الهروب الكبير

تصميم: باسم حنيجل

Written By زياد الجندي
2025-06-28 13:18:33

يعيش الشباب المصري حالة من الحيرة المستمرة، بين الرغبة في بناء مستقبل مستقر داخل بلدهم، والحلم بالسفر والبدء من جديد في مكان مختلف، وفي السنوات الأخيرة، أصبحت فكرة "الهجرة" أو "السفر" منتشرة بشكل واضح بين الشباب، وكأنها طوق النجاة من واقع لا يمنحهم ما يحلمون به.

لطالما كانت الغربة كلمة صعبة، لكنها اليوم أصبحت هدفًا عند كثير من الشباب، لم يعد السفر مجرد فرصة عمل، بل تحول إلى وسيلة للهروب من ضغوط الحياة، من قلة الفرص، ومن الإحباط الذي يشعر به كثيرون بعد سنوات من الدراسة والتعب دون مقابل حقيقي.

“السفر هو الحل؟”

الواقع يقول إن كثيرًا من الشباب لا يجدون مكانًا لهم في سوق العمل،  بعضهم يظل شهورًا، وربما سنوات، يبحث عن وظيفة تناسب مؤهلاته دون جدوى. آخرون يُضطرون للعمل في مجالات لا علاقة لها بما درسوه، أو يقبلون بوظائف مؤقتة لا توفر لهم أمانًا وظيفيًا ولا الحد الأدنى من الطموح.

بالأرقام

ووفقًا لآخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2024، بلغ معدل البطالة 6.6%، بعدد متعطلين وصل إلى 2.113 مليون شخص، من بينهم 1.091 مليون من الذكور و1.022 مليون من الإناث. أما معدل البطالة بين الشباب (15–29 سنة)، فقد سجل 14.9%.

كذلك، كشفت نفس الجهة أن عدد خريجي التعليم العالي في مصر لعام 2023 بلغ نحو 762.5 ألف خريج، بزيادة قدرها 3.3% عن العام السابق، بينهم أكثر من 500 ألف من الجامعات الحكومية، مما يوضح حجم التكدس في سوق العمل مقارنة بعدد الوظائف المتاحة.

إحباط

هذا الوضع يخلق داخلهم شعورًا بالضياع، فيبدأون بالنظر إلى السفر كخيار منطقي. هناك في الخارج، يعتقدون أن الحياة أوضح، وأن الجهد يقابله تقدير. يرون أمثلة من معارفهم أو أقاربهم الذين سافروا وحققوا نجاحًا أو استقرارًا، فيزيد الأمل في أن يكون الحل خارج الحدود.

لكن الوجه الآخر للهجرة لا يقل قسوة،  فبينما يسعى كثير من الشباب للسفر بأي وسيلة، تظهر أرقام مقلقة بخصوص الهجرة غير الشرعية. فقد سجلت بيانات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود "فرونتكس" انخفاضًا بنسبة 38% في أعداد المهاجرين غير النظاميين من مصر إلى أوروبا عام 2024، مقارنة بالعام السابق، ولكن ما تزال مصر واحدة من الدول المصدرة لهذه المحاولات، والتي كثيرًا ما تنتهي بمآسٍ وضحايا.

ضيوف

وفي الوقت نفسه، تشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن مصر تستضيف أكثر من 914 ألف لاجئ وطالب لجوء من 61 جنسية، مما يضعها أيضًا في قلب أزمة الهجرة، ليس فقط كمصدر، بل كممر ومُستقبِل أيضًا.

بين الحلم والهروب

لكن في المقابل، الغربة ليست سهلة كما يظن البعض، كثير من الشباب الذين سافروا يواجهون صعوبات قاسية، شغل مرهق، بعد عن الأهل، شعور دائم بالوحدة، وحتى أحيانًا معاملة غير عادلة. ومع ذلك، يفضلون الاستمرار، لأن العودة تعني الفشل في نظرهم، أو العودة إلى نفس المعاناة التي هربوا منها.

وفي وسط كل هذا، يبقى السؤال:هل فعلاً السفر هو الحل؟، أم أننا بحاجة لتغيير جذري داخل بلدنا يجعلنا نتمسك بالبقاء؟هل من الممكن في يوم من الأيام أن "نلاقي الشباب بيحلموا ينجحوا هنا، مش بس يهاجروا؟" أسئلة كثيرة تدور في عقل كل شاب، ولا إجابات واضحة.