كيف حوّلت زيادة البنزين التنقل في القرى إلى عبء يومي؟

تصميم/ محمد صلاح

Written By سلمي الهواري
2025-05-15 14:31:53

في قرية صغيرة تابعة لمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، تبدأ "هدى"، خمسينية، يومها في السادسة صباحًا، كما اعتادت منذ سنوات، تحمل على عاتقها مسؤولية كبيرة رغم ضعف الحال. توقظ ابنتها الصغيرة، وتجهزها للذهاب إلى مستشفى المنصورة العام لمتابعة علاجها من الفشل الكلوي. 

تلقي نظرة على ما تبقى من نقود في محفظتها، فلم يترك لها زوجها عامل اليومية أموال إضافية، إذ لا يعلم  المفاجأة التي تنتظرها هي وابنتها في رحلتهما الشاقة من القرية إلى المدينة، حيث أن الرحلة اليومية المعتادة أصبحت أكثر تكلفة بعد يوم 11 أبريل الماضي، حين أُعلنت الزيادة الجديدة في أسعار الوقود، وأضافت عبئًا ثقيلًا على أسرة بالكاد توفر احتياجاتها الأساسية.

تقول هدى: "نحن في القرى نتكبد أموال ضخمة حتى نصل إلى المدينة والمركز حيث الخدمات، من مستشفيات ومدارس وأماكن عمل لا تتوافر في القرى النائية بالمحافظات، لذا فإن غلاء الوقود له التأثير الأكبر علينا".

تزيد معاناة سكان القرى بعد رفع أسعار الوقود،  بسبب ضعف شبكة المواصلات؛ مما يدفعهم للاعتماد على أكثر من وسيلة مواصلات في رحلة واحدة، للوصول إلى حق أساسي كالعلاج أو التعليم أو العمل، وهي مشاوير طبيعية وبسيطة أصبحت تكبدهم أموال مضاعفة في ظل تجاهل طويل لمعاناة سكان المناطق الطرفية في المحافظات.

حق التنقل

يتعارض هذا الواقع مع نص المادة 42 من الدستور المصري المُعدّل في عام 2019، والتي تنص على أن: "تكفل الدولة لمواطنيها حرية التنقل، بما يشمل الحق في استخدام وسائل المواصلات العامة في المناطق الحضرية والريفية، باعتباره حقًا مدنيًا لا يجوز تقييده".

وتؤكد المادة أيضًا على أن "لكل مواطن الحق في الحصول على مسكن ملائم، ووسيلة نقل مناسبة، ومياه نظيفة، وغذاء صحي وملبس لائق مع التزام الدولة بتوفير هذه الحقوق الأساسية لجميع المواطنين دون تمييز".

تنقسم محافظة الدقهلية إداريًا إلى 18 مركز و19 مدينة و499 قرية، بينما يبلغ عدد السكان 696 ألف و151 نسمة وفق إحصاء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فى 22/5/2022، بينما يبلغ عدد سكان القرى في مصر 60 مليون و768 ألف نسمة بواقع 4741 قرية.

بدأت رحلة هدى من قلب القرية، حيث استقلّت هي وابنتها توك توك إلى أقرب موقف سيارات، لم يستغرق الطريق أكثر من 15 دقيقة، لكنّه كلّف الأسرة 25 جنيهًا، مبلغ لم يكن يُذكر سابقًا، لكنه اليوم يُحسب من قوت اليوم. 

بعدها انتقلت بسيارة ميكروباص نحو المنصورة، بتكلفة وصلت إلى 20 جنيهًا للفرد الواحد، بدلًا من 12 فقط، ما يعني أن رحلة الذهاب والعودة لأسرة مكونة من فردين أحدهما مريض، تكلّف 170 جنيهًا في وقت لا يتجاوز فيه دخل الأسرة اليومي 150 جنيهًا وهي يومية زوجها عامل البناء.

تقول هدى: "كنا بنروح المستشفى مرتين في الأسبوع، المتابعة مهمة جدًا لبنتي، دلوقتي بنروح مرة واحدة بس، ولو الحالة ساءت، مبقيناش نقدر، فلوس المواصلات غالية وعشان نطلع بس من القرية ونوصل المركز بنركب كذا مواصلة وبندفع كتير".

تضيف: "حتى جوزي، كان شغال في المعمار، المكتب بدأ يقلل العمالة، ويقلل الأيام الشغل بقى قليل، ومفيش ضمان إنه هيكمل لبكره عشان علاج بنتي". رحلة علاج بسيطة، كانت يومًا ما عادية، باتت اليوم معركة حسابات قاسية بين الضروري والممكن، هكذا تعبر هدى عن شعورها.

نحو 22 مليون أسرة من إجمالي 24 مليون أسرة في مصر يعتمدون على المواصلات العامة في تنقلاتهم، وفق نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2019،  الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي أكد أن بند الانتقالات يستحوذ على 6.1% من إجمالي الإنفاق السنوي للأسر المصرية، بما يعادل 3200 جنيه شهريًا.

وتلتهم المواصلات العامة 70.4 مليار جنيه من أموال المصريين سنويًا، بينما يعيش 14.5 مليون أسرة في الريف بنسبة 55.4% من إجمالي السكان.

رحلة شاقة

مثل هدى، التي باتت رحلة علاج ابنتها عبئًا ثقيلًا على أسرتها، يخوض سعيد عبدالرؤوف معركة يومية من أجل الوصول إلى عمله، إذ يعمل حارس أمن في شركة خاصة، ويعيش في قرية "كوم النور" التابعة لمركز ميت غمر.

رحلته اليومية إلى مقر العمل في المنصورة تستغرق أكثر من ساعة في كل اتجاه: "بشتغل من تمانية الصبح لحد أربعة العصر، بس يومي بيبدأ من الفجر من الساعة خمسة، المواصلات بقت تكلفني 40 جنيه في اليوم بعد ما كانت 20 جنيه قبل زيادة البنزين، والمرتب كله 2800 جنيه، يعني تقريبًا نصه بيروح على الطريق".

يضيف: "أي تأخير بسبب الزحمة أو قلة العربيات أو أزمة البنزين، بيكلفني خصم من المرتب، أنا بين نارين شغل مجهد، وسفر يومي مرهق ومكلف وبسأل نفسي كتير ومش لاقي بديل".

مثلما تقلّصت زيارات هدى إلى مستشفى ابنتها، وأصبح وصول سعيد إلى عمله رحلة تُرهقه ماديًا وجسديًا، تخوض سعاد محمد معركتها اليومية منذ زيادة أسعار البنزين، فهي سيدة ريفية خمسينية تقطن في قرية "دنديط"، وتعمل بائعة منتجات الألبان في سوق المنصورة الذي يبعد عنها ساعة ونصف.

تقول وهي تزيح الوعاء عن كتفها ببطء: "زمان كنت بدفع في المواصلات 10 أو 12 جنيه، دلوقتي بقت أكتر من 25 جنيه في اليوم يعني رايح وجاي 50 جنيه عشان أطلع من القرية، ولو مبعتش بضاعتي، برجع بيها خسرانة، كأني ما خرجتش أصلًا".

تضيف: "الناس بقت تشتري أقل، وكل حاجة غليت، والربح بقى على القد، بل أوقات مش بيكفّي، لو الحال فضل كده، هغصب عني هبطل، رغم إن ده أكل عيشي الوحيد".

عزلة اجتماعية

يصف الدكتور نادر الشعراوي، أستاذ علم الاجتماع الريفي بجامعة المنصورة، ما يعيشه سكان القرى النائية بأنه شكل من أشكال "العزلة الجغرافية الإجبارية"، وهي عزلة لا يشعر بها الكثيرون إلا في لحظات الأزمات، كزيادة أسعار البنزين، التي كشفت هشاشة الوضع المالي للأسر الريفية، خاصة حين تُجبر على استخدام أكثر من وسيلة مواصلات للوصول إلى الخدمات الأساسية.

ويرى الشعراوي أن آثار هذه الأزمات لا تتوقف عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد لتطال البنية الاجتماعية نفسها في الريف، موضحًا: "مع مرور الوقت، سنشهد تصاعدًا في المشكلات التي تواجه سكان القرى، أبرزها اتساع الفجوة بينهم وبين سكان المدن، لأن غياب البدائل في وسائل النقل، وبعد القرى عن فرص العمل والخدمات كالتعليم والرعاية الصحية، يشعر السكان بأنهم أقل حظًا، بل ومُهمشون اجتماعيًا".

ذلك الشعور تعيشه صفاء مصطفى، طالبة في السنة الثانية بكلية الآداب بجامعة المنصورة، حيث تسكن في قرية كفر الطويلة التي تبعد عن المنصورة قرابة نصف ساعة، ورغم ذلك تبدأ يومها قبل طلوع الشمس، على أمل أن تجد وسيلة مواصلات تقلها إلى الموقف الرئيسي ومنها إلى الجامعة.

تقول، وهي تقف على حافة الطريق منتظرة منذ أكثر من ساعة: "أنا بخرج من البيت الساعة ستة الصبح، عشان ألحق توصيلة بدري، بس كتير مش بلاقي توك توك يوصلني للموقف، وبتأخد غياب في المحاضرات".

تضيف: "ولما الأجرة زادت، قللت عدد الأيام اللي بروح فيها الجامعة، التوك توك بيوصل لـ25 جنيه، والمواصلات الجماعية زادت، خصوصًا لأن الطلبة بياخدوا أكتر من وسيلة عشان يرجعوا البيت، أنا مش قادرة أوصل للتعليم اللي هو حقي".

حين تصبح المواصلات عبئًا ماديًا يوميًا يعوق الوصول إلى التعليم، يخالف ذلك نص المادة 19 من الدستور المصري على أن "التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار".

هذا الشعور بالتمييز الذي تعيشه صفاء قد يدفعها للتسرب من التعليم أو الهجرة، وفق الدكتور نادر الشعراوي، الذي يحذر من أن الإحساس المتنامي بالتمييز قد يدفع مزيدًا من الأسر إلى الهجرة الداخلية نحو المدن، في محاولة للهروب من العزلة، ما يُنتج تكدسًا حضريًا، وتضخمًا سكانيًا في المناطق الحضرية، مقابل تراجع النشاط في الريف وهجره تدريجيًا. 

ومع استمرار ارتفاع أسعار الوقود، تتقلص حركة التنقل بين القرى والمدن، ما يفاقم هذا الشعور بالعزلة ويؤدي إلى تنازل كثير من الأسر عن خدمات حيوية، كالصحة والتعليم، لصعوبة الوصول إليها، وفق الشعراوي.

آثار ضخمة

أدى ذلك إلى ظهور مبادرات مجتمعية غير مدعومة تحاول توفير وسائل نقل أقل تكلفة للمرضى والطلاب، مثلما حدث في قرية "سنيطة" التي تبعد عن مركز المنصورة 50 دقيقة ويكلف الخروج منها قرابة 100 جنيهًا ذهابًا وإيابًا، حيث تعاني من ندرة حادة في وسائل المواصلات الداخلية والخارجية، لذا أطلقت فيها فاطمة نجيب، مسؤولة في جمعية "خير الناس" غير حكومية مبادرتها.

تقول: "أطلقنا مبادرة لنقل المرضى مجانًا بواسطة سيارة تبرع بها أحد الأهالي، لكنها لا تكفي، لدينا ثلاث قرى تعتمد على سيارة واحدة فقط، وهناك حالات مرضية تستدعي التوجه إلى المستشفى كل يومين، لكن إمكانياتنا محدودة، ولا نستطيع سوى خدمة عدد بسيط من المحتاجين".

لا يقتصر الضرر على المرضى فقط، بل يمتد ليشمل الطلاب وأسرهم: "هناك طلاب اضطروا إلى ترك الجامعة والمدرسة، أو الاكتفاء بالحضور خلال مواعيد الامتحانات فقط، بسبب معاناتهم اليومية في توفير وسيلة مواصلات مناسبة".

تُعرّف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" التسرّب من التعليم على أنه أحد أبرز أشكال الفقر التربوي، كونه يحرم الأطفال من حق أساسي في بناء مستقبلهم، ويُضعف من فرص اندماجهم في المجتمع لاحقًا.

وبحسب الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2022/2023، بلغ عدد الطلاب المتسربين من التعليم في مصر 76,296 طالبًا وطالبة، كان لمحافظة الدقهلية منهم نصيب بلغ 1,939 طالبًا بينما يقع 15.2% من سكان المحافظة تحت خط الفقر المدقع، وفق بحث الدخل والإنفاق للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء العام 2020.

تضيف فاطمة: "حاولنا توفير سيارات نقل جماعية للطلاب خلال فترات الدراسة، لكن الأعداد تفوق الطاقة الاستيعابية لدينا، الأمر يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الحكومة والمجتمع المدني، نحن نسد ثغرات، لكن حجم المشكلة يفوق إمكانياتنا".

ويحذر الشعراوي أستاذ علم الاجتماع الريفي أن أهل القرى باتوا اليوم في عزلة جغرافية واجتماعية أكثر من أي وقت مضى، نتيجة لارتفاع تكاليف التنقل، وهو ما يكرّس مزيدًا من الانكماش الاجتماعي داخل المجتمعات الريفية.

وهنا يؤكد مسؤول محلي في مجلس مدينة المنصورة، فضّل عدم ذكر اسمه، أن الجهات المعنية في المحافظة تدرك تمامًا حجم المعاناة التي تواجهها القرى نتيجة ارتفاع تكاليف النقل، مشيرًا إلى أن المجلس تقدم بعدة مذكرات رسمية للمطالبة بدعم خطوط مواصلات ريفية ثابتة، إلا أن الميزانيات المحدودة ما زالت تؤجل التنفيذ.

ويقول لـ"قلم المنصورة": "نأمل أن يتم قريبًا التنسيق بين وزارة التنمية المحلية وهيئة النقل العام لتوفير حلول واقعية، خاصة للقرى البعيدة عن المراكز، إذ لم يعد الأمر رفاهية، بل ضرورة يومية تمس حياة آلاف المواطنين".

حاولنا التواصل مع الدكتور منال عوض، وزير التنمية المحلية، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب" لمعرفة خطة الوزارة في حلّ أزمة المواصلات والتنقل للمواطنين في القرى المتطرفة بعد زيادة البنزين، إلا إننا لم نتلق رد حتى الآن.

مع كل زيادة في أسعار الوقود، تتقلص قدرة هدى وسعيد وصفاء وسعاد وغيرهم من سكان القرى النائية على الاستمرار في العمل والتعليم والعلاج؛ نتيجة سياسات النقل غير العادلة.

Photographer: سلمى الهواري - مواصلات القرى