قبل نحو ستين عامًا، غادر شاب نحيل أسوار السجن، يحمل كيسًا صغيرًا ودفترًا تتناثر بين صفحاته جمل قصيرة تصف رائحة العفن، وضجيج الشوارع وملامح العابرين، لم يكن يعلم آنذاك أن هذا الدفتر سيكون بوابته لتحويل الرواية إلى وثيقة، والكلمة إلى موقف والتاريخ إلى مادة حية للسرد.
هو الكاتب صنع الله إبراهيم الذي رحل عن عالمنا، اليوم الأربعاء، 13 أغسطس، عن عمر يناهز 88 عامًا، داخل أحد مستشفيات القاهرة، بعد معاناة مع المرض إثر إصابته بالتهاب رئوي.
يُعَدُّ صنع الله من أبرز كتّاب الرواية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث عُرف بأسلوبه الذي يمزج بين السرد الإبداعي والتوثيق الواقعي، وبقدرته على تحويل الأحداث السياسية والاجتماعية إلى نصوص روائية حادة تحمل موقفًا نقديًا واضحًا، جعل منه شاهدًا ومؤرخًا لزمنه بقدر ما هو روائي.
من أزقة القاهرة إلى الأدب العربي
وُلد صنع الله إبراهيم عام 1937 في القاهرة، في قلب أجواء تمزج بين صخب الحارات الشعبية وزخم الحياة الثقافية، في بيته الصغير كان رف الكتب الضيق أشبه ببوابة إلى عوالم بعيدة؛ يضم قصص المغامرات والترجمات وأعمال كبار الكتّاب المصريين.
أما والده، الموظف الحكومي المثقف، فكان يقضي نهاره بين دفاتر العمل وأمسياته بين الكتب والصحف، حاملًا لابنه إرثًا من الحكايات والأفكار.
التحق صنع الله بكلية الحقوق، لكن قاعات الدراسة لم تُقيّد فضوله، لذا جذبته أكثر حلقات النقاش السياسي والجدل الفكري، ومع الوقت، انخرط في العمل السري ضمن الجناح الشيوعي للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني المعروفة بـ"حدتو"، ممهدًا أولى خطواته على الطريق الذي سيحدد ملامح حياته ومسيرته الإبداعية.
حين تحوّل "الكلبش" إلى قلم
اعتُقل صنع الله إبراهيم عام 1959 بتهمة انتمائه إلى تلك الحركة الشيوعية، وقضى خلف القضبان خمس سنوات كاملة، وكان السجن بالنسبة له عالمًا مغلقًا، لكنه تحول إلى مساحة مختلفة للحياة؛ يقضي فيها ساعات طويلة بين القراءة والكتابة.
حصل على الكتب بطرق شتى، بعضها كان مهرَّبًا، وبعضها من مكتبة السجن، وهناك بدأ تدوين ملاحظاته اليومية عن الطعام الفاسد والرطوبة، والوجوه التي تتبدل مع الزمن، وخرج من السجن العام 1964 حاملًا تلك التدوينات التي تحولت لاحقًا إلى روايته الأولى "تلك الرائحة" التي نشرت عام 1966، وكشفت الظلم في هذا التوقيت واستعادت تفاصيل طواها النسيان، لتكون تلك اللحظة الشرارة الأولى لمسيرة أدبية لم تحِد عن قناعاته يومًا.
روايات كشفت الفساد السياسي
بعد الإفراج عنه، لم يعد صنع الله إبراهيم مجرد كاتب، بل تحول إلى مؤرخ سياسي يستخدم القلم بدل الكاميرا، حيث عمل فترة في الصحافة بوكالة أنباء الشرق الأوسط، وتمرّس على لغة الخبر ودقة التفاصيل، ثم انتقل إلى الترجمة واطّلع على طيف واسع من النصوص العالمية.
وفي أوائل السبعينيات، شدّ الرحال إلى الاتحاد السوفيتي ليدرس السيناريو في معهد موسكو للسينما، فاكتسب أدوات جديدة في السرد البصري والبناء الدرامي.
عند عودته إلى القاهرة، قرر التفرغ للكتابة عام 1975، لذا ابتكر أسلوبًا فريدًا يمزج بين السرد الروائي والمواد التوثيقية مثل إعلانات الصحف والجداول الإحصائية ونصوص القوانين ومقتطفات التقارير الرسمية.
لم يكن هذا المزج مجرد حيلة فنية، بل هو فعل مقاومة، يضع القارئ أمام حقائق صادمة لا يمكن إنكارها، ففي رواية "اللجنة" عام 1981، تبنّى صيغة التحقيق البيروقراطي لفضح شبكة الفساد السياسي والاقتصادي، بينما تحولت رواية "وردة" عام 2000 إلى أرشيف سردي يوثق مرحلة الثورة في عمان، وهكذا، جعل من الأدب جبهة مفتوحة في مواجهة الفساد والاستبداد.
مواجهة السلطة من منصة التكريم
في عام 2003، اعتلى صنع الله إبراهيم منصة المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، وسط ترقب الحاضرين لسماع كلمته عقب إعلان فوزه بجائزة الملتقى العربي للإبداع الروائي، الممنوحة من وزارة الثقافة، لكن بدلًا من إلقاء خطاب الشكر المعتاد، فاجأ الجميع بإعلان رفضه للجائزة، احتجاجًا على سياسات الحكومة التي وصفها بالقمعية والمتواطئة في التطبيع والتآمر على القضايا العربية، وكانت لحظة حاسمة وصادمة، أنهى بعدها كلمته وغادر القاعة، ليترك مشهدًا أصبح علامة بارزة في مسيرته الأدبية والسياسية.
ورغم ابتعاده عن الأضواء والتكريمات، بل ورفضه لبعضها، فقد نال صنع الله إبراهيم العديد من الجوائز المرموقة عربيًا ودوليًا، من بينها جائزة غالب هلسا عام 1992، وجائزة سلطان العويس الثقافية عام 1994، وجائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2004، وجائزة الشعب عام 2018، وجائزة محمود درويش للإبداع عام 2019.
برحيل صنع الله إبراهيم، يطوي المشهد الثقافي صفحة من أنقى وأصدق صفحاته، لرحلة أديب لم يكتفِ بمجرد الحكي، بل ابتكر منهجًا يرفض الانصياع للقوالب الجاهزة، ويكسر صمت التاريخ، محوّلًا النص الأدبي إلى شهادة حية ووثيقة سياسية.