محمد أشرف.. شيف يصنع نكهة جديدة للطهي في الصعيد

محمد أشرف

Written By عبدالرحمن خليفة
2025-06-18 13:12:55

في زاوية هادئة من مطبخ صغير تفوح منه روائح التوابل، يقف محمد أشرف، 26 عامًا، عيناه مركزتان على طبق أمامه، تتحرك يداه بخفة بين المكونات، يضع قطعة لحم على المقلاة الساخنة، وتعلو فرقعة خفيفة تتبعها رائحة مشبعة بالدخان والبهارات. 

يُقلب اللحم بحذر، حتى يأخذ اللون الذهبي ببطء، وفي المقابل، يغرف بملعقة خشبية مزيجًا من الأرز المتبّل، يشكله في كرات متساوية ثم يقليها حتى تكتسب قرمشة مثالية. بدأ شغف محمد، ابن مركز ملوي في محافظة المنيا، بالمطبخ منذ صغره، حين ورث حب الطهي من والده، الشيف العمومي، الذي كان يتقن إعداد الأطباق بروح الفنان. 

يحكي كيف كان يتابع والده وهو يبدع في المطبخ: "تعلّق قلبي بكل تفاصيل الطهي، أحببت رائحة البهارات ودقة التقطيع التي كان يمارسها والدي، وصولًا إلى لمسة التقديم التي تمنح الطبق حياة".

يقول: "أبي لم يكن يطبخ فحسب، بل كان يصنع لحظات لا تُنسى، كنت أشعر أن كل وجبة يعدّها تحمل جزءًا من روحه، ومن دفء بيتنا، ومنذ تلك اللحظة، صار المطبخ ملاذي والسِكّين هو رفيق الدرب".

مؤخرًا، حصد محمد المركز الثالث في مسابقة "وورلد أراب شيف" ضمن قسم الطعام النباتي لهذا العام، بتنظيم جمعية الطهاة المصريين والنقابة العامة للعاملين بالسياحة والفنادق في المنيا، وهي المرة الثانية له، إذ حصد العام الماضي المركز الأول في المسابقة نفسها.

بداية محمد في عالم الطبخ

بجانب ما زرعه والده فيه من حب للطهي، لم يكتفِ محمد بالشغف، بل قرر أن يعززه بالدراسة، حيث التحق بكلية السياحة والفنادق، طامحًا لأن يترك بصمته الخاصة في عالم الطهي، وأن يُصبح من بين الطهاة الذين تُروى حكاياتهم من خلال أطباقهم.

يقول: "الشيف يشبه الطبيب يمتلك أدواته ومهاراته، يهتم بصحة الزبائن، ونظافة أدواته، وسلامة كل ما يقدمه، وهو تمامًا كطبيب، يمكنه أن يطهو ما يفيد صحة من يتناول الطعام أو يضرّه إذا لم يكن مدركًا لما يفعل".

من هذا الفهم العميق لدور الشيف، انطلق محمد في مشواره المهني، معتمدًا على مزيج من الموهبة والدراسة، ليقدّم أطباقًا من المطبخ الشرقي بلمسة معاصرة مستوحاة من تقنيات المطبخ الغربي، داخل أحد مطاعم مركزي ملوي، حيث يسعى إلى إدخال ثقافة طهي جديدة في مجتمع لم يعتد على هذا النوع من التجديد.

ويستعيد محمد بداياته قائلًا: "كان تفكيري دائمًا يميل إلى تنفيذ أطباق جديدة ومبتكرة، وهذا ما دفع البعض إلى انتقادي، خصوصًا أن المجتمع الذي أعمل فيه منغلق نسبيًا ويميل إلى المطبخ الشرقي التقليدي، من كانوا ينتقدونني بالأمس، يتمنون اليوم تذوق ما أقدمه".

المشاركة في المسابقة

رغم شغف محمد المبكر بالطهي، إلا إنه كان يرفض المشاركة في المسابقات، وكان يسمع دومًا من المحيطين به كلمات: "ما زال أمامك بعض الوقت حتى تكون جاهزًا"، لكن هذه العبارات لم تُثنِ عزيمته، بل دفعته للسعي نحو التطور.

قرر أن يصقل موهبته بخطوات عملية، وانخرط في سلسلة من التدريبات المتخصصة التي نظمتها النقابة العامة للسياحة والفنادق، تعلم خلالها فنون التقطيع، وطرق الطهي والتسوية، وفهم درجات الحرارة المناسبة، إلى جانب أساسيات صحة وسلامة الغذاء. 

كانت هذه التدريبات هي البوابة التي غيّرت مسار رحلته في عالم الطهي، بينما نقطة التحول الحقيقية حدثت في العام الماضي، حين خاض أولى تجاربه في المنافسة، وشارك في مسابقة "وورلد أراب شيف" داخل قسم الطعام النباتي، التي تستقطب طهاة من مختلف أنحاء الوطن العربي. 

ورغم حداثة عهده بالمنافسات، فاجأ الجميع بتميزه، وقدم طبقًا مبتكرًا بعنوان "كفتة داوود النباتية" مع "رول" خضار، تأهل به إلى قائمة أفضل ثمانية متسابقين، قبل أن يقتنص المركز الأول، في إنجازٍ شكّل علامة فارقة في مسيرته.

ولم يتوقف عند هذا الحد، ففي العام الحالي، عاد للمشاركة في نفس المسابقة خلال الشهر الماضي، لكن هذه المرة من بوابة جديدة: قسم "الطهي المستدام"، الذي يركّز على إعداد أطباق خالية من الهدر، مراعاةً للبيئة. 

وحصد المركز الثالث بفضل أطباقه المبتكرة، التي استخدم فيها مكونات غالبًا ما تُهدر في المطابخ التقليدية، مثل قشور الخضروات وأجزاء غير معتادة من النباتات، ما أظهر وعيه البيئي والتزامه بفلسفة الاستدامة في الطهي، كما حصل خلال المسابقة على ورشة مصغرة تناولت تقنيات المطابخ الحديثة الموفّرة للطاقة.

وتتوافق هذه الجهود مع ما تدعو إليه الأمم المتحدة في اليوم العالمي للطهي المستدام 18 يونيو من كل عام، والذي يسلّط الضوء على أهمية تقليل الفاقد من الطعام في جميع مراحل سلسلة الإمداد الغذائي، من الزراعة إلى الاستهلاك. 

يقول محمد: "حتى بقايا الطعام التي تخرج إلى النفايات، يمكن إعادة تدويرها لتُستخدم كسماد عضوي"، مضيفًا: "أتمنى أن تتبنى المطاعم والمطابخ في مصر هذا التوجه، وأن يصبح تقليل الهدر مبدأ أساسياً في كل مطبخ".

تحديات ونجاحات

مشوار محمد من البداية حتى المشاركة والفوز بالمسابقة كان مليئًا بالتحديات، التي كادت أن تبعده عن حلمه. يتذكّر تلك اللحظة الصعبة التي شعر فيها أنه على وشك الاستسلام، قائلًا: "بعد كمّ الانتقادات، فكّرت بجدية أن أترك المهنة، لكنني شعرت أنني بذلك أضيع إرث والدي، الذي علّمني فنون الطبخ منذ أن كنت في السادسة من عمري". 

كان والده مصدر الإلهام والداعم الأول، لا يفوّت مسابقة إلا ويشجعه على المشاركة، يحرص على أن يراه مستمرًا في المسار الذي بدأه معه منذ الطفولة: "اليوم الذي لا أدخل فيه المطبخ يكون صعبًا عليّ".

من بين الذكريات التي لا تُنسى في بداياته، يروي محمد قصة قريبة إلى قلبه، تعكس كيف يبدأ النجاح غالبًا من خيبة: "بعد خمسة أشهر فقط من عملي في أحد مطاعم الوجبات السريعة، قدّمت لصديقي المقرب طبق مكرونة، لكنه انتقده بشدة ولم يعجبه".

مضت السنوات، وسافر صديقه لكن العلاقة بينهما لم تنقطع، بل بات يتصل به دائمًا ويقول له: "مشتاق لطعامك"، بالنسبة لمحمد، كانت تلك اللحظة بداية فهمه الحقيقي لأهمية التطوير، وأن النقد أحيانًا هو الحافز الخفي للنجاح، حيث أنه طور من مهارته عقب ذلك الموقف.

ومع تطوره المهني، وجد محمد نفسه في تحدٍ من نوع مختلف، وهو العمل في مركز ملوي بمحافظة المنيا، وتقديم أطباق جديدة في مجتمع يفضّل النكهات التقليدية: "العمل هنا يتطلب صبرًا، لأن ذوق الزبائن لا يتغيّر بين ليلة وضحاها". 

لكنه لم يتراجع، بل واصل التجريب، وابتكر أطباقًا تمزج بين روح المطبخ الشرقي وتقنيات الطهي المعاصرة، ويستشهد بأحد أطباقه الأخيرة التي لاقت رواجًا كبيرًا في عيد الأضحى، وهو طبق "الريش المشوية"، لأن تسويته كانت ببطء على درجة حرارة منخفضة، وقدّمه مع كرات الأرز المقلية والفلفل المشوي، فحاز على إعجاب الزبائن وتقديرهم.

ومن أبرز المحطات التي اختبر فيها نفسه ومهاراته، مشاركته في النسخة الأخيرة من المسابقات، حيث طُلب منه تحضير طبق بمكونات محدودة تشمل البيض، اللحم المفروم، المكرونة، والبطاطس، ويعتبر محمد هذا التحدي من أصعب ما واجهه، لكنه كان درسًا مهمًا في القدرة على التفكير تحت الضغط، قائلاً: "هذا الطبق علّمني أنه عندما أُوضع في موقف صعب، يجب أن أتصرف بالشكل الصحيح".

يوضح محمد نظام المسابقة التي خاضها بهذا الطبق، بأنها تعتمد على اختبار مهارات الشيف في ظروف غير متوقعة، حيث يُسلَّم كل متسابق صندوقًا يحتوي على مكونات عشوائية، ويُطلب منه ابتكار طبق باستخدام تلك المكونات فقط، دون السماح بالاستعانة بأي إضافات خارجية. 

هذا التحدي لا يختبر فقط قدرة المتسابق على الطهي، بل يقيس أيضًا سرعة البديهة، والقدرة على الإبداع تحت الضغط، وإدارة الوقت بدقة.

يقول محمد: "على مدار عامين من المشاركة، تعلمت الكثير، خصوصًا من الشيفات المشرفين والمحكّمين، الذين لم يقيّموا أطباقنا فقط، بل كانوا يعلّموننا الانضباط، والاهتمام بكل تفصيلة، من درجة النضج إلى شكل التقديم، فكل عنصر في الطبق له وزنه".

ويضيف بابتسامة صادقة: "ما أحببته في المسابقة أنها غرست فينا روح الفريق، لم نشعر أبدًا أننا خصوم. بالعكس، كنا نشجّع بعضنا البعض، حتى أن المتسابقين الذين كانوا يتبعونني في ترتيب التقديم كانوا يقفون ليهتفوا ويصفقوا لي، كأننا عائلة واحدة".

يعوّل محمد على أن يكون المستقبل أكثر وعيًا بقيمة المهنة التي اختارها، آملًا أن تحظى فنون الطهي في مصر بما تستحقه من دعم وتقدير، لا سيما في جانب السلامة الغذائية والتدريب المستمر للطهاة. 

وبعينٍ لا تتوقف عن الحلم، يرى في كل طبق فرصة جديدة للابتكار، وفي كل تجربة طهي مساحة للتعبير عن ذاته: "أحلم بالمشاركة في المسابقات العالمية وأن أقود فريقًا يُشهد له بالكفاءة، يحمل اسمي وأسلوبي، وينقل المذاق من مجرد طعام إلى تجربة تُروى".

محمد أشرف