عمال شفط المياه.. جنود المطر المجهولون

Photographer: سلمى الهواري - عمال شفط المياه

Written By سلمي الهواري
2026-04-19 16:35:10

وسط سماء تغطيها سحب ممطرة، وبرق يلمع بين الحين والآخر، وسيول تجتاح الطرقات، يلتف الناس في بيوتهم متجنبين الخروج، بينما يقف صلاح محسن، 59 عامًا، أحد عمال شفط المياه بالوحدة المحلية بمدينة بني عبيد في محافظة الدقهلية، وسط هذا المشهد القاسي، مرتديًا طبقات من الملابس الثقيلة اتقاءً للبرد ليؤدي واجبه. 

صلاح، أب لأربعة أبناء، لم يكن يتخيل أن حياته ستتغير بهذه الصورة قبل خمس سنوات، حين أجبرته إصابة في أثناء عمله في الحدادة على ترك مهنته، ليقضي أكثر من ستة أشهر في الفراش، ويقضي عامًا ونصف بلا عمل، يواجه مصاعب الحياة والديون المتراكمة. 

عمال شفط المياه

تحت المطر والبرد

لكن الضرورة قادته إلى عالم جديد وهو العمل وسط الشوارع المغمورة بالمياه، إذ تقدم للعمل في الوحدة المحلية كعامل شفط مياه، ليبدأ رحلة من التعب والمخاطرة اليومية: "شغلانتنا صعبة، المواسير تقيلة والمية بتنزل علينا من كل حتة، والبرد والرعد مبيسبناش، لكن دا واجبنا نحمي الناس ونخلي الشوارع صالحة للمرور". 

يضيف: "إحنا عارفين أن لو منزلناش الناس هتغرق والشوارع هتقفل، مهما تعبنا، إحنا دايمًا موجودين عشان سلامة المواطنين، ودي مسؤوليتنا قبل أي حاجة".

عمال شفط المياه
المصدر| الصفحة الرسمية لمحافظة الدقهلية

وكان آخر تلك المخاطر ما واجهه هؤلاء العمال خلال الأيام العشرة الأولى من شهر أبريل الجاري، حين شهدت مصر موجات من الطقس السيئ، تضمنت أمطارًا متوسطة إلى غزيرة إلى جانب رياح محملة بالأتربة وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة.

مثلما يتكبد صلاح مشقة أيام الشتاء وهو يعمل على شفط مياه الأمطار، يقف أحمد خالد، 55 عامًا، من مدينة بلقاس، في الصفوف الأمامية لمواجهة آثار الطقس القاسي، ليكون هو الآخر واحدًا من جنود شفط المياه الذين يحمون الناس ويؤدون واجبهم وسط الظروف الصعبة

أحمد هو أب لثلاثة أبناء، لم يكن يملك ما يكفي لتوفير قوت يومه، حتى قرر التقدم للعمل بوظيفة عامل شفط مياه بالمحافظة: "مع دخول الشتاء ونوبات المطر الشديدة، ننزل مع محطات رفع المياه على عربات شفط المياه. الأيام الأولى كانت صعبة وقاسية جدًا، البرد بيمشي في كل جسمك، لكن كنا بنأخد علاوات إضافية، أحيانًا توصل لـ500 جنيه في الأسبوع".

عمال شفط المياه
المصدر| الصفحة الرسمية لمحافظة الدقهلية

أول شتاء.. تجربة قاسية

يتذكر صلاح أولى تجاربه في هذا العمل وسط برد قارس وأمطار لا تتوقف في شتاء عام 2023: "كانت أول مهمة ليا وسط الأمطار والبرد الشديد، وكنا بنرفع مواسير المياه الثقيلة رغم البرد، حتى الملابس الحرارية مكنتش كفاية تحمينا، ولما رجعت البيت بعدها، تعبت جدًا وقعدت مريض لأكتر من أسبوع. لكن مع أول نوبة شتاء تانية، نزلنا الشغل من جديد".

يبدأ يوم صلاح عادةً قبل أن تشرق الشمس، أو أن يفتح الكثيرون نوافذ منازلهم ليتفقدوا حالة الطقس: "مع أول خبر عن أمطار غزيرة أو تجمع مياه في الشوارع، يكون وصلني الاستدعاء للنزول إلى العمل". على الفور يرتدي ما يستطيع من طبقات ثقيلة، ويستعد لساعات طويلة من الوقوف والعمل وسط المياه والبرد القارس.

يتحرك مع زملائه على سيارة شفط المياه بين شوارع المدينة والمناطق الأكثر تضررًا، حيث تتجمع المياه أمام المدارس والمستشفيات، وعلى الطرق الرئيسية والجانبية: "الدور بتاعي مش واقف جنب عربية الشفط بس، ده كمان بحمل مواسير الشفط الثقيلة وبثبتها جوه برك المية، وأتنقل بيها من مكان للتاني وسط مطر مبيقفش ورياح ساقعة بتخلي أي حركة أصعب".

عمال شفط المياه
المصدر| الصفحة الرسمية لمحافظة الدقهلية

يتشابه يومه مع يوم أحمد الذي يستيقظ أيضًا قبل شروق الشمس ويتجه نحو الوحدة المحلية، وهناك يقضي ساعات الصباح في أعمال النظافة الميدانية، أو مرافقة سيارات شفط المياه خلال نوبات الأمطار وسوء الأحوال الجوية. 

يتحرك بين الشوارع والميادين حاملًا أدوات العمل، يزيل المخلفات أو يساعد في توجيه خراطيم ومواسير الشفط إلى أماكن تجمع المياه: "جسمي كله بيواجه البرد والرطوبة طول الوقت، والمجهود مبيوقفش، ومع كل التعب ده لسه حاسس بسعادة كبيرة لما بشوف إني بخدم الناس".

مواقف لا تنسى

يؤيده صلاح الذي يجد في عمله معنى وهدفًا: "اللي بنعمله صعب، لكن لو وقفنا عن العمل هتتضرر حياة ناس، وده اللي بيخليني أتحمل كل التعب والألم".

يتذكر صلاح حادثة مؤلمة وقعت في أحد أيام عام 2024، حين اجتاحت المدينة عاصفة شديدة، وارتفع منسوب المياه أمام مدرسة حكومية بقرية مجاورة بشكل كبير: "سيارات الشفط اتأخرت شوية، ولما وصلنا لقينا مئات الطلاب بيحاولوا يعدوا المية، ووقع طفل واحد لأنه اختل توازنه، توقفت بالعربية وجريت عليه، قفزت جوه المية ورفعته، يومها اتعرضت لقطع جزئي في أوتار رجلي واضطريت أعالجها شهرين ونص، بس المهم إن الطفل طلع سالم".

وبينما تُغلق الأبواب والنوافذ هربًا من العاصفة، يظل هؤلاء العمال في الشوارع، يحملون عبء المطر من أجل حماية المواطنين من مخاطر الغرق والسيول، وضمان استمرارية حياة المدينة بشكل طبيعي.