"حرّيفة الحارة".. من الأزقة إلى ملاعب الدورات الرمضانية

تصميم| محمد صلاح

Written By مؤمن مسعد
2026-02-26 11:25:26

تتحرك الكرة بسرعة بين اللاعبين، كل منهم يحاول اللحاق بها. يتقدم كريم الحاوي، 30 عامًا، بخفة، ويراوغ خصومه الذين يسعون لإيقافه، وعيناه مركّزتان على المرمى. فجأة يرفع قدمه اليسرى ويسدد بقوة، كما اعتاد، وسط صخب وهتافات الجماهير.

"الحاوي"، لقب التصق به منذ صغره، ليس مجرد اسم، بل علامة على موهبة بدأت في دورات رمضان الشعبية بالأحياء ونضجت على أرصفة الشوارع. يقول كريم: "كانت الانطلاقة من تلك الدورات التي صنعت مني نجمًا في عالم الساحرة المستديرة".

تُظهر دورات رمضان في الأزقة والأحياء الشعبية مواهب كروية نادرة، تلتقطها الأعين سريعًا، فيبدأ اللاعبون بالانضمام إلى أندية كبرى ويصبحون نجومًا، مع بقاء ذكرى البداية في الحارة محفورة في الذاكرة.

كريم الحاوي.. موهوب القدم اليسرى

بدأ كريم الانضمام إلى الدورات الرمضانية في حي العرب وهو في عمر 14 عامًا، مدفوعًا بحكايات والده إذ كان يروي له قصص لاعبين صعدوا من الشارع إلى الاحتراف، مثل محمد عبود الشهير بـ"السنجا"، أحد أبرز نجوم النادي المصري وكرة القدم المصرية سابقًا. 

يقول: "كنت الأكثر جرأة في جيلي، لا أخشى الالتحامات مع الأكبر مني سنًا، ومع الوقت أصبح اسمي يتصدر أي فريق، وبعض الفرق كانت تدفع لي مكافأة بسيطة مقابل المشاركة، وتميزت بقدمي اليسرى التي لا تخطئ التسديد في المباريات".

تميز كريم في هذه الدورات دفع أهالي الحي لتشجيعه على خوض اختبارات النادي المصري، الحلم الأكبر لأي لاعب في بورسعيد: "تقدمت لاختبارات في عام 2012 ولعبت لمدة عامين في فريق الناشئين، وكانت كل مباراة فرصة لأثبت نفسي. قبل إصابتي بالرباط الصليبي، كنت أعيش كل يوم للتدريب وأحلم بأن أكون اسمًا يعرفه الجميع، لكن فجأة توقفت كل شيء نتيجة الإصابة فقط".

مع مرور الوقت، تغيّر مسار حياته بعد الإصابة؛ ورغم ذلك، لم يترك شغفه، فكل رمضان يعود إلى الملعب، ليستمر في اللعبة التي أحبها، ويفتتح موسم الاحتفالات الشعبية بالكرة.

لذا يؤكد  الكابتن محمد حسن، المدرب السابق في قطاع الناشئين بأندية الجمارك والرباط، أن تطوير الكرة المصرية يتطلب الانتباه إلى المواهب التي تخرج من الدورات الرمضانية، مع تقديم دعم تدريجي يربط بين قدرات اللاعب، ومتطلبات النظام الاحترافي من جاهزية بدنية وأسلوب حياة رياضي. 

ويوضح لـ"البورسعيدية" أن هذا الطريق هو الأمثل لتحويل الموهوبين إلى لاعبين قادرين على المنافسة على أعلى مستوى واستثمارهم بشكل فعّال في تطوير المنتخبات المصرية على المدى البعيد.

من الشارع إلى دوري المظاليم

وفي حي الزهور، كانت البداية مختلفة تمامًا، لكن الروح واحدة، حيث بدأ محمد السيد، 26 عامًا، كحارس مرمى في دورة رمضانية صغيرة، وهو في الرابعة عشر من عمره، لم يكن يملك وقتها رد فعله السريع لصد الكرة ويديه العاريتين دون قفازات تحميهما.

يتذكر محمد: "في عام 2013، كنا وصلنا إلى نصف النهائي من الدورة، وفي المباراة دي تصديت لركلتي جزاء وكل أعصابي مشدودة. فجأة، شفت مدرب قاعد بيتفرج بالصدفة، وبعد انتهاء المباراة طلب مني التواصل مع أخويا الكبير عشان أمضي عقد مع نادي غزل بورسعيد".

بالنسبة له، كانت الدورات الرمضانية بوابة العبور الأولى، مكانًا تعلم فيه اللعب تحت الضغط والاحتكاك مع لاعبين أكبر سنًا: "اللعب في الشارع أو الملاعب الخماسية منحني خبرات كبيرة، علمّني الصبر والذكاء في التعامل مع الكرة".

منذ ثلاثة أعوام، وبعد وفاة والده، أصبح محمد المسؤول الوحيد عن أسرته: "قررت أتمرن الصبح وأشتغل بالليل شغلانة تانية لأن رواتب النوادي المحلية قليلة، لكن الكرة لسه في دمي"، مع الوقت تنقل محمد بين أكثر من نادي في الدرجة الثالثة منطلقًا من حارته.

الدورات الرمضانية مصنع المواهب 

يصف الكابتن محمد حسن، الحارة التي انطلق منها كريم ومحمد عبر بوابة الدورة الرمضانية، بأنها ليست مجرد تسلية موسمية، بل مصنع للمواهب: "من لا يجيد لا يلعب أساسي، ومن يملك الموهبة يفرض نفسه حتى لو لم تعترف به الأكاديميات".

ويضيف لـ"البورسعيدية": "الدورات الرمضانية تصنع لاعب مؤهل نفسيًا، لأن اللاعب القادم من الشارع لديه شجاعة أكبر وقدرة على التعامل مع الضغط الجماهيري مقارنة بخريجي الأكاديميات".

ويؤكد أن كثيرًا من الأجيال السابقة ظهروا لأول مرة في هذه الدورات، قبل أن تنتقل أسماؤهم بين الأندية عبر الصدفة أو العلاقات الشخصية، وليس من خلال منظومة كشف منظمة.

في رمضان تُرسم ملاعب مؤقتة في الشوارع، وتعلَّق كشافات الإضاءة لفرز نجوم الحارة. لم يترك "الحاوي" لعب الكرة رغم إصابته، واستمر "محمد" في اللعب رغم مسؤولياته، وبينهما عشرات اللاعبين ما تزال تلك الدورات تكتشفهم.