معوية حادة مثل النزلات المعوية والتيفوئيد.

- وفق منظمة الصحة العالمية يؤدي شرب المياه الملوثة إلى أمراض مثل الكوليرا والكلى.

كما أشار إلى خطورة تراكم المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية الضارة في الجسم على المدى الطويل بسبب تلك المياه، ما يشكل خطرًا كبيرًا على صحة الكلى والكبد.

انقطاع المياه بتمي الأمديد

يقترح الدكتور حمدي عرفة تبني استراتيجية شاملة تشمل إحلال وتجديد شبكات المياه، وتطوير المحطات في القرية الطرفية، وربط خطط البنية التحتية بالتوسع العمراني، بما يضمن استدامة الخدمة وتفادي الأزمات مستقبلًا.

أما نور الدين، أشار إلى ضرورة إعادة هيكلة مواسير المياه والمرشحات، وضرورة صيانة دورية شاملة للمحطات والشبكات، وتركيب تجهيزات احتياطية لضمان استمرار خدمة المياه حتى في حالات الطوارئ للقرى.

لكن معدة التقرير حاولت التواصل مع رئيس الشركة القابضة للمياه محمود رسلان، والمتحدث الرسمي محمد صلاح، ووزيرة التنمية المحلية الدكتورة منال عوض، لطرح تلك الحلول ومعرفة موقف الجهات المعنية من أزمة انقطاع المياه في تمي الأمديد لكن لم نتلق رد.

فيما يؤكد المصدر المسؤول بشركة مياه الشرب بالدقهلية: "المياه ستعود بشكل تدريجي خلال الأسبوعين المقبلين، الشركة تتابع حاليًا الضخ عبر سيارات متنقلة بالتنسيق مع الوحدات المحلية، لتوفير الاحتياجات اليومية لكل أسرة في القرى المتضررة".

تغلي أم رامي الماء مرتين قبل أن تسقي أطفالها الستة، ويظل أحمد جلال واقفًا في شمس قرية تاج العز ينتظر عربة المياه الخاصة، ويحاول عبدالرؤوف تدبير ثمن "جركن"، وينتظرون جميعًا أن تتحول وعود الصيانة إلى واقع يعيد المياه النقية إلى منازلهم.